الآمال الكبيرة .. والأحلام البعيدة

03/07/2016 - 9:56:36

محمد عبدالوهاب محمد عبدالوهاب

للفنان محمد عبدالوهاب

كلما أقبل شهر رمضان الكريم أجلس إلي نفسي أستعيد معها الأيام البعيدة، أيام كنت تلميذا صغيرا يحرص علي أن يصوم رمضان، وأذكر كيف كان يحلو لي أن أقضي لياليه المباركة.
فتمر بي ذكري أحلي أيام عمري التي قضيتها في هذه الأيام السعيدة، يوم كنت أفطر بين أمي وأبي، في حي باب الشعرية وهو الحي الديني الذي لايزال يحتفظ بطابعه الشعبي الصميم، وبعاداته في مثل هذه الأيام الطيبة والتمسك بإقامة الشعائر الدينية لهذا الشهر المعظم.
أتذكر كيف كنت عندما أنتهي من الفطور «أنزلق» من وسطهم وأبدأ جولاتي المسائية، وهي جولات كانت من مستلزمات حياتي في تلك الأيام، وهي محببة إلي نفسي وقلبي.. وعلي أضواء الفوانيس كنت أبدأ أولي جولاتي، فأمضي ساعات سائرا وفي قلبي رهبة وتقوي مما أراه احتفالا بشهر رمضان، وكنت أستعرض ألوانا مختلفة يمتاز بها حي باب الشعرية.
كل بيت بابه مفتوح يطل منه الفرح والسرور والابتهاج.
فهذا البيت أحضر مقرئين من أشهر المقرئين الموجودين في الحي يرتلون أي الذكر الحكيم، ومن حولهم جمع كبير من مختلف الطبقات ينصون في اهتمام. وبين كل تلاوة وأخري كانوا يتسامرون في أهم شئونهم ويرتشفون فناجين القهوة أو القرفة.
وهذا البيت استعد بفرقة دينية من الفرق التي كانت مشهورة وقتذاك وهذا البيت عنده حلقة ذكر يتخللها الدعاء والمديح والابتهالات.
كل هذه الشعائر والمباهج والأفراح، تركت أثارا في نفسي مازلت أحتفظ بها وأتذكرها وكأنها كانت بالأمس فقط.
وبعد هذه الجولة في أرجاء الحي الديني الشعبي الكبير، كنت أبدأ جولتي الثانية، حتي أصل إلي المسرح، وكنت أتحايل لادخله، وأجلس علي خشبة المسرح أو فوقه أو تحته، هذا المسرح الذي كانت تغني فيه السيدة منيرة المهدية، وكنت أجلس هناك حتي يحل موعد السحور، فكنت أنهي جولاتي بهذه الجولة الأخيرة، وأحث الخطي نحو مسجد الشعراني حيث أدعو الله وأعلمه بأمنياتي التي أرجوها في حياتي.
ثم أعود إلي المنزل، وأتناول وجبة السحور، ثم أذهب إلي سريري لأغمض عيني علي أسعد يوم من أيامي.
وفوق سرير حديدي كنت أسعد بآمالي وأحلامي البعيدة، هذه الآمال وهذه الأحلام التي تحققت، وبالرغم من تحققها فإنها لم تستطع أن تعوض يوما من هذه الأيام الماضية.