قصة قصيرة.. كاب السيد المأمور!

03/07/2016 - 9:49:38

عمرو على بركات عمرو على بركات

كتب - عمرو على بركات

كان السيد المأمور مهيباً فى طلعته، تكمن هيبته فى كونه مهتماً بمظهره الميرى كما أٌنزل، فلم نره يوماً يرتدى ملابس مدنية، وكان يسميها ساخراً بإسمها القديم " الملابس الملكى"، ولم أره دون غطاء رأس أبداً، وكنا نتراهن فيما بيننا هل هو أصلع؟ أم بشعر؟ حتى أنه كان مخصص عسكرى مراسلة لحمل الكاب الإحتياطى، وشاحن الموبايل، وبطارية جهازه الاحتياطية، فربما فقد كابه، أو وردت له تعليمات أو إشارات بحوادث أثناء مروره على الخدمات وتكون بطارية جهازه اللاسلكى قد نفدت من كثرة تعليماته التى يصدرها، لم يرفع الكلفة يوماً فى حديثه مع أى ضابط، أو أحد الأفراد، فيقول: "الرقيب أول فلان... والأمين تانى فلان الفلانى...والسيد الملازم علان... والسيد اللواء ترتان"، آية من آيات الالتزام بالتعليمات العسكرية، حتى فى مشيته نسمع دبة رجله فى طرقات المركز، وأداء تحيته، كف يده اليمنى ملامس لرفرف الكاب كما تدرب عليها فى طابور المشاة أثناء فترة المستجدين، وحلاقته اليومية لذقنه، كما لو كان جده "سليمان باشا الفرنساوى"مدير مدرسة البيادة فى "الخانكة" أيام" محمد على باشا"، يضع علبة المصحف الشريف على الجهة اليمنى من سطح مكتبه، بينما يضع " دليل العمل بمراكز وأقسام الشرطة" الصادر عن الإدارة العامة للتفتيش والرقابة بوزارة الداخلية، على الجهة اليسرى، ويتوسطهما لوحة رخامية كٌتب عليها " المأمور" من الامام، بينما كتب اسمه عليها من الخلف، ويضع تحت يده اليمنى التى لا يفارقها القلم الفرنساوى الأحمر دوسييه " الكتب الدورية الواردة من السيد اللواء مدير الأمن"، ملتزماً ببرنامج العمل اليومى، كُرم مرتين فى عيد الشرطة قبل الثورة مأموراً مثالياً على مستوى الوزارة، فكل صباح يتمم على الخدمات الليلية قبل انصرافها، والخدمات الصباحية قبل خروجها، يكتب بنفسه قراءة عدادات سيارات الدورية، ويتمم على المحجوزين فى التخشيبة، ويراجع تنفيذ قرارات النيابة، ويطلع على دفترى الأحول الزوجى، والفردى حسب أيام الشهر، ويؤشر فيه بالبند رقم 2 أسفل بند " افتتاح اليوم على بركة الله" الساعة 8 ص بقلمه الأحمر" اطلعت على الدفتر.. ولا ملاحظات"، سألته يوماً:" ما قيمة إطلاع حضرتك على دفتر لم يكتب به ملاحظة واحدة!؟"، فقال:" لما تبقى مأمور هتعرف!"، لم يتمكن أحد من اقتحام مركزه أيام الثورة، ولم يهرب من عنده محجوز واحد، لأنه كان ملتزماً بتطبيق خطة تأمين المركز فى الظروف الاستثنائية والمعتمدة من السيد اللواء مدير الأمن بحذافيرها، يستيقظ صباحاً فى الساعة السادسة كعادته منذ تخرجه، فهو موعد ضرب النوبة الذى اعتاد عليه منذ أن كان طالباً فى الكلية، ليرتدى البدلة الميرى ويقوم بتلميع الرتب الصفيح، والزراير النحاس، ونسر الكاب بالبراسو، ولكنه قلب الاستراحة يومها باحثا عن البدلة الميرى الشتوى الصوف الكاكى، فلم يجدها، اختفت من فوق الشماعة، ولما كان يتبع التعليمات فلا يسمح للعسكرى المراسلة بدخول الاستراحة، فلم يساعده أحد فى البحث عنها، فهو يعيش وحيداً لم يتزوج، ويوم تجرأت وسألته عن السبب فى ذلك قال بحسم:"حتى لا أضطر لارتكاب سلوكاً يعرضنى لمخالفة مقتضى السلوك الوظيفى"، فاستطردت :"كيف يافندم؟"، فقال بقطع:" وهل أقبل بعد كل تاريخى الوظيفى أن أجلس أمام السيد مفتش التحقيقات بسبب شكوى من مطلقتى بسبب تأخرى عن دفع النفقة الخاصة بالأولاد؟"، ظل يبحث عن البدلة الشتوية حتى أصبحت الساعة السابعة، والدورية على وشك الخروج من المركز، نظر من نافذة الاستراحة المطلة على حوش المركز، فوجد الدورية مصطفة، والسيارات دائرة المواتير، وسيارة الترحيلات مستعدة للعرض على النيابة، وجميع الضباط والأمناء والأفراد فى انتظار هبوطه من الاستراحة، فقام دون أن يدرى بسحب شماعة البدلة الكاكى الصيفية وارتدائها على عجل وكأنه مغيب، وخطف الكاب الشتوى من فوق الرف، ونزل مسرعاً ليقف أمام طابور الدورية، ولم يتنبه أنه يرتدى الكاب الشتوى على البدلة الصيفى فى الشتاء، وكتم الجميع ضحكاتهم، وظن الجميع أنه قد وردت إشارة من المديرية بارتداء الملابس الصيفية ليلاً، أو تعديل الزى العسكرى بخلط الزى الصيفى على الشتوى على سبيل تطوير الشرطة! ولكنهم تساءلوا:" مازلنا فى شهر يناير والجو برد!؟"، ولكنه لم يعلنا بشئ، وكنا ندخل ونخرج عليه المكتب دون أن يبدى أى ملاحظة على بدلنا الميرى الشتوية، وبدورنا كتمنا عنه خبر بدلته الصيفية التى يرتديها فى الشتاء تحت الكاب الشتوى، ومر يومنا على خير، فلا هو" ملحظنا" وجازى عسكرى بسبب مخالفته تعليمات الزى العسكرى، ولا نحن" ملحظينوه" بسبب لخبطته للزى العسكرى، إلا أنه فى اليوم التالى حدثت مفاجأة؟ فقد إستيقظ السيد المأمور كعادته فى موعده، وهمّ بارتداء بدلته الميرى، إلا أنه لم يجد لا البدلة الشتوية، ولا حتى البدلة الصيفية!! ونظر من الشباك كعادته، فوجد الدورية مصطفة، فدون أن يدرى وضع الكاب فوق رأسه، ونزل مسرعاً ليقف أمام الطابور بالبيجامة، والكاب على رأسه، والطبنجة فى الجراب معلقة فى القايش ملفوفة حول جاكتة البيجامة، فبُهت الجميع، وكتمنا ضحكاتنا بصعوبة، وبدأنا نتبادل نظرات التساؤل المصحوبة بالدهشة؟! حتى أن المساجين فى سيارة الترحيلات تدافعوا محدثين جلبة داخل الصندوق لرؤية السيد المأمور بزيه الميرى الجديد من خلف النوافذ ذات المصبعات الحديدية، ومن هيبته لم يستطع أحد ولا حتى الضابط نوبتجى، ولا رئيس المباحث، ولا أنا نائب المأمور إخباره بأنه يرتدى الكاب على البيجامة، فهمست فى أذن رئيس المباحث المذبهل قائلاً بسخرية :" أكيد فى كتاب دورى ورد بالليل بتغيير زى الشرطة، وسيعلنه علينا اليوم، وغداً سنلبس كلنا البيجامات"، فأجاب ساخراً:" يعنى الوزارة هتغير الزى من الشتوى.. للصيفى.. للبيجامات بالتدريج؟.. هى بتحرم الخمر؟"، فنظرت للسيد المأمور وهو يلقى بتعليماته المعتادة على أفراد الدورية بالبيجامة الكاستور المقلمة، وقلت لرئيس المباحث:" طب كان المفروض تلبسنا الوزارة جلاليب اليومين دول، تماشياً مع سياسة الدولة!؟ ولا سياسة الدولة إنهم يلبسوا الشرطة بيجامات!؟"، فأجاب:" كلنا هنلبس البيجامات قريبا إن شاء الله"، وتوارى السيد المأمور داخل مكتبه يمارس عمله الروتينى اليومى، ولم يخرج منه، فحمدنا الله، ولكننا فى صباح اليوم التالى فوجئنا بما لم يكن فى الحسبان؟! فقد فوجئنا بأن السيد المأمور نزل من استراحته بملابسه الداخلية، فكان يرتدى «شورت وفانلة» والكاب على رأسه، وقايش الطبنجة ملفوف فوق الفانلة!! ولكنه أثناء مروره الأخير على الدورية الصباحية، بدأت الضحكات تتعالى سافرة من القوات بمختلف درجاتهم ورتبهم، بل تجمع الأفراد والعساكر الذين هم فى الراحة لمشاهدة السيد المأمور وهو شبه عارى، وتعالت التعليقات:"المأمور مزنوق... المأمور باع هدومه... باع أرضه... المأمور فى مستشفى المجانين... المأمور لسع من الميرى"، وحدث هرج ومرج، ووقفت كنائب للمأمور أحاول السيطرة على السيد المأمور بملابسه الداخلية، وعلى القوات، بل جذبته بمساعدة رئيس المباحث من يده بالقوة لأصطحبه إلى استراحته وهو يقاوم، وغاب عن الوعى بالموقف الذى هو فيه، وأمرت رئيس المباحث بإخطار المديرية فوراً، فليس من المتوقع أن يكون وردت تعليمات بتغيير زى وزارة الداخلية إلى الملابس الداخلية! وأثناء محاولة إجبار السيد المأمور على الاستجابة لنا، وردت إشارة لاسلكية تفيد حدوث هجوم إرهابى على الكمين التابع للمركز على الطريق الزراعى، واستشهاد كل من فيه، فتركنا المأمور قائماً بمفرده فى حوش المركز بملابسه الداخلية، وعليه الكاب، وتحرك الجميع مسرعاً وركبنا السيارات متوجهين إلى الكمين، ولمحت فى مرآة البوكس السيد المأمور وهو يجرى خلف القول الأمنى بملابسه الداخلية، وقد طار الكاب من فوق رأسه، فبدت صلعته واضحة، وأهالى وأطفال المركز يجرون خلفه يصفقون ويحدفوه بالطوب، وقد لبس أحدهم - يرتدى جلباباً - كاب السيد المأمور.