شيخوخة الخليل

01/07/2016 - 10:29:17

أحمد شامخ

 (شيخوخة الخليل ) هذا هو عنوان كتاب الهلال الذي يصدر في 5/7/ 2016 وهو عبارة عن بحث لشكل القصيدة النثرية العربية للكاتب والشاعر المغربي محمد الصالحي.


 وعن هذه الدراسة يقول الكاتب (العربي الذهبي) في مقدمة الدراسة خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، استعاد المشهد الشعري العربي المعاصر النقاش الذي دار خلال الستينيات حول قصيدة النثر، وذلك بفعل اتجاه الأجيال الشعرية الجديدة، عبر مختلف الأقطارالعربية، إلى مراكمة زخم قوي من التجارب والكتابات الشعرية الموسومة بكونها قصائد نثرية. إلا أن هذا النقاش لم يخرج، في إشكالاته ومحاوره وزوايا النظر المشاركة فيه وكذا في تفاصيله، عما عرفته الستينيات من طابع سجالي ودعائي حينا، أو اختزالي سطحي حينا آخر، وإهمال للوقائع الشعرية أحيانا أخرى... إلــــى أن وصلت السفينة المضيق المغلق حيث لا تزال تراوح الرسو القسري.


ويبدو أن هم محمد الصالحي، في هذه الدراسة، هو السعي، ما أمكن، نحو تبديل موقع وآليات النظر إلى الموضوع، لأجل الاقتراب من ممكنات الصياغة العلمية الملائمة للواقع الشعري لقصيدة النثر، بدل الإبقاء على ترجيع الشعارات التنظيرية التي رسبها هذا التراكم الهائل. هذا الأمر يدفـع الباحثين إلـــــى الكشف عن الثغرات التي وسمت كل هذه الخطابات حول الظاهرة؛ أكاديمية كانت أو تنظيرية دعائية وتقريظية، أو رافضة مناوئة، وذلك قبل رسم مساراته المقترحة.


سيجد القارئ نفسه منشدا، بخيط رفيع، إلى جدية المعالجة وفكاكها من الجفاف الأكاديمي الصرف في نفس الآن، إذ يدعونا الباحث لمشاركته مسعاه الدؤوب إلى تحويل إشكال قصيدة النثر من قضية نزاع بين طرفين يحاكم أحدهما الآخر، بلغة قضائية دفاعية أو هجومية، دون أن يتكلما معا لغة مشتركة تمكنهما من التواصل أصلا، إلى واقعة علمية يتطلب بناؤها المعرفي جهدا مضنيا ومكثفا. هذا الضوء المعرفي الدقيق المتوهج أحيانا، والخافت أخرى، في هذا العمل، لا يدعيه محمد الصالحي لنفسه ولا يعلنه حتى، لكنه الهاجس اللصيق بعمله في إطارإعادة ترتيب بناء تصور لقضايا قصيدة النثر. ومن شروط هذا البناء ضرورة التخلي الفعلي عن التناول الاستيهامي الزمني المفرط في اعتبار قصيدة النثر الأجد من غيرها، تاريخيا، وبالتالي هي أحدث ما وصل إليه الشعر العربي، بل إنها تقطع الصلة مع هذا الشعر كله لتفتح سجلا جديدا في مساره التاريخي. فالصالحي يثير انتباهنا مرارا – تلميحا وتصريحا حسب السياق – إلى أن هذا الاستيهام قاسم مشترك بين دعاة قصيدة النثروالرافضين لها معا، مما يجعله مؤسسا لكثيرمـن الأسئلــة الـزائفة، نظــريا وتجريبيا، حـول الموضوع. لهــذا السبب ينحصـر هَمُّ هذه الدراسة فـي البحث، نظريا، عن الأسئلة الحقيقية للشعر: من خلال قضية المصطلح، والنوع الأدبي، مفهوم النظام، وعلائق النثري بالشعري، والإيقاع.


هكذا يُحَاولُ الباحث ألا يقع تحت طائلة عدد من الصيغ الجاهزة التي صارت بمثابة رسوم لدخول سوق الحداثة النقدية القائمة على الصفاء الميتافيزيقي لقصيدة النثر في جدتها الجوهرية. ضمن التصور الكلي السالف لابد من إعادة ترتيب العلاقة بين القديم والجديد، بعكس التيار التقريظي السائد، ليرى بجرأة أن التقليد والتجديد يتآلفان داخل النص الواحد، ولا يدرك الأخير إلا بوجود الأول.


هكذا يتابع القارئ سعيا لرصدالوقائع الشعرية خارج سلطة النزعتين؛ التقريضية والرفضوية، كما خارج سلطة المرجعية الغربية المطلقة التي تحكمت في عدد هائل من الدراسات العربية في الموضوع، ممثلة على الخصوص في كتاب سوزان برنار الذي لا يفتأ الباحث يؤكد على نسبية الاجتهادات الواردة فيه كما يبين سقطاته.


هذه بعض الاستلزامات النظرية والمعرفية التي تفرض نفسها من أجل بناء منسجم للتفكير في قصيدة النثر ومعها عدد من قضايا الشعر العربي. ذلك ما يجعل هذا الكتاب مدخلا نظريا ضروريا للبحث في النص الشعري والكشف عن آليات انبنائه، وهو ما ننتظره من الشاعر محمد الصالحي ومن كل الباحثين المهتمين بالشعرالعربي المعا صر، لأن تحليل النصوص هو الفيصل في تأكيد أو تفنيد التصورات الشعرية كيفما كانت طبيعتها.