لماذا لا ينعقد مجلس الأمن القومى لمناقشة مهزلة الثانوية العامة؟

29/06/2016 - 1:30:35

تقرير تكتبه: إيمان رسلان

تنص المادة ٢٠٥ من الدستور لعام ٢٠١٤ على أن ينشأ مجلس للأمن القومى برئاسة رئيس الجمهورية وعضوية رئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس النواب ووزراء الدفاع والداخلية والخارجية والمالية والعدل والصحة والاتصالات والتعليم وأيضًا يضم التشكيل رئيس المخابرات العامة ورئيس لجنة الدفاع والأمن القومى بمجلس النواب، كما تقول المادة أيضًا أن يختص بإقرار استراتيجيات تحقيق أمن البلاد ومواجهة حالات الكوارث والأزمات بشتى أنواعها واتخاذ ما يلزم لاحتوائها، والسؤال الذى يطرح نفسه الآن لماذا لا ينعقد مجلس الأمن القومى لمواجهة ما يحدث فى امتحانات الثانوية العامة وظاهرة التسريب اليومى الذى سبق أن أطلقنا عليه التسريب القومى على اعتبار أنه منتشر فى كل أنحاء الجمهورية؟! خاصة أن قضية التسريب عرفت منذ أول يوم لانعقاد الامتحان فى ٦ يونيو الماضى بعد تسريب اللغة العربية بالإجابة النموذجية أيضًا، ولكن وزارة التعليم لم تتخذ قرارًا إلا بإلغاء امتحان التربية الدينية لأنه تسرب قبلها بساعة ونصف فحفظا لماء وجهها «أجلت الامتحان».


واللافت للنظر أن أحدًا لم يأخذ ما حدث بالجدية اللازمة خاصة ما رددته صفحات التسريب وتهديدها بالتسريب اليومى للامتحان وإجابته وهو ما ثبت عمليًا وفعليًا فى كل المواد.


حتى إن الوزارة نفسها لجأت والامتحانات تقترب من نهايتها أن تلغى امتحان الديناميكا وهى «فرع فى مادة الرياضيات» وتعيده الأسبوع القادم مع تأجيل امتحان الجيولوجيا والتاريخ والجبر إلى الأسبوع القادم أيضًا، وهو ما أدى إلى اشتعال الغضب داخل الطلاب وأولياء الأمور وشهد عدد من المحافظات تظاهرات لطلاب الثانوية العامة اعتراضًا على الإلغاء وتأجيل الامتحانات.


ففى محافظة الدقهلية اجتمع مئات من الطلاب وتظاهروا وهتفوا ضد الوزير والوزارة واتهموا الوزير بالفشل فى الحفاظ على سرية الامتحانات كذلك الأمر حدث أيضًا فى الغربية حيث تظاهر الطلاب أمام المحافظة وتكرر الأمر فى الإسماعيلية بل والإسكندرية، كذلك فى المنوفية وأيضًا فى السويس بجانب القاهرة وأمام المقر الرسمى لوزارة التربية والتعليم، أى أن الغضب يعم الجميع من جانب الطلاب وأولياء أمورهم. وزاد عليه أن الطلاب قاموا بمسيرة إلى مجلس الشعب ثم اتجهوا ظهر الاثنين الماضى إلى ميدان التحرير ولكن بالتفاهم بين القيادات الأمنية والطلاب تم الإقناع بعدم الدخول إلى ميدان التحرير والاكتفاء بما حدث أمام الوزارة ومجلس النواب.


وهم محقون فى ذلك تماما لأن القضية لم تعد فى امتحان شهادة فقط والفشل فى الحفاظ على سريته وتأمينه، ولكن لأن الأمر أصبح متعلقا بقوت الأسرة المصرية وهى دفعت فى سبيل الحصول على هذه الشهادة «على كل ما بها حتى لو كانت لا تعلم شيئًا»،ما تملك من وقت وجهد وقبلهما من مال على أمل وحيد أن يمروا من عنق الزجاجة ليجدوا مكانًا تحت سماء الجامعات المصرية الحكومية وهو المنقذ الأخير لحلم أبناء الطبقة الوسطى لإلحاق أبنائهم بالتعليم الجامعي.


وحينما تستدعى المادة ٢٠٥ من الدستور الذى أقره الشعب بأغلبية غير مسبوقة فهذا يعنى أن ما يحدث فى الثانوية العامة أمر جلل لأنها الشهادة الوطنية والتى تجسد أحلام شبابها وأسرهم فهى قضية أمن قومى بالفعل.


والآن أصبح الأمر أكبر من البحث عن فشل وزير فهذا لا يحتاج إلى برهان وليس أيضًا البحث عمن يسرب الامتحانات رغم أنه أعلن عن القبض على من يسرب الامتحانات واستمر التسريب!.


وأعتقد أن الأمر بات مفهومًا ولا يحتاج إلى فك ألغاز فقط نحتاج بل ونطالب بانعقاد سريع لمجلس الأمن القومى لبحث ما يحدث فى الثانوية العامة.


والأهم هو إقناع الرأى العام والأسر المصرية بالقرارات التى يتم اتخاذها.


لأنه حتى الآن الجميع يسأل بل يصرخ بالهتاف لماذا عدد من المواد الدراسية فقط يتم إلغاؤها وإعادة الامتحان فيها مع أنه ثبت أن كل الامتحانات قد تم تسريبها وأليس حفاظا على الأمن القومى من أن يعاد الامتحان بأكمله فى عدة أيام قليلة لا تتعدى أسبوعا»مثل كل الشهادات الأجنبية فى مصر» ووفق منظومة علمية لوضع الامتحان سواء فى مستوى الأسئلة بحيث لا تكون تعجيزية للطلاب أو حتى سهلة للغاية.. والأهم وفق منظومة يتم تأمينها جيدًا.


وعلمت»المصور» من مصادر ومسئولين سابقين عن امتحانات الثانوية العامة خلال السنوات الأخيرة أن هناك خمس مراحل لطبع وتوزيع امتحانات الثانوية العامة على مستوى الجمهورية وكل مرحلة من هؤلاء يمكن اختراقها، والخمس مراحل هى: أولًا مرحلة وضع الامتحان من اللجنة المكلفة بذلك، «عادة يتم وضع الامتحان بخط اليد»، ثم تذهب نسخة من الأسئلة إلى أحد العاملين، «الخاص جدًا» ليعمل على كتابتها على الكمبيوتر ثم تعاد مرة أخرى إلى واضع الامتحان لمراجعتها وتدقيقها مرة أخرى إلى أن يتم حفظها فى شكلها النهائى، ثم عندما يقترب موعد الامتحان يتم إصدار أوامر الطبع داخل المطبعة السرية وفقًا لعدد محدود من أوراق الأسئلة، ويطبع عدد إضافى من الأسئلة ثم يتم وضع أوراق الأسئلة فى مظاريف وفق أرقام سرية، وتغلق فى مظروف بالشمع الأحمر، ثم يأتى إلى المرحلة قبل الأخيرة وهى التسليم والتسلم، وتتم أولًا على مستوى المديريات التعليمية الكبرى فى مختلف المحافظات، وهذا يتم وفق حراسات مشددة ثم المرحلة الخامسة والأخيرة، وهى توزيع مظاريف الأسئلة على الإدارات التعليمية وعادة ما تتم فى فجر يوم الامتحان ويعقبها تسليمها إلى المسئولين فى المدارس، وتسمى اللجان الفرعية، وتسلم لهم صباح يوم الامتحان من خلال لجنة توقع فى كشوف محددة، وهذا يتم أيضًا خلال كل المراحل إلى أن تصل إلى يد مراقب اللجنة قبيل الامتحان بخمس دقائق ثم الطالب مع دقات الساعة التاسعة.


هذه هى الخطوات العتيقة المتبعة فى التجهيز لامتحان الثانوية العامة، وهى التى تتم مراحلها الأهم من خلال شارع واحد فقط هو شارع وزارة التربية والتعليم والمطبعة السرية «المعلن مكانها»، والتى لا تبعد عن مقر ديوان عام الوزارة إلا أمتارًا قليلة.


والسؤال هنا بعد كل ماحدث أليس من السهل أن تستنتج الآن، ماذا حدث أم هى معضلة وسر حربى؟!


لكن أضعف حلقة منهم هم العاملون بالمطبعة السرية التى نفى لى المصدر السابق أن يكونوا هم المسئولين عن التسريب أولًا لأنهم أيضًا يعملون بها منذ سنوات طويلة ولأنهم أيضا يحصلون على مكافآت مجزية لذلك العمل وبالتالى إمكانية التسريب منهم تمثل الحلقة الأضعف لأنهم معروفون بالاسم والعدد وجرى استعلام أمنى عنهم وصدرت تقارير من جهات رقابية حول أدائهم.


فالمنظومة من داخل وزارة التربية والتعليم أصابها العطب تمامًا والفساد ينخر فيها لأنها تسير بالعمل وفق آليات القرن الماضى وبأساليب عفى عليها الزمان ويسهل اختراقها ولذلك أقترح أن يتم استدعاء خبراء التعليم ووزراء سابقين وعلى رأسهم د. حسين كامل بهاء الدين ليقدم الرأى والمشورة لمواجهة كارثة ما يحدث الآن.


أوضاع التعليم لا تحتمل أبدًا الانتظار والتأجيل لسنوات قادمة فقد وصلت إلى حد الانهيار الكامل ولا آمل إلا بالإصلاح الشامل لذلك وليس هناك من أمل غير أن الرئيس السيسى طبقًا لمسئوليته الدستورية والقانونية من أن يدعو مجلس الأمن القومى للانعقاد فورًا وأن يصارح الشعب بنفسه بالقرارات وأعتقد أن الشعب المصرى سيصدقه حتى لو كان القرار إلغاء الامتحان وإعادته بأكمله حفاظا على هيبة أولا مؤسسات الدولة ومصداقيتها وعلى رأسها مؤسسة التعليم.