رغم تحفظات بعض النواب البرلمان يُقر الموازنة «الأزمة»!

29/06/2016 - 1:14:26

تقرير: إيمان النجار - عبد الحميد العمدة

على مدى ٤ جلسات برلمانية، ناقش مجلس النواب الموازنة العامة للدولة للعام المالى ٢٠١٦/٢٠١٧ وشهدت الأجواء داخل البرلمان جدلا وتوترات أثناء مناقشة الموازنة العامة التى انعقدت منذ بداية الأسبوع الحالى.


الانتهاء من الموازنة وإقرارها مع نهاية هذا الأسبوع كانت المهمة المنتظرة من النواب، وفقًا لنص الدستور وهو ما نبه له الدكتور على عبد العال رئيس المجلس بضرورة الانتهاء منه، قائلًا: «الوقت يداهمنا، ويوم الخميس إجازة، والموازنة يجب الانتهاء منها دستوريا يوم الأربعاء».


هناك عدة بنود تهم المواطنين فى هذه الموازنة العامة، وأهمها موازنة الصحة، فالإنفاق الحكومى على الصحة يجب أن يصل إلى ٣ ٪ من الناتج القومى الإجمالي، طبقا للمادة ١٨ من الدستور، الذى ينص كذلك فى المادة ٢٣٨ منه على أن تلتزم الدولة بتخصيص الحد الأدنى لمعدلات الإنفاق الحكومى على الصحة المقررة فى الدستور تدريجيا اعتبارا من تاريخ العمل بالدستور على أن تلتزم به كاملا فى موازنة الدولة للسنة المالية المقبلة (٢٠١٦ – ٢٠١٧ ).


الهيئة البرلمانية لحزب المصريين الأحرار أعلنت بالإجماع رفض نواب الحزب لمشروع الموازنة العامة للدولة، وأعلن علاء العابد رئيس الهيئة البرلمانية للحزب تأجيل قرار الحزب بشأن الموازنة العامة للدولة لحين إعلان الحكومة موقفها من التوصيات التى تقدمت بها الهيئة البرلمانية إلى البرلمان.


علاء عابد يقول شهد اجتماع الهيئة البرلمانية للحزب رفض الأغلبية للموازنة العامة للدولة، بسبب تعدد أوجه القصور داخلها فهى لا ترتقى لموازنة دولة مثل مصر وإنما لاتزيد عن موازنة «شركة خاسرة» على حد قوله.


«الحكومة غير قادرة على تلبية كل المطالب من خلال هذه الموازنة» كما بين عابد، فهى تعتمد على القروض والضرائب، فى الوقت الذى أهملت فيه قطاعات هامة كالتعليم والصحة وتنمية الصعيد، وهوما يجعل الموازنة شبيهة بموازنات عصر ما قبل الثورة، بل إنها الأسوأ مقارنة بهذه الموازنات.


محمد فؤاد المتحدث باسم الهيئة البرلمانية لحزب الوفد أعلن موافقة الحزب على مشروع الموازنة، ولكن صاحب هذه الموافقة باشتراطات أبرزها مراجعة ربع سنوية لمؤشرات الأداء الحكومية.


محمد صلاح أبو هميلة، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الشعب الجمهورى، أعلن موافقة الحزب على الموازنة، وفسر هذه الموافقة أنها بسبب الظروف الراهنة التى تمر بها البلاد والوضع الاقتصادى الحرج، والتحديات الصعبة التى تواجهها الحكومة.


أبو هميلة وصف الموازنة الحالية بأنها لم يسبق لها مثيل فى السنوات السابقة، لكن عليها بعض الملاحظات على الأرقام التى جاءت بها على حد قوله، ومنها ارتفاع نسبة العجز ومن المتوقع أن تصل إلى ٣١٩ مليار جنيه، وهذا الرقم يمثل ٣٤٪ من إجمالى الموازنة.


داعيًا أعضاء البرلمان إلى الوقوف بجوار الحكومة فى أزمتها ومحاولة تقليل هذا العجز، بعد أن وصل الدين العام الداخلى إلى ٩٨.١٪ من الناتج المحلى وهذا الأمر يمثل كارثة حقيقية، وهى ما يمكن تجاوزها عبر زيادة الاستثمار ومن ترشيد النفقات فى بابى السلع والخدمات حيث وصل حجم الإنفاق فى هذا الباب إلى أكثر من ٤٠ مليار جنيه، وإلغاء بند محو الأمية بعد تخصيص أكثر من ٢٠٠ مليون جنيه دون جدوى.


وطالب، أبو هميلة، بضرورة تحويل بعض الهيئات الاقتصادية إلى موارد منتجة، مع ضرورة إلغاء الدعم العينى وتحويله إلى نقدى تدريجيا، وتنفيذ القرار الخاص بتحصيل نسبة الضرائب التصاعدية التى تم فرضها، معلنا أن حصيلة الضرائب لا تتجاوز ١.٤٪ من إجمالى الدخل قائلا:» لو ركزنا شويه مع الفنانين هنجمع منهم ضرائب كتير جدا على الإعلانات والمسلسلات اللى بيعملوها فى رمضان بس».


محمد أسامة أبو المجد رئيس الهيئة البرلمانية لحزب حماة الوطن، أعلن موافقة الحزب على مشروع الموازنة بالرغم من الملاحظات العديدة التى أبداها على المشروع خلال كلمته بالجلسة العامة.


وأوضح أبو المجد أن السياسة المالية للحكومة يجب أن تكون رشيدة وليست طموحة فى ظل العجز الذى تواجهه الموازنة العامة للدولة، منتقدا عدم استجابة الحكومة لمطلب العديد من النواب بضم أموال الصناديق الخاصة لقانون الموازنة. وشدد أبو المجد على ضرورة وضع برامج حماية اجتماعية فعالة.


وأوصى رئيس الهيئة البرلمانية لحزب حماة الوطن بسرعة عرض الحكومة لقانون الخدمة المدنية على البرلمان لعدم تحميل الموازنة أى أعباء جديدة، والاهتمام بالمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، والانتهاء من تسوية المنازعات الضريبية.


محمد بدراوى رئيس الكتلة البرلمانية لحزب الحركة الوطنية المصرية رفض الموازنة العامة المقدمة من الحكومة للبرلمان، فلا يمكن له أن يوافق على تمريرها بوضعها الحالى فى ظل حكومة لا تمتلك رؤية اقتصادية ويغيب عنها التصور الإبداعى للخروج من المأزق الاقتصادى الذى تواجهه الدولة.


بدراوى حمل الحكومة برئاسة شريف إسماعيل المسئولية قائلًا: «لم تستطع حكومة شريف إسماعيل تحقيق الإيرادات التى وعدت بها فى الموازنة الحالية وحققت عجزا فى الإيرادات بلغ حوالي١٠٠ مليار جنيه، فقد سبق ووعدت بتحقيق إيرادات حوالى ٦٠٠ مليار جنيه ولم تحقق منها سوى ٥٠٠ مليار جنيه فقط فكيف إذا لحكومة تحقق هذا العجز الواضح فى الإيرادات والموارد كيف لها أن تحقق زيادات فى إيرادات الموازنة المعروضه علينا حاليًا».


وضرب مثلًا بتخبط وتدنى مستوى أداء الحكومة وعدم قدرتها فى توظيف الإيرادات وتوجيهها التوجيه السليم هو اعتمادها لبند فى الموازنة كمكافآت للامتحانات بمبلغ ١٤ مليار جنيه، وتساءل عن كيفية صرف مكافأة على عمل فشلت فى إنجازه وقدمت صورة سيئة للرأى العام بل وهددت الأمن القومى وهزت ثقة الرأى العام فيها وأهدرت المال العام.


وأكد بدراوى أنه إذا كانت الحكومة لديها حكمة ورغبة حقيقية فى أن تقدم شيئا مفيدا للشعب فعليها أن تعلن بشجاعة سحب هذه الموازنة وتعديل أرقامها ومعالجة الثغرات القاتلة الموجودة بها حتى يمكن لنواب البرلمان الموافقة عليها بضمير مرتاح، أما عكس ذلك فليس له إلا معنى واحد هو أن الشعب المصرى قادم على مطبات أصعب وأخطر مما نحن عليه الآن وللأسف المواطن هو وحده من سيدفع الثمن وليس أحدا آخر.


حديث الأرقام لم يجد قبولًا لدى عدد من النواب ومنهم طلعت خليل عضو مجلس النواب الذى تحدث عن كيفية إدارة أرقام الموازنة، وليس تخصيص موازنات دون التخطيط الجيد لها، مطالبًا بضرورة إجراء تغييرات حقيقة فى عدد من المجالات وخاصة الصحة والتعليم وتغيير السياسات التى تدار بها هذه الوزارات.


ودعا خليل بضرورة مراقبة لجنة الخطة والموازنة بمتابعة ومراقبة تنفيذ التوصيات التى طالبت بها لجان المجلس على تقريرها على الموازنة لضمان تحويل الموازنة من مجرد أرقام إلى موازنة برامج وأداء حتى نستطيع تحقيق تحول فى الأداء الحكومى.


كما اعترض محمد الحسينى عضو مجلس النواب على الأرقام التى تضمنها مشروع الموازنة، وقال «أنا غير مؤمن بالأرقام اللى فى الموازنة واللى حط موازنات الحكومة ناس غير متخصصة».


خالد شعبان، عضو مجلس النواب، قال إن الموازنة العامة لا ترتقى أن نتحدث عنها فى مجلس معبر عن كل أطياف المجتمع المصرى، لما فيها من تدليس وتزييف للحقائق، كما أنها لم تلتزم بالاستحقاق الدستورى فى تخصيص الـ١٠٪من الناتج القومى للإنفاق على الصحة والتعليم والتعليم العالى والبحث العلمى. وطالب أحد النواب بحذف كلمة «تيت» واستجاب له رئيس المجلس ووقرر حذف كلمة «تيت».


الدكتور حسن بسيونى عضو مجلس النواب، قال إن الموازنة العامة للدولة المعروضة أمام البرلمان، وضعت نفسها فى شبهة عدم الدستورية، فالموازنة تعد بناء أجوف، والأرقام التى وردت فيها لا تعبر عن الواقع، والمشكلة الأساسية هى ندرة الإنتاج الصناعى والزراعى والحيوانى، ولابد أن يكون هناك استثمارات كبيرة لحل تلك الأزمات.


واستطرد عضو مجلس النواب، أن الحكومة ظهرت فى الموازنة على أنها حكومة جباية تأخذ من المواطن، وهو حل بدائى، مشددًا فى نهاية حديثه: «الدستور وضع مخصصات ألزم بها الدولة، وهو أمر مستحيل فى الظروف الحالية، وأنا سأوافق عليها حتى لا تتعطل الدولة».


عودة إلى ملف الصحة، الذى نركز عليه فى هذا التقرير، نجد أن المخصص لموازنة الصحة فى موازنة العام المالى المقبل الذى يبدأ الشهر القادم يصل نحو ٤٨.٩ مليار جنيه بزيادة نحو خمسة مليارات جنيه عن موازنة العام الماضى البالغة ٤٤.٩٪ لكن هذه الزيادة غير مجزية ولا تعد زيادة حقيقية، خاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وارتفاع العملات الأجنبية مع الأخذ فى الاعتبار أن معظم المستلزمات الطبية مستوردة إلى جانب ارتفاع سعر الأدوية، الأمر الذى جعل اتحاد نقابات المهن الطبية يلوح بالطعن بعدم دستورية الموازنة.


وبعد مناقشات عدة جاء الرأى المنقذ من داخل مجلس النواب بضم كل ما ينفق على الخدمة الصحية لموازنة الصحة منها ضم مستشفيات الجيش والشرطة والسكة الحديد ومصر للطيران وغيرها من الجهات المقدمة للخدمة الصحية، وبالتالى ترتفع الموازنة لنسبة الـ ٣ فى المائة المقررة فى الدستور.


د. منى مينا، وكيل نقابة الأطباء، علقت على هذه الأزمة بقولها «صدرت الموازنة فى بداية الأمر بنحو ١.٥ فى المائة من الناتج القومى، وعندما علت الاعتراضات فى خلال يوم واحد تم رفعها لنحو ٧٤ مليار جنيه بزيادة نحو ٢٥ مليارا، ولكن تظهر هنا عدة أسئلة فهل هذه الزيادة حقيقية بمعنى إن كان هناك بنود لم تكن مخصصة وتم تخصيصها للصحة بحيث نلحظ زيادة فى المستلزمات الطبية فى أسرة الرعاية فى القدرة على الإنفاق على الخدمة الصحية فى المناطق النائية وعلى تحسين مستوى الأطقم الطبية، أم أنه فقط تم ضم المنفق على المستشفيات الشرطة والقوات المسلحة والمصر للطيران، فتم تم ضم ميزانية هذه المستشفيات لموازنة الصحة يكون له معنى وإضافة حقيقية للصحة فى حال أن تكون هذه المستشفيات متاحة للمريض العادى، لكن أن تضم مخصصاتهم المالية للموازنة فى حين أنها تقدم خدمات صحية لشريحة صغيرة وليس لعموم المصريين هذا نوع من التلاعب بالأرقام، وزيادة على الورق لن ينتج عنه تحسن الخدمة الصحية».


وشددت «يجب ألا ننسى نص الدستور على وضع حد أدنى للإنفاق على الصحة والتعليم والبحث العلمى وهذا اهتمام بنص الدستور ولا يجب الالتفاف على نص الدستور بضم مخصصات قطاعات بشكل ورقى دون ضخ إمكانيات فعلية لتحسين الخدمة معناه عدم التزام حقيقى بالدستور، والمطلوب حاليا تعديل للميزانية بحيث تضمن تحسين الخدمة وليس تغيير شكل كتابة البنود القديمة بحيث يتم الإفلات من الالتزام بالنص الدستورى، وصدور الميزانية بتسوية الاستحقاق الدستورى بضم ميزانية قطاعات غير مفتوحة للشعب المصرى يتطلب فى المقابل فتحها لعموم الشعب المصرى مجانا أو بأسعار رمزية، أو سنظل فى مربع عدم تنفيذ الاستحقاق الدستورى».


ويرى د. خالد سمير، عضو مجلس نقابة الأطباء، أن الخلاف الحالى على الأرقام، «رغم أن الأهم هو وجود خطة حقيقية لإنفاق هذه الميزانية على إصلاح المنظومة الصحية بما فيها من شق مالى وفنى وإدارى، ويجب أن نحدد الأول ما نحتاجه ثم نضع الميزانية، لكن ما يحدث العكس.. ونحن لدينا موازنة لا تتناسب مع عدد السكان والخدمات المطلوبة، فكانت فى العام الماضى ٤٤ مليارا زادت بنسبة خمسة مليارات وهذه الزيادة غير حقيقية، فالقيمة الحقيقية للموازنة قلت.. فما كان يتم شراؤه وتوفيره بـ ٤٤ مليارا العام الماضى يحتاج نحو ٧٠ مليارا هذا العام، فمقارنة العام الماضى قيمة الجنيه المصرى انخفضت بنحو ٦٠ فى المائة، والقطاع الصحى يعتمد على الاستيراد، وبالتالى هى زيادة شكلية، كما أن هناك مشكلة أخرى وهى أن مناقشة الميزانية تحولت لمزايدات فهناك أصوات تطالب بنسبة الـ٣ فى المائة دون إيضاح فيما ستنفق».


ويعتبر عضو مجلس نقابة الأطباء أن «مادة الصحة من أحسن المواد الموجودة فى الدستور والعيب بها هو ربط الموازنة بالناتج القومى الإجمالى، لأنه ليس ملكا للحكومة، وبالتالى بدأت المشكلة من الصياغة فى الدستور، ثم تحولت لخناقة رقم، وظهر رأى معارض يصر على النسبة، ورأى آخر حاول ردا على الاعتراضات بضم مخصصات الصحة لكى يصلوا بالرقم لـ٣ فى المائة، وللأسف يبقى الوضع الصحى المتدهور يزداد تدهورا فى المرحلة المقبلة».


وبالنسبة لمزاعم عدم دستورية الموازنة، قال: قانون الموازنة يصدر كل سنة مع صدور الموازنة، ولابد أولا أن ترفع دعوى فى القضاء الإدارى العادى بوقوع الضرر عليه نتيجة هذه الموازنة ثم الطعن فى عدم الدستورية ومن الصعب الوصول للحكم وتطبيقه خلال سنة الموازنة، وما نراه حاليا هو زيادات وهمية.


وأوضح: «هناك مال عام يخصص للمستشفيات فى بعض الجهات وهذا بالفعل إنفاق صحى لابد أن يتم ضمه لأنه إنفاق من المال العام للصحة، ولم يكن يتم ضمه من قبل وكان هذا فسادا، لكن أن يتم ضمه أمر طبيعى، لكن ما يمكن حسابه هو حجم الدعم للمواطنين وهم أكثر من ٨٥ مليون مواطن فيدفع لهم نظريا نحو ٤٥ مليار جنيه فى شكل موازنة الصحة، فى حين نحو خمسة ملايين مواطن وهم فى المستشفيات التابعة لهيئات ووزارات يدفع لهم نحو ٣٥ مليارا، ولو تمت مقارنة نصيب الفرد فى الجانبين نجد ظلما فادحا، وهذه الأرقام أظهرت عدم العدالة فى توزيع المال العام المنفق على الصحة، وهذه أول مرة تعترف الجهات الرسمية بانعدام العدالة فى توزيع المال لدعم القطاع الصحى وبالتالى إضافتهم زيادة شكلية».


ودعا د. سمير إلى ضروة إعادة توزيع هذه الأموال توزيعا عادلا قد يكون بتخفيض الدعم الموجه إلى المستشفيات التابعة للهيئات أو أن تشارك هذه الهيئات فى تحمل جزء من العبء العام باستقبال مرضى، مشيرا إلى أن بعض التابعين لمستشفيات هيئات لديهم أسر يتلقون صورا للضمان الصحى بمستشفيات أخرى، «وهى ازدواجية.. أن يكون من حق الأسرة تلقى العلاج فى أكثر من مستشفى وهذا يدفع لاقرار العدالة فى توزيع الموازنة، وتحديد أولويات الإنفاق العادل».


 



آخر الأخبار