٣٠ يونيه.. تلـك الأيــام!

29/06/2016 - 1:09:23

بقلم د.صفوت حاتم

في ٢٢ يونيه ٢٠١٢  .. أي  قبل أسبوع  واحد من إعلان  نتيجة الانتخابات  الرئاسية  المصرية    بين  المرشحين  «  محمد مرسي « و «أحمد شفيق « ..  نشرت جريدة الرأي الكويتية  تسريبات  لاجتماع  عقده وزير  داخلية حماس « فتحي حماد « مع كوادر إعلامية  تابعة لحركة  «حماس «  يوم  ٣١ مايو ٢٠١٢  وهم : يوسف أحمد , رياض عقل , ورامي أبو سخيلة , وعبد الهادي أبو جاسر , وميسرة المقدسي , وأحمد علوان « 


كان نص أقوال « فتحي حماد « في لقائه  مع إعلاميي  حماس  .. كما نقلته جريدة «الرأي»  هو  الآتي  : « عندما يسيطر الإخوان على مصر راح تتغير معالم الدنيا كلها .. إحنا راح نحكم العالم العربي لأن الأجانب بدهم إلنا «


كان  كلام وزير داخلية حماس  في  معرض  الدفاع  عن موقفه مما يجري في مصر وما يتردد فيها من شائعات  عن تهريب  حماس لسلاح لمصر ..


وهنا  أضاف     المذكور  أعلاه  بالنص  ..  حسب جريدة  الرأي : «الأهم هنا أن الذي رفع حماس والإخوان  هي مقاومتنا .. وهي تبقى الأساس .. وكلمتنا هي الأصل  .. المصريون ( هبلان )  مش عارفين يديروا حالهم .. بيشتغلوا بناء على رؤيتنا إحنا .. وراح يرتبطوا بإيران .. ويسمحوا بكل الممنوع أيام  مبارك .. لأن اليوم زمنا إحنا وزمن الإخوان .. ومن سيقف في طريقنا راح ندوسه بلا رجعة .. ومصر بوابة المقاومة إلنا .. لهيك كل شيء مباح إلنا « .


توافقت  تصريحات الوزير الفلسطيني   مع  احتدام  المعركة الانتخابية بين مرشح الإخوان والقوى المتأسلمة   «  محمد  مرسي «  وبين مرشح آخر  هو الفريق « أحمد شفيق «  الذي  كان  محسوبا   على  النظام السابق  الذي   تمت الإطاحة  به . كانت    حملة  « شفيق «  الانتخابية تتلقى  كثيرا  من الانتقادات والتهجمات  باعتباره  كان جزءا  من هذا النظام ومقربا من رأس النظام  محمد حسني مبارك  .. مما أعطى إحساسا  داخليا وخارجيا بحسم  مرشح الإخوان للانتخابات الرئاسية دون صعوبات كبيرة .


وربما  كان  ذلك  سببا  في الثقة  التي  عبر  عنها  وزير  داخلية  حماس  ..  قبل  أسابيع  قليلة  من  حسم  المعركة الانتخابية .


المدهش  أن  هذه  التصريحات   لم  تلفت  انتباه  النخبة المصرية لتصريحات  لفحواها  أو  مدلولاتها .


فقد  كان  الشارع  المصري  منغمسا  انغماسا  كاملا  في الانتخابات الرئاسية ومشغولا  بالجدل المحتدم  بين مرشح القوى الإسلامية المعبر عن مشروعها في إقامة «جمهورية إسلامية «  على النمط الإيراني  .. وبين مرشح القوى المدنية  التي  لم يكن أمامها من خيار سوى دعم المرشح المنافس « الفريق أحمد شفيق» . 


الإخوان  وفضيحة « فيرمونت»


كيف كانت ترى النخبة السياسية المصرية مستقبل مصر آنذاك ؟


الواقع  أن النخبة  المصرية  التي تقود  ساحة  العمل السياسي   في  مصر  ..  وفي  ظل  تغلب مناخ  الغوغائية  الثورية  ..  كان لديها اعتقاد جازم  أن الفريق شفيق هو مرشح المجلس العسكري .. وأن هذا الأخير يرغب في تثبيت شخصية مدنية بخلفية عسكرية خلفا لمبارك .. وأن انتخاب مرشح « المجلس العسكري « يعني فشل  الثورة  والعودة لقواعد  وعلاقات النظام  القديم .


ولكن هل  كان  نجاح  مرشح الإخوان  يعني نجاح الثورة  وتحقيق أهدافها ؟؟!! 
واختارت النخبة السياسية  دعم مرشح الإخوان ..ودخلت في مفاوضات  سياسية معه  بغرض الحصول على أي مكسب من دعمه .


واشتعلت حمى اللقاءات والمفاوضات بين ما سميّ « جماعة فيرمونت «  وبين قيادات الإخوان  للحصول منها على وعد ببرنامج عمل وطني يحافظ على مدنية الدولة مقابل دعم  النخبة السياسية  المدنية لمرشح الإخوان «محمد مرسي « .


وتم الإعلان عن هذا الاتفاق فيما سميّ « إعلان فيرمونت «   قبل يومين من إعلان نجاح « محمد مرسي « ..   في ظل مناخ متوتر سببه تأجيل  لجنة الانتخابات وإعلان النتائج النهائية للانتخابات  وترويج الإخوان وحلفائهم من السلفيين و « قوى ثورية «  لشائعات عن رغبة  المجلس العسكري تزوير نتائج الانتخابات لصالح مرشحه  « الفريق  أحمد شفيق» .


ويعلق « حسن نافعة « .. أحد المشاركين في « فضيحة فيرمونت « وقائع تلك الأيام قائلا : « خيار شفيق « كان منتهيا لدى القوى السياسية .. فالحديث كان عن ضمانات من قبل مرشح الإخوان .. باعتبار الجماعة إحدى الفصائل التي شاركت في الثورة .


أما  الدكتور « عمار علي حسن « .. أحد المشاركين الرئيسيين في المفاوضات مع الإخوان فيقول :» كتبت مقالا بعنوان « لقاء مع دكتور مرسي « أوضحت فيه أسباب لقائي .. وذكرت فيه أهم ما جاء في اللقاء ومنه ضرورة أن يكون مرسي رئيسا لكل المصريين لو جاء رئيسا .. وأن يفتح بابا للحوار مع الدكتور محمد البرادعي والمرشحين الخاسرين حمدين صباحي وعبد المنعم أبو الفتوح « . 


وتحركت الأمور  بسرعة وتم الإعلان عن فوز مرشح الإخوان برئاسة الدولة المصرية .. وأصبح قائدا أعلى لقواتها المسلحة .. ومسئولا عن أجهزتها السيادية .. ومتمتعا بأغلبية برلمانية  يسندها تحالف مع السلفيين. 
وبين عشية وضحاها، تغيرت تماما  خريطة الوضع السياسي العربي.


كانت الخريطة السياسية للوطن العربي غداة نجاح الإخوان  أصبحت كالتالي  : السيطرة على الدولة المركزية الأكبر والأكثر تأثيرا في الوطن العربي ( مصر ) . ويسندهم في الجنوب نظام حكم إخواني مسنود من الجيش ( حكم الإخوان في السودان ) .
وفي غرب   مصر  انتشرت بسرعة البرق ميليشيات الإخوان تسيطر على العاصمة الليبية وتتواصل  غربا مع فرع التنظيم القوي في تونس .


وفي شرق   البلاد, كانت  حركة  حماس تتمتع بحرية  مرور وتواجد  .. غير مسبوقة ..   في صحراء سيناء  الشاسعة  عبر مئات الأنفاق   وعصابات   التهريب  والتي حولت  شبه  جزيرة سيناء  لساحة تهريب للأسلحة الثقيلة   مستغلة  حالة  الفوضى التي تعيشها البلاد  وسقوط النظام في ليبيا   وما تبعه  من انهيار الجيش الليبي والاستيلاء على أسلحته وعتاده .


في ظل هذه  الفوضى , تحولت  الأراضي المصرية   لمعبر  « آمن «  لآلاف الإرهابيين  « .. شرقا وغربا .. جنوبا وشمالا .


كان توقع وزير داخلية حماس دقيقا إذا ..


فنجاح الإخوان  في  الحصول على  مصر  « الأقليم – القاعدة « بكل إمكانياتها  العسكرية والمؤسساتية والسكانية يعني  « باللغة العسكرية «  سقوط  القلعة الحصينة التي تنطلق منها كل القوات والخطط . خصوصا وأن خطوط الإخوان  تمتعت بعمق وخطوط اتصال وإسناد  في السودان وليبيا وتونس وسيناء .


كان التنظيم الدولي للإخوان ومخططوه يعلمون أن سقوط باقي البلدان العربية  مسألة وقت .


فهم يحاربون في سوريا لإسقاط النظام والحلول محله،  وهم يتمتعون  ..  في  نفس  الوقت ..  بقوة لا يستهان بها في الأردن وغزة . ولديهم تنظيم قوي في اليمن قادر على تحويل الثورة اليمنية لصالحه .


وعلى  المستوى  الدولي   , نجح الإخوان  في  الحصول   على «  موافقة « أمريكية   وغربية  بقبول فكرة  استلامهم   للسلطة  في مصر أو أي بلد  عربي آخر ..   وطبعا  مقابل  « تطمينات « إخوانية خاصة  بموقفهم  من إسرائيل ومعاهدة كامب ديفيد تحديدا !!


وكانت آخر جولات التفاوض مع الأمريكان من خلال وفد طرق الأبواب الذي زار واشنطن قبل أسبوع  واحد من إعلان نجاح مرشحهم  « محمد مرسي « في ٣٠ يونيه٢٠١٢. 


وهكذا  بدا أن نبوءة وزير داخلية حماس  في حكم الإخوان للعالم  العربي آخذة في التحقق على الأرض  ..


المدهش أن   النخبة السياسية المصرية  التي تتصدى للعمل السياسي وتدعي قيادتها للثورة لم تكن قادرة على إدراك  المعنى العميق لوصول الإخوان في مصر !! .


الإخوان  والنكوص عن العهود 


جاء  الإعلان  عن فوز  مرشح الإخوان « محمد مرسي «  وسط  مظاهرات  عارمة واستعراض للقوى من  قواعد الإخوان وحلفائهم من السلفيين .. ووسط تهديدات سرية وعلنية « بحرق البلد « في حال إعلان نجاح منافسه .. ووسط وقائع « تسويد «  لبطاقات انتخابية  في المطابع الأميرية لصالح مرشح الإخوان .


إلى آخره مما هو معروف من وقائع  تلك الأيام .


وصعد الإخوان لحكم مصر .. وبدأت  عملية  النكوص عن الوعود التي بذلوها بسخاء  في الأيام الأولى للثورة .. وخدعوا بها حلفاءهم .


ويعترف حسن نافعة .. أحد المشاركين في المفاوضات وإعلان فيرمونت بما حدث آنذاك  قائلا : « استمرت المفاوضات مع الإخوان ١٥ ساعة متواصلة .. منذ ليلة الخميس حتى صباح الجمعة .. كانوا معترضين على كل أطروحاتنا .. وكانت لهم رؤى مختلفة .. وكانت أكثرها نقطة تشكيل الحكومة .. فقد أردناها حكومة  وحدة وطنية مستقلة .. وهذه النقطة جرى الاتفاق عليها قبل لحظات من إعلان البيان الذي وقعه « مرسي « بنفسه .. لكنه لم يلتزم به ولم ينفذ بنوده «.


ويعترف الدكتور « عبد الجليل مصطفى « أحد قادة « إعلان فيرمونت « بالخديعة التي تعرضوا لها  قائلا : « رغم اجتماعنا بالدكتور مرسي وقيادات الإخوان فإننا لم نثق فيهم .. لأنهم ليسوا جماعة ثورية بحكم تكوينهم ( يا سلااام !!! ) لذا اشترطنا وضع آليات عمل وطني فعال لنتابع أداء « مرسي « حال وصوله لكرسي الرئاسة .. لكننا لاحظنا تقاعسه عن الوفاء بعهوده .. وطالبناه  في مؤتمر علني بأن يلتزم بما وعد .. لكن دون جدوى !!


ويحاول « عمار علي حسن «  التنصل من  مسئوليته عما حدث من الإخوان  بعد نجاح « محمد مرسي « .. رغم أنه كان أحد المشاركين الرئيسيين  في المفاوضات  مع الإخوان .


وفي ادعاء بالحكمة بأثر  رجعي يقول « عمار علي حسن « : « لم أكن متفاجئا لأن تاريخ الإخوان في التراجع عن وعودهم معروف .. وأظن أن من جلسوا في لقاء مع الدكتور مرسي وقتها .. كانوا يظنون أن الجماعة قد تعلمت  الدرس .. وأنها تسعى لكسب تأييد القوى السياسية في وقت حرج قبل إعلان جولة الإعادة من الانتخابات الرئاسية « ؟؟!! 


ويعترف « محمد السعيد إدريس  القيادي بحزب الكرامة ..  والناجح  في  انتخابات  البرلمان على قائمة حزب  الإخوان « الحرية  والعدالة»  ..   بدوره في مفاوضات « فيرمونت « وإعداده لما سمي ّ « تعهدات فيرمونت الأربعة « والتي تتمحور حول قبول الإخوان بمشاركة التيارات السياسية الأساسية  لهم في الحكم  : الإسلامي .. القومي .. الناصري .. اليساري .. الليبرالي .. دون إقصاء أو استئثار .


يقول « محمد السعيد إدريس « : « .. في اليوم التالي لإعلان فيرمونت , شُكلت من المجتمعين جبهة سميت نفسها « الجبهة الوطنية لاستكمال الثورة, ضمت عددا محدودا من الإخوان, كان من أنشطهم البلتاجي وخالد حنفي .. وبعدما بدأ « مرسي « في مشاوراته لاختيار رئيس وزراء للحكومة .. وإعلان اسم « هشام قنديل « .. وكانت الصدمة الكبيرة لنا .. وكانت بداية فشل وسقوط مرسي .. فامتعض الجميع لإخلال مرسي لواحد من أهم التعهدات ورميّ بمقترحاتنا عرض الحائط .. فبدأت الجبهة في التفكك وشعرنا بعدم نفعها .. وأن الأمر أصبح عبثيا .. وكانت البداية بانسحاب الأستاذ حمدي قنديل .. وتبعه الجميع « !! ( المصريون ١٩ / ٢ / ٢٠١٤ ) .


لم يدرك  « نجوم فيرمونت «  من أساتذة العلوم السياسية  وأطباء وإعلاميين وصحفيين وتجمعات ثورية من جماعة   ..  كجماعة ٦ أبريل  وخالد  سعيد  وغيرها , أن الإخوان  استخدموا  مشهد « إعلان فيرمونت « ليصوروا للجميع وكأنه « إجماع الأمة المصرية « على تأييد مرشحهم « محمد مرسي» .


للأسف .. لم تكن   النخبة السياسية  المصرية  المؤيدة للإخوان  على مستوى الوعي  الكافي لإدراك معنى  وصول الإخوان للحكم في بلد مركزي  كمصر .


لقد  عبرت  النخبة السياسية  عن   « ضيق أفق إستراتيجى»  في تقليلها  من نتائج   وصول  مرشح الإخوان لموقع  رئاسة الدولة  المصرية  . . وما قد ينتج عن هذا   الحدث  من نتائج  خطيرة على مستقبل  مصر  والإقليم العربي كله .


وإحقاقا للحق .. كان صوت الدكتور « رفعت السعيد « رئيس حزب التجمع هو الصوت العاقل في ظل حالة « التهور الثوري « التي انتابت» نجوم النخبة السياسية « بوعيها التاريخي القاصر .


عن  هذه  الحقبة  المفصلية  في تاريخ   يقول الدكتور رفعت السعيد : « حاولنا تذكير  بعض المشاركين في لقاء فيرمونت بحقيقة الجماعة .. وأنه لا يعوّل على وعد يقدمونه أو يقطعونه على أنفسهم .. وحذرناهم من استمرار عقد الاجتماعات مع الجماعة التي لا تعمل إلا لخدمة مصالحها .. لكن دون جدوى « ( فضيحة فيرمونت .. صفقة مع الشيطان , الوطن ١٧/ ٢ / ٢٠١٤ ) . 


باختصار  : غامرت النخب والتجمعات التي صبغت على نفسها صفة «الثورية « بمستقبل الدولة المصرية المدنية التي تأسست مع مشروع محمد علي باشا .. وقامرت على تنظيم الإخوان مقابل وعود وتعهدات غامضة لا يمكن الوثوق من تحققها .


كان  مشهد  « فيرمونت «  لحظة  من لحظات ضيق الأفق التاريخي والسذاجة السياسية  لنخبة سلمت دولتها ومؤسساتها المدنية العريقة لتنظيم ديني معاد في الأصول والجوهر لفكرة الدولة المدنية لصالح أفكار غامضة ومراوغة عن «دولة اسلامية « غير محددة المعالم والصفات والخصائص


وخرجت النخبة السياسية  « الثورجية «   خارج  المعادلة  السياسية  مجللة بعار  تسليم  الدولة المدنية ﻷعدائها !!


ولم يعد من الممكن الرهان عليها بعد ذلك .. 


  الدولة  العميقة  تستدعي  قواها  


وبوصول محمد مرسي والإخوان لمنصب رئاسة الدولة في مصر .. أصبحت عملية السيطرة على مفاصل الدولة أمرا محسوما ومسألة وقت .


لقد تحقق الحلم الذي كان يراودهم منذ ثمانين عاما .. وتحملوا من أجله كل صنوف العنت والتضييق . 


وهكذا أصبح ميزان العمل السياسي محصورا في قوتين فقط : القوى المتأسلمة بقيادة الإخوان  .. وفي   الجهة  المضادة  : قوة  مؤسسات الدولة المصرية من جيش وشرطة وإعلام ووزارات تنفيذية .


وفي الوسط بين القوتين كان  الشعب المصري يقف مشدوها من تأثير  المفاجأة والصدمة . .  


لقد قام الشعب المصري بثورة شعبية ضخمة في يناير ٢٠١١ .. وكانت مظاهرها الجماهيرية والحضارية مثار فخر واعتزاز العالم كله .


لكن نجاح اللحظة الثورية شيء واستمرار الفعل الثوري وحماية الثورة من أعدائها شيء آخر . 


كانت  القوى المدنية هي  التي بدأت و فجرت حالة الجمود  واللامبالاة التي سيطرت  على الوضع السياسي  قبل يناير، لكنها  سرعان ما غادرت ميادين الثورة  تاركة الساحة فارغة من أي قوة فعلية ..اللهم إلا  تحالف الإخوان والقوى السلفية . 
والإخوان تنظيم  قديم  وله خبرته  .. وتمرس على أساليب العمل السياسي  ومناوراته وتحالفاته العلنية والسرية مع نظام مبارك وقوى المعارضة السياسية التي كانت تشارك في المشهد السياسي  قبل الثورة .


أما السلفيون ..   فكانوا  حقا مفاجأة مرحلة  ما بعد مبارك .
فقد ظهروا بسرعة شديدة .. ونجحوا في احتلال المشهد السياسي بجوار الإخوان ..بعد أن تحرروا من رقابة الدولة وأجهزتها الأمنية  في لحظة استثنائية من لحظات التاريخ .


وما يجمع الإخوان والسلفية من عداء للدولة المدنية أكثر بكثير مما يفرقهم من خلافات حول شكل الدولة الإسلامية التي يسعى كل منهما لتحقيقها  وفق تصوره الخاص .


وعبر هذا التحالف عن نفسه في أكثر من موقف : جمعة كندهار .. الاستفتاء على تعديلات دستور ١٩٧١ .. تشكيل اللجنة التأسيسية الأولى لصياغة دستور جديد للبلاد .. الموقف المؤيد للإعلان الدستوري الذي أعلنه مرسي وحصن به أفعاله من الطعن أمام القضاء .. وتحصين مجلس الشورى من الحل .


وكان آخر تجليات هذا التحالف بين الإخوان والسلفيين والجماعات الإسلامية وجماعة حازم أبو إسماعيل، المؤتمر الحاشد الذي تم في الاستاد الرياضي بدعوى مساندة الثورة السورية ومحاولة  توريط الجيش المصري في النزاع  السوري .


لقد ظهر  للشعب  المصري  خواء مشروع الإخوان  وخلوه من أي رؤية  مستقبلية .. اللهم إلا  رغبته المتعجلة في السيطرة على مؤسسات الدولة .. خصوصا الجيش والشرطة والقضاء .. وإرهاب الإعلاميين  بغرض السيطرة عليهم .. أو على الأقل تحييدهم .


وخلال شهور قليلة نجح الإخوان في إقناع المصريين بمشروعهم في التمكين ورغبتهم المحمومة .. والمتعجلة في السيطرة على الدولة .. وإقصاء كل معارضيهم .. والتعامل بغرور وتعال مع حلفائهم . 


وعلى  الجانب الآخر من الشاطيء .. كانت مؤسسات الدولة من جيش وشرطة ومخابرات ترقب بتوجس نشاطات القيادات الإخوانية واتصالاتها المريبة باﻷمريكان والقطريين  والإيرانيين وحماس وإخوان تونس .


وبدأت العجلة في الدوران


١٥ يونيه ٢٠١٣ : مؤتمر « نصرة الثورة السورية « الذي  حضره «مرسي « في استاد القاهرة .. محاطا بالآلاف من أتباعه من الإخوان والسلفية والجماعات الإسلامية وحزب الوسط .


ووسط حالة من الهياج الديني أعلن « مرسي « قطع العلاقات مع سوريا وإغلاق سفارتها بالقاهرة .


كان خطاب مرسي الاستعراضي في استاد القاهرة  مناورة واسعة للإخوان هدفها الاستنجاد   بأمريكا  بإعلان وقوفهم معها في سعيهم ﻹزاحة نظام بشار الأسد .


وفي الوقت ذاته كان محاولة أخيرة من الإخوان لحشد واستمالة قواعد التيار الإسلامي من السلفية والجماعات الاسلامية وحزب الوسط  وكل الجماعات الإرهابية للوقوف ضد المظاهرات المزمع خروجها يوم ٣٠ يونيه.


وانتهى « مؤتمر الإرهابيين « بمشهد مرعب لشيخ سلفي يهدد المصريين بالويل والثبور في حال خروجهم للتظاهر في اليوم الموعود ..  ومرددا  بالدعاء عليهم بجهنم  وبئس المصير ..بينما يردد الدعاء  وراءه  الآلاف من الإرهابيين  في حماسة مخيفة .


وضح مؤتمر ١٥ يونيه أن  تيار الدولة الدينية قد أصبح في جانب .. ومصر والمصريين في جانب آخر .


ولم يخطئ المصريون   فهم دلالة هذا المؤتمر .. وأي مستقبل يعده الإخوان وحلفاؤهم لمصر !! 


٢٦ يونيه ٢٠١٣ : خطب مرسي خطابا مطولا وسط أنصاره ..  وفي حضور وزير الدفاع الفريق عبد الفتاح السيسي .. الذي بدا  متجهما  وسط الحضور الهائج من أنصار الإخوان .


كان الخطاب الذي استمر ثلاث ساعات استعراضا لكشف حساب عن حصاد عام منذ تولي مرسي السلطة .. ومحاولة أخيرة لكسب تعاطف الشعب المصري قبل أيام قليلة من  دعوة المظاهرات الداعية إلى سحب الثقة منه والدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة .


٣٠ يونيه ٢٠١٣  : خرجت مظاهرات شعبية عارمة في القاهرة والإسكندرية وعدة محافظات أخرى خصوصا في دلتا مصر ..بناء على دعوة من أحزاب وحركات سياسية معارضة لحكم الإخوان .


وفي اليوم الأول من التظاهرات وقع قتلى وجرحي وجرى إحراق لمكاتب جماعة الإخوان المسلمين في عدة محافظات وجرت اشتباكات حول مقر جماعة الإخوان بالمقطم .


١ يوليه ٢٠١٣ : في عصر ذلك اليوم، أصدرت القيادة العامة للقوات المسلحة بيانا يمهل القوى السياسية مهلة مدتها ٤٨ ساعة لتحمل أعباء الظرف التاريخي . وذكر البيان أنه في حال لم تتحقق مطالب الشعب خلال هذه المدة، فإن القوات المسلحة ستعلن عن خارطة مستقبل وإجراءات أخرى تشرف على تنفيذها .


في أعقاب هذا البيان  طالب حزب النور السلفي والدعوة السلفية « محمد مرسي « بالموافقة على إجراء انتخابات رئاسية مبكرة . وجاء في البيان تعبير : « الخشية من عودة الجيش للحياة العامة « !! 


وفي نفس اليوم، استقال خمسة وزراء من الحكومة المصرية تضامنا مع مطالب المتظاهرين .
واستقال مستشار الرئيس للشئون العسكرية الفريق سامي عنان، الذي قال أن منصبه كان شرفيا ولم يكلف بأي مهام .


وفي نفس اليوم تقدم ٣٠ عضوا في مجلس الشورى استقالاتهم .


وفي الليل ،  أصدر « التحالف الوطني لدعم الشرعية « بيانا جاء فيه رفصه البات والمطلق « محاولة البعض استرداد الجيش للانقضاض على الشرعية والإنقلاب  على الإرادة الشعبية « !!


وفي نفس التوقيت، أصدرت وزارة الداخلية بيانا تعلن فيه تضامنها مع بيان القوات المسلحة وأنها تقف على مسافة واحدة من جميع التيارات السياسية .


٢ يوليه ( الثلاثاء ) أصدرت الرئاسة المصرية بيانا في الساعات الأولى من الصباح تعترض فيه على بعض العبارات الواردة في بيان الجيش  لكونها « تحمل من الدلالات ما يمكن أن يتسبب في حدوث إرباك للمشهد الوطني المركب « .


وفي نفس اليوم قرب الظهر ، أصدرت محكمة النقض حكما ببطلان تعيين النائب العام « طلعت عبد الله « الذي عينه محمد مرسي بعد عزل النائب العام «عبد المجيد محمود» . 


في نفس اليوم ليلا، وقعت اشتباكات في محيط جامعة القاهرة استمرت حتى صباح اليوم التالي وأسفرت عن مقتل ٢٢ شخصا !!


٣ يوليه ( الأربعاء )  : السادسة والنصف صباحا يكتب  عصام الحداد بيانا باللغة الإنجليزية على صفحته بالفيس بوك  موجها للصحف ووكالات الأنباء الأجنبية ، يقول فيه : « إنها ربما تكون آخر كلمات يقولها و يكتبها على صفحته على الفيس بوك .. واصفا ما يحدث في الشوارع بأنه انقلاب عسكري ..مهددا بأن الانقلاب العسكري لن ينجح إلا بإراقة دماء المصريين .. وتساءل عمن سيتحمل ثمن تلك الدماء التي ستسيل في مصر !! 


٣ يوليه مساء : أعلن المتحدث العسكري العقيد أحمد علي أن قيادة القوات المسلحة تجتمع بقيادات سياسية ودينية و شبابية، وأضاف أن بيانًا سيصدر عن القيادة العامة بعد انتهاء الاجتماع.


بعد اجتماع قادة القوات المسلحة مع قوى سياسية ودينية وشبابية، في حوالي التاسعة مساءً بتوقيت القاهرة، أذاع التلفزيون الرسمي بيانًا ألقاه وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي، أنهى فيه رئاسة محمد مرسي، وعرض خارطة طريق سياسية للبلاد اتفق عليها المجتمعون، تتضمن تسليم السلطة لرئيس المحكمة الدستورية العليا حتى إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وبين أن له سلطة إصدار إعلانات دستورية. وتشكيل حكومة كفاءات وطنية، وتشكيل لجنة من التيارات السياسية وخبراء الدستور لمراجعة دستور ٢٠١٢ الذي عطل مؤقتًا. وجاء في البيان أيضًا دعوة المحكمة الدستورية العليا إلى سرعة إصدار قانون انتخابات مجلس النواب.


وبمجرد انتهاء الفريق عبد الفتاح السيسي من بيانه، انطلقت في  سماء  مصر صيحات الفرح تزغرد في القلوب . 


وتنفس المصريون لأول مرة .. منذ صعود مرسي للحكم .. هواء مختلفا .. وكأنما كابوس ثقيل قد  انزاح فجأة عن صدورهم .


كان الرهان على  المخزون الحضاري للشعب المصري .


لقد انحاز المصريون .. في لحظة استثنائية من تاريخهم .. لصالح الدولة المدنية .. وأسقطوا خيار  الدولة الدينية ..مع كل ما تعنيه من تكفير وقتل وذبح وسبي وكراهية .


وبفضل   المصريين  .. انطوت صفحة الإخوان ..  نهائيا .