ماذا لو بقيت مصر تحت حكم «المحظورة»؟

29/06/2016 - 1:07:25

بقلم: أحمد النجمى

لو هنا لا تفتح عمل الشيطان.. إنها “لو” استثنائية ! فى مراحل بعينها من التاريخ يحتاج الناس إلى الذكرى، لعلها تنفع المؤمنين، المؤمنون بهذا الوطن، الملايين التى تألمت تحت حكم “المحظورة ” الذى دام سنة واحدة، لكنها مرت مثل مائة سنة مما تعدون، لذلك فـ “لو” هنا تفتح عمل العقل، ذلك الذى يحتاج إلى التذكير من وقت إلى وقت، ليسترد صوابه، ويفكر بدقة، ويصل إلى الصواب .. الذكرى الثالثة لثورة ٣٠ يونيه المجيدة تحل غداً، وقد تغيرت أمور كثيرة.. لا نبالغ إذا قلنا إن المشهد كله قد تغير فى مصر والعالم العربى والدنيا بأسرها.. لذلك فالسؤال: ماذا لو لم تقم ثورة ٣٠ يونيه؟ إذا طرحناه الآن، تعنى إجابته الكثير، وأهم ما فى هذا “الكثير” أن يعرف القارئ أن المصريين أنقذوا وطنهم إنقاذاً.. بهذه الثورة..!


انظروا إلى هذا التعس “د. محمد مرسى” وراء القضبان.. تخيلوا أن هذا الرجل كان على رأس الحكم فى مصر قبل ٣ سنوات! ماذا فعل المصريون - ممن انتخبوه، والحمد لله لم أرتكب هذه الجريمة - بأنفسهم ووطنهم؟ تخيلوا لو أن مرسى هذا كان يحكم مصر إلى الآن..!


لو – لا قدر الله - حدث هذا.. لكانت “جماعة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر” ترعى الآن فى شوارع مصر شمالاً وجنوباً، والجلاليب واللحى والعصيان والسياط والسيوف كانت ستحكم شوارع مصر، تضرب هذا، وتهين هذه.. كنا سنقبع فى بيوتنا، خائفين، مذعورين، أذلاء، جبناء، ومن يخرج معترضاً على هذا المسلك - الذى كان سينسب زوراً وبهتاناً إلى الإسلام - كان سيتهم بالخروج على الإسلام ذاته .. تقطع يداه ورجلاه من خلاف، أليس مفسداً فى الأرض..؟!


كان المسيحيون المصريون سيعاملون معاملة “مواطن الدرجة الثانية” ومن يعرف.. ربما كان محامو “المحظورة” وبعض أذناب “الجماعة” من القضاة - الذين فروا إلى الدوحة وتركيا قبل ٣ سنوات - سيوجدون مخرجاً قانونياً يتيح للدولة “عذراً لاستخدام كلمة الدولة!”، تحصيل “جزية” على الأقباط.. يدفعونها وهم صاغرون..!


أما المرأة .. فكانت ستتراجع إلى البيت.. ستعود إلى عصر الجوارى، تباع وتشترى، وكانت إعلانات الزواج بثلاث نساء أو أربع .ستنتشر كالنار فى الهشيم.. بحجة حل مشكلة العنوسة لدى الفتيات، ونشر التعفف بين الرجال..!


والتعليم.. كانت كتب “التاريخ” - مثلاً - ستكتب أن ثورة ٢٣ يوليه المجيدة لم تكن سوى انقلاب، وأن خالد الذكر الزعيم.. جمال عبدالناصر.. كان كافراً، وأنه قتل الشهيد “سيد قطب” ورفاقه فى قضية ١٩٦٥، وكانت ستلعن الفراعنة.. لأنهم كانوا وثنيين، ولأن واحداً منهم طارد موسى عليه السلام قاصداً قتله.. وكانت كلية “الفنون الجميلة” ستلغى تخصصى الرسم والنحت.. وربما كانت ستغلق، ومن المؤكد أن كلية التربية الموسيقية والمعهد العالى للموسيقى العربية والكونسرفوتوار كانت جميعها ستغلق..!


قناة السويس العظيمة.. كانت ستكرس بالكامل لخدمة مصالح “الدوحة”، مقابل عدة مليارات من الدولارات، لـ ٩٩ عاماً قادمة.. لا سيادة فعلياً لمصر عليها.. وإن كانت هناك سيادة أخرى على القناة لغير الدولة، فلعلها ستصبح سيادة تركية.. وتنتشر أسواق تركية على شرق وغرب القناة!


سيناء.. لو استمر حكم مرسى ولم تقم ثورة ٣٠ يونيه المجيدة، كانت ستصبح فى شمالها الشرقى الآن دولة فلسطينية، وهى ليس لها من فلسطين إلا اسمها، هى فى حقيقتها دولة لـ “حماس”، لحل نزاع السيادة بينها وبين الإسرائيليين.. فقط لاغير، وكانت الخطابات المتبادلة بين مرسى وبيريز، وبينه وبين نتنياهو، ستستمر، وتتزايد حاملة عبارة مرسى الشهيرة التى يستهلها بها: صديقى العزيز بيريز، أو صديقى العزيز نتانياهو..!


لو لم تقم ٦/٣٠ المجيدة، ثورة الشعب التى أطاحت بحكم “المحظورة” لأغلقت المسارح ودور عرض السينما، ولامتنعت الدراما التليفزيونية عن الإنتاج، ليس فى شهر رمضان وحده، بل على مدار السنة كلها..!


لو لا قدر الله لم تقم ثورة ٣٠ يونيه المجيدة.. لهاجر ملايين المصريين - أعنى الرقم تماماً - من مصر إلى خارجها، وهذا الرقم ليس كبيراً وحسب، بل فى تفاصيله ما هو أخطر.. انظر أيها القارئ - أعزك الله - إلى من كانوا سيهاجرون.. من هم : العلماء، أكفأ العقول المصرية التى كانت ستهدد فى حياتها ذاتها ، وبصراحة أكبر- عناصر شديدة الوطنية والانتماء من أجهزتنا الأمنية.. كانت ستهاجر، قبل أن تجبر على العمل لصالح النظام الإرهابى أو قبل أن تتم تصفيتها جسدياً، أيضاً كل الفنانين والفنانات والمثقفين والصحفيين الحقيقيين كانوا سيهاجرون.


أنا شخصياً كنت أعتزم السفر بعيدا عن مصر حال فشل ثورة ٣٠ يونيه، لست لأننى مشهور، فلست بمشهور، وليس لى ثقل يجعلنى هدفاً.. لكننى لم أكن سأطيق تحويل “المصور” أو “دار الهلال” إلى مجلة تسبّح بحمد المحظورة ومرشدها ورئيسها، ومؤسسة تكرس لهذا المنطق البغيض.. وإلا فالسجن مفتوح والتهم موجودة وجاهزة.. هذا فضلاً عن السياسيين من غير التيار الدينى، وملايين المسيحيين المصريين الذين كانوا سيعانون الاضطهاد..!


البرلمان.. كان سيعود إلى صيغة “برلمان قندهار” مرة أخرى، ومع التمكين للجماعة المحظورة فى الحكم، كان البرلمان سيعود بصورة أسوأ من برلمان ٢٠١٢ البشع الذى نتمنى ألا ينسى المصريون مهازله، لكى تظل حالة الاعتبار بما كان .. قائمة..!


وبرغم كل مظاهر الخراب هذه - أضف إليها بالطبع تصاعد مصاعب الحياة اليومية فى أبسط صورها- لم تكن “داعش”- سترضى عن حكم “المحظورة” وربما كانت اخترقت حدودنا الغربية من ليبيا وأنشأت دويلة فى “مطروح” .. كما كان بعض النوبيين من ذوى النزعة الانفصالية سيقيمون دويلة لهم فى جنوب مصر، ناهيك بحلايب وشلاتين التى لو لم تقم ٦/٣٠ المجيدة، لذهبت إلى السودان منذ عامين على الأقل .. لا مبالغة فى كل هذا.. ومن يشعر بأية مبالغة فى تلك التصورات، نتهمه بالنسيان، فكل هذه التصورات كانت مطروحة، ويتم تداولها بل الاتفاق عليها علناً .. فضلاً عن ضياع حقوق مصر فى مياه النيل، هل نسيتم فضيحة تسجيلات “الصوت والصورة” على الهواء مباشرة لمرسى والسياسيين المصريين الخاصة بهذا الشأن..؟


بعض الإعلاميين ممن يدّعون مناصرة ثورة ٣٠ يونيه والرئيس عبدالفتاح السيسى كانوا سيصبحون الآن من ذوى اللحى، بنفس برامجهم اليومية، ونفس طريقتهم فى تقديم البرامج، فقط اللحية والزبيبة، ونفاق الرئيس المؤمن محمد مرسى ورفاقه من الوزراء المؤمنين والمحافظين الصالحين.. أيضاً بعض رجال الأعمال والمليارديرات ممن يدعون مناصرة ثورة ٣٠ يونيه والرئيس عبدالفتاح السيسى، كانوا سيشاركون المحظورة ورجال أعمالها من “الشاطر” إلى “مالك” وغيرهما، فلعبة المال لا عهد لها ولا ذمة لها ولا وطن.. المهم المكسب.!


لم تكن مصر - إذا لم تقم ٣٠ يونيه المجيدة - ستظل هى مصر التى نعرفها منذ عهد الفراعنة إلى اليوم.. كانت ستصبح دويلة متواضعة الشأن، تدور فى فلك “الخلافة”، ذلك المشروع الإخوانى الذى كان يجرى تكريسه شيئاً فشيئاً.. وربما كان الخليفة “أردوغان” فى تركيا، أو “تميم” فى قطر..!


أما المحيط العربى فكان سيشهد مزيداً من التردى.. فإذا كانت الدولة فى سوريا الشقيقة تتعافى وتسترد أرضها من “داعش” والقاعدة وغيرهما من التنظيمات الإرهابية كل يوم، فقد كان بقاء مرسى يعنى إرسال آلاف المتطوعين من الشباب المصرى المغرر به إلى هناك للجهاد ضد “الدولة الكافرة” فى دمشق.. أعتقد أننا لم ننس بعد “مؤتمر مناصرة سوريا” الذى عقده مرسى وعدد من قادة الإرهاب هنا فى القاهرة، قبل سقوطه بأقل من شهرين، لقد كان يكرس لهذه الفكرة..! وكانت الدولة المصرية ستقف ضد الدولة العراقية فى حربها الراهنة ضد داعش لاسترداد الأراضى التى استولى عليها إرهابيو هذا التنظيم، بحجة أن الدولة العراقية يغلب عليها الطابع “الشيعى”، بينما “المحظورة” فى مصر تكرس لفكرة الخلافة السنية..!


هذه هى مصر التى كانت “المحظورة” تحلم بها.. هذا فضلاً عن هدم الأجهزة الأمنية من جذورها، واستبدالها بأخرى “ملتحية» على غرار “الحرس الثورى” الإيرانى، مع مزيد من التشدد والتخلف..!


وهذه إجابة السؤال الذى يحمله عنوان المقال: وماذا لو لم تقم ثورة ٣٠ يونيه المجيدة؟


لكن السؤال الصعب لم يعد مطروحاً فى الأذهان اليوم.. لماذا؟


فالمصريون سقطت من ذاكرة أغلبهم تلك الأيام السود، صار مرسى فى خيالهم وعلى لسانهم مجرد مادة للسخرية، وهم لا يتصورون أنه لو لم يسقط فى ثورة ٣٠ يونيه - التى قاموا بها هم أنفسهم - لكان مرسى وأصغر وزير فى الحكومة، مادة مرعبة مخيفة، كفيل ذكرها بالطرد من العمل والتشريد والضياع والسجن أيضاً..!


الحق أنهم يجب ألا ينسوا هذا كله.. “المحظورة” لا تزال موجودة، تتحين الفرصة للعودة، “تتمسكن” حيناً، وتظهر أنيابها أحياناً، تريد العودة إلى المشهد بأية صورة.. تتفاوض سراً، ترجو هذا وذاك من أطراف إقليمية للعودة والوساطة فى هذه العودة، أو يخرج علينا وزير من داخل الحكومة المصرية التى يفترض فيها أنها تحارب الإرهاب - كالوزير مجدى العجاتى - ليتكلم عن ضرورة المصالحة مع الإخوان .. المصريون بطبيعتهم طيبون، ينسون الإساءة بسرعة، البعض - يعتقد - بصراحة - أنهم شعب يسهل الضحك عليه.. والمحظورة سبق لها أن مارست هذا التمثيل على المصريين، ألم تخرج من السجون بعد مؤامراتها الكبرى ضد خالد الذكر الزعيم جمال عبدالناصر - مؤامرة سيد قطب ١٩٦٥ - فى أوائل عهد السادات ١٩٧١ - ١٩٧٢ وتتصدر الجامعات وتزحف نحو النقابات بتوجيه من السادات ذاته، ثبت عليه بالأدلة القاطعة - لمحاربة اليسار الناصرى والماركسى وجميع من كانوا يشكلون عبئاً على “الرئيس المؤمن”؟ وهم حين خرجوا مارسوا عملية “دجل” واسعة على المصريين، وسرعان ما نعموا بحرية حركة وحرية ظهور لم يحظوا بها منذ أيام حسن البنا فى الثلاثينيات والأربعينيات؟!


غير أن عبدالفتاح السيسى رجل مبدئى، لا يلعب مثل هذه الألاعيب التى كان يمارسها السادات، ناهيك أنه لا يمكن أن يلعب ألاعيب نظام مبارك، الذى كان الجهاز الأمنى - تحديداً “أمن الدولة” - فى عهده، يتعامل مع “المحظورة” معظم الوقت، ليتقاسم معها “التورتة” فى البرلمان والنقابات والجامعات، وتركها تشكل ثروة مالية بمليارات الدولارات تنتشر فى بنوك العالم، وإذا كان قد تركها تحصل على ٨٨ مقعداً فى برلمان ٢٠٠٥، فالله وحده يعلم الثمن الذى كان سيدفعه نظام مبارك للمحظورة؛ لكى تمرر مؤامرة توريث حكم مصر من حسنى مبارك لابنه جمال مبارك، وهو الثمن الذى رأينا تباشيره فى تصريحات “مهدى عاكف” فى أواخر عصر مبارك والتى كانت كلها ترحب بالتوريث..!


مضى كل ذلك.. المصريون كتبوا تاريخهم بأيديهم فى ثورة ٣٠ يونيه المجيدة، أعادوا كتابة الدستور فجاء دستور يناير ٢٠١٤ أفضل دستور مصرى على الإطلاق، بل وصف بأنه أحد أفضل دساتير العالم.. وانتخبوا رئيسهم، الرجل الوطنى الشجاع الذى حمل روحه على كفه، وافتداهم بنفسه فى ٣ يوليه ٢٠١٣ فخلع طاغوت الإخوان .. إنه “عبدالفتاح السيسى” الذى سيسجل له التاريخ أنه أنقذ مصر من الإخوان، بل إنه ضرب مخطط الإدارة الأمريكية لأخونة الشرق الأوسط ومن ثم تقسيمه، ثم انتخبوا برلمانهم بإرادتهم الحرة.. المصريون أتموا “خارطة المستقبل” والأهم الآن.. ألا يلتفت أحد - سواء فى السلطة أو خارجها أو حتى من أبسط الناس فى هذا الشعب العظيم - لدعاوى “المصالحة” الباطلة، وإلا .. فعليهم قراءة هذا المقال - كله -مرة أخرى من البداية..!