بعد ثلاث سنوات من الثورة هل استـــوعب المصـــريون المؤامرة على جيشهم؟

29/06/2016 - 1:04:56

تحليل يكتبه: أحمد أيوب

مهما كثرت محاولات التشويه والطعن فى الجيش المصرى ودوره فى ثورة ٣٠ يونيه، تبقى الحقيقة التى يدركها كل مصرى وطنى مخلص أن الجيش كان هو المنقذ لهذه الثورة وأنه لولا تدخل الجيش ليفرض كلمة الشعب وينفذ إرادته لما حسم الأمر وما سقطت الجماعة الإرهابية. قالوا عن الثورة انقلاب عسكرى ووصفوا الجيش بأنه الطاغوت وأفتوا بقتل رجاله وأعلنوا الإرهاب فى سيناء، لكن كل هذا لم يكن إلا غضبا من انحياز الجيش للشعب وانتقاما منه لوقوفه الواضح والحاسم بجانب المصريين ضد مخطط الجماعة لأخونة الدولة وطمس هويتها.


هذا هو الجيش المصرى الصبور الذى تحمل الكثير من أجل هذا الوطن، لم يئن ولم ينفد صبره وإنما احتسب كل ما يفعله من أجل الوطن، صمد برجاله الذين تصدوا للإرهاب بصدورهم فداء للشعب، قدم أبناءه قربانا للوطن، شهداء من أجل ترابه، لم يمن على المصريين ولم يزايد على المؤسسات الأخرى بل وصل الأمر أن القوات المسلحة فى كثير من الأوقات كانت ومازالت تتحمل المواجهة دون أن تعلن عن نفسها إيثارا ورغبة فى دعم مؤسسات أخرى فى الدولة.


هذه هى المعادلة التى يغفلها المغفلون الذين يصرون بغباء على ممارسة لعبة الفصل بين الجيش والشعب، ويتخيلون أنهم يمكن أن ينجحوا


فى ٢٥ يناير، كانت كل أهداف هؤلاء المغرضين تتلخص فى الفصل بين الجيش والشعب، واستخدموا كل الأساليب الحديثة والخبيثة من أجل هذا بما فى ذلك الجيل الرابع من الحروب، فلجأوا لإعلام الفتنة، واستخدموا الفيديوهات المفبركة والوقائع الملفقة والقصص الساقطة من أجل إشعال الغضب الشعبى على جيشه.


لم يكن هؤلاء يتحركون بعشوائية وإنما بتخطيط وقراءة للتاريخ، كانوا يعلمون أنه عندما حدث الانفصال بين الشعب والجيش فى ٦٧ كانت النكسة، فكانوا يعتقدون أن تكرار هذا الانفصال سهل وانهيار الجيش ممكن وعودة النكسة متاح، لكنهم نسوا أن الجيش والشعب معا تعلما الدرس وأيقنا أنه لا انفصال ، أيقن الشعب أنه لن يحميه سوى جيشه الوطنى القوى المتماسك، ولن يحنو عليه سوى مؤسسته العسكرية.


كان هذا هو الجديد فى المعادلة التى قرأها المغرضون بالخطأ، ولهذا تحطمت كل محاولاتهم ومؤامراتهم على صخرة صلبة اسمها الجيش والشعب أيد واحدة.


حدثت المحاولة من جديد وبأسلوب أخبث، قادها الإخوان عندما تمكنوا من الحكم وبتخطيط أمريكى وتخيلوا أن بإمكانهم أخونة القوات المسلحة والسيطرة عليه تحت عباءة مكتب الإرشاد وإمرة المرشد، لكن كيف يحدث هذا والجيش المصرى هو الذى على مدار تاريخه يقدم النموذج والقدوة فى الانحياز للشعب، لم يضبط مرة منحازا لحاكم أو سلطان أو حزب أو تيار على حساب الشعب، فكانت الصفعة التى أسقطت الإخوان عندما اتحدت قوة الجيش مع إرادة الشعب فى ٣٠ يونيه وخرج المصريون إلى الشوارع يرفضون بقاء الإخوان ويهتفون الشعب هو الجيش.


خرجوا ينتظرون كلمة القائد العام الفريق أول عبد الفتاح السيسى بنجاح الثورة، وكلهم ثقة أنه لن يخذلهم وأن قواتهم المسلحة لن تتخلى عنهم ولن تعطيهم ظهرها، فهى لم تفعلها من قبل، ولن تفعلها


نادى المتظاهرون فى الميادين على الجيش وقائده العام الذى كان بالنسبة لهم المنقذ الذى تحمل المسئولية وقرر المواجهة ولو كلفه ذلك رقبته، فليس كان كمن حمل كفه على يده دون أن يخشى المصير الذى ينتظره لو فشلت الثورة، فقد كانت الفدائية التى اتسم بها القائد هى الحاسمة فى القرار ولم تكن غريبة على واحد من أبطال القوات المسلحة أن يفدى الشعب بحياته.


كان هذا المشهد هو الحارق لكل أوراق الإخوان، كان شعار الجيش والشعب أيد واحدة هو الذى أسقط كل المخططات الأمريكية فى المنطقة. كان هذا هو العنوان الذى هدم حلم العثمانية الجديدة لأردوغان.


لو حدث ما كان يراهن عليه الإخوان وترك الجيش شعبه وحيدا فى الميادين والشوارع ولم يتدخل فى ٣ يوليه لكانت الكارثة والحرب الأهلية ولتحولت مصر إلى بحور من الدم لم تجف حتى الآن.


لو نجح رهان الإخوان ووقف القائد العام ليدعم المعزول لكان المصير المحتوم هو سقوط الدولة بلا رجعة


لكن هل كان هناك من يتخيل هذا .. هل كان على وجه الأرض من كان يفكر ولو للحظة أن القائد العام لجيش مصر سوف يكون ضد الشعب أو يخون العقيدة التى تربى عليها داخل المؤسسة العسكرية.


بالطبع لم يكن يعتقد هذا إلا بعض ناقصى الأهلية من أنصار الجماعة ومن والاهم.. لكن عموم الشعب كانوا يدركون أن القائد العام هو ابن الشعب ولن يخون شعبه ولن ينحاز ضده وأن القوات المسلحة لن تسمح بحال لجماعة خارجة عن الوطنية أن تنفرد بالشعب أو تنفذ مخططاتها على حسابه.


هذه حقيقة لا يجب أن نغفلها أو نتناساها مهما طال بنا الزمن وتغيرت الأحوال.


كان تدخل الجيش وانحيازه الكامل للشعب ليس فقط لإزاحة جماعة فاشية دينية عن حكم جاءوا إليه فى غفلة، وإنما كان إنقاذا لشعب ودولة بل ومنطقة بالكامل، إنقاذا لشعب من القتل علنا فى الشوارع، وإنقاذا لدولة من الانهيار بنفس السيناريو السورى أو الليبى، وإنقاذا للمنطقة من فرض مخطط تقسيم جديد يحفظ فقط أمن إسرائيل ويقطع أوصال الأمة العربية ويفككها.


هذه هى الحقيقة التى ربما لا يدركها البعض عن جهل أو سوء فهم، لكن يعرفها ويفهمها جيدا كل ذى بصيرة، ليس فى مصر فقط بل فى كل الدول العربية، بل ويدركها الإخوان أنفسهم الذين لم يمنعهم عن قتل المصريين سوى الجيش، بل يعلمها الأمريكان وأتباعهم من الأتراك والقطريين، ولهذا لم تكن كراهيتهم جميعا للجيش المصرى من فراغ وإنما لأنه هو الذى حرمهم من تحقيق مخططاتهم.


ولهذا فرغم مرور ثلاث سنوات على ثورة ٣٠ يونيه لم تتوقف محاولات استهداف الجيش المصرى انتقاما منه ورغبة فى الانفراد بالشعب المصرى والمنطقة، ليست المؤامرات على الجيش كما يدعى الخونة والمتآمرين سببها رغبتهم فى حماية مصر من العسكرة ولا حبا فى مدنية الدولة، فلا الجيش المصرى عسكر ولا ترغب قيادته فى السيطرة على الدولة، ولو كانت هذه هي رغبتهم لفعلوا فى ٧٧ عندما نزل الجيش ليحمى البلاد فى ثورة الخبز أو فى ٨٦ عندما واجه تمرد الأمن المركزى أو عندما نزل إلى الشوارع ليؤمن متظاهرى ٢٥ يناير. لكن الغرض الوحيد للمتآمرين من ترويج هذه الأكاذيب هو إسقاط الجيش لأن فى إسقاطه هدم لمصر، لكن الجيش كالعادة يقف بصلابة ضد كل هذه المحاولات وسيظل هو الحاجز بين الفوضى ومصر، المانع لكل سوء عن المصريين، الحافظ لدولته، الحامى لأرضه، المدافع عن هوية بلده وأمته، فهذه مهمة إلهية لخير أجناد الأرض.


بالتأكيد من يتعرض بالدراسة لدور الجيش فى ثورة ٣٠ يونيه سيتأكد أنه لم يكن قاصرا على مشهد ٣ يوليه فقط، وإنما امتد ليحصن الثورة من الاختراق ويحميها من السقوط


كان الدور الأبرز والأهم والأخطر للجيش حماية المظاهرات والمواطنين فى الشوارع، ولم يكن هذا فقط من خلال البيانات التى خرجت لتطمئن الناس أنهم ليسوا وحدهم فى مواجهة الجماعة المتآمرة، وإنما كان من خلال الانتشار الواضح لرجاله ودباباته ومدرعاته فى شوارع مصر وطائراته فى سماء كل الميادين التى أمتلأت بالمتظاهرين لتوجه رسالة للجميع فى الداخل والخارج أن الجيش اختار، وأن الشعب الغاضب فى مأمن وفى حماية أبنائه من القوات المسلحة ولا يمكن أن يفكر أحد فى المساس به أو ترهيبه أو تهديده.


المهمة الثانية للقوات المسلحة فى ثورة ٣٠ يونيه كانت قيادة خارطة المستقبل وتحمل مسئوليتها أمام الشعب، كما وضح هذا من البيان الذى أعلنه القائد العام فى مقر وزارة الدفاع وسط ممثلى كل فئات الشعب المصرى، ليؤكد أن الجيش هو الحامى لهذه الخارطة بداية تنفيذ إرادة المصريين بعزل الرئيس الخائن مرورا بالدستور وانتخابات الرئاسة وصولا إلى انتخاب البرلمان.


الثالثة الوقوف بقوة ضد الضغوط الأمريكية التى مارستها بكل عنف وبكافة السبل لإجبار المصريين على قبول عودة الإخوان إلى الساحة. ولعل الجميع يعلمون أنه لو لم تكن القوات المسلحة والقيادة العامة هى التى تصدت لها بهذه الصلابة والإصرار، لما تمكن المصريون من تحمل كل الضغوط الأمريكية التى وصلت إلى حد التهديد بقطع المعونة وحصار مصر اقتصاديا بل ومنع صفقات السلاح عنها.


الرابع تحمل مسئولية مواجهة الإرهاب نيابة عن الشعب، قالها القائد العام وقتها الفريق أول عبد الفتاح السيسى أن رجال القوات المسلحة أختاروا أن يواجهوا الإرهاب بصدورهم حتى لا يصل إلى الشعب، قالها بلغة بسيطة يفهمها كل مصرى» نروح نموت أحسن « لو أصاب المصريين سوء وجيشهم موجود، ومازال رجال الجيش عن هذا الوعد ملتزمون بالتفويض الشعبى لقائدهم بمواجهة الارهاب فى سيناء وفى كل شبر من أرض مصر.


المهمة الخامسة تحمل الجيش تأمين الدولة بكاملها، مؤسسات ومواطنين، لم ينم رجال القوات المسلحة، تحملوا كل الصعاب من أجل حماية الشعب من انتقام الجماعة الإرهابية فى كل محافظات مصر دون تفرقة بين مسلم ومسيحى، ولم تكن حماية فقط بل وإعادة الحياة لكل مؤسسة عطلها الإخوان وكل مبنى أو دار عبادة هدموه أو أحرقوه، وكل قرية أو موقع أرادوا شل حركته


المهمة السادسة تحمل الجيش مسئولية إعادة بناء الدولة التى تعرضت للتخريب على مدار عقود ثم أكمل الإخوان هدمها، ولم تكن إعادة الدولة سياسيا فقط وإنما كان للجيش الدور الأبرز فى البناء الاقتصادى والذى امتد حتى الآن من خلال المشروعات القومية التى تحمل الجيش الجزء الأكبر منها سواء قناة السويس الجديدة أو المشروع القومى للإسكان الاجتماعى أو المشروع القومى للطرق .


فمنذ تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى المسئولية تحمل الجيش بث تنفيذ ١٧٠١ مشروع لصالح الدولة انجز منها حتى الان اكثر من ١٠٤٢ مشروعات ويعمل على الانتهاء من ٦٥٩ مشروعات آخر من أجل مصر وشعبها.


ليس هذا فحسب وإنما أثبت الجيش على مدار هذه السنوات أنه كما عهدناه انه ليس بمعزل عن الشعب ليس فقط طموحاته وأحلامه السياسية وإنما همومه ومشاكله، فعندما خرج البيان الأشهر فى الأيام الأولى لثورة الشعب و الذى تحدث عن الشعب المصرى لم يجد من يرفق به أو يحنو عليه لم يكن مجرد جمل إنشائية تدغدغ مشاعر المواطنين، وإنما كان بيانا معبرا عن عقيدة ثابتة للقوات المسلحة، وهى أنها ليست بعيدة أبدا عن مشاكل المواطنين وهمومهم فالجيش يعيش هموم المصريين ويعرف تفاصيلها ويسعى دائما لحلها، وقد وضح هذا عمليا على مدار السنوات الماضية من خلال الدور الواضح للجيش فى مواجهة الأزمات التى يتعرض لها المصريين سواء غلاء الأسعار أو قلة السلع أو غير ذلك.


بوضوح شديد وبعد مرور ثلاث سنوات ورغم أن المؤرخين يقولون إن التاريخ لا يكتب إلا بعد عشرين عاما على الأقل إلا أننا يمكن أن نقول إن القيادة العسكرية كانت كما عهدناها دائما، واجهت الامتحان بنجاح وخاضت المحنة بحرفية وقوة ووطنية حطمت كل المخططات.


لقد حمى الجيش الدولة دون طمع فى مصالح شخصية أو تحقيق أهداف خاصة، كان حاسما من البداية أنه جيش للشعب، كان قاطعا فى أنه ليس طرفا فى دائرة السياسة أو الحكم ولا طامعا فيه بل يرفض تماما الخروج عن دوره المرسوم له والنابع من إرادة الشعب وهو حماية الدولة ومقدرات شعبها وهذه هى عظمة الجيش المصرى التى تتجلى فى كل المواقف الصعبة، أنه جيش بلا أطماع سياسية ، جيش عقيدته الراسخة حماية الشعب فقط، يترفع عن المكاسب ويأبى أن يكون طرفا فى صراع، فى كل مرة يثبت بحق أن شرف العسكرية لم يلوث وأن إيمان رجال الجيش برسالتهم لم يتغير وأن عقيدتهم لم تتلون. فهم رجال رسموا على القلب وجه الوطن ولا يبخلون عليه بتضحية ولا يطلبون من أجلها جزاء ولا شكورا إلا من الله. ولهذا ما زلنا وسنظل نطالب الجميع .. حافظوا على جيشكم.. خافوا عليه.. لا تسمحوا للمتآمرين أن يوقعوا الفتنة بينكم وبين جيشكم .. فمصر محمية بجيشها..