هذه الثورة.. وهذا الجيل.. وهذا القائد

29/06/2016 - 1:03:17

بقلم: سليمان عبدالعظيم

حين كان الشباب يطوفون في الشوارع المصرية لجمع توقيعات على استمارات «تمرد» للخروج الشعبي ضد حكم الجماعة الإرهابية في ٣٠ يونيه ٢٠١٣، كنت في الستينات من عمري ، أنظر إليهم بعين الإعجاب.. ياااااه، لو كنت في سنهم لفعلت مثلهم..!


صحيح أنني لست من «الثورجية»، وتاريخي ليس فيه الكثير من النشاط السياسي أو الحزبي، وأنني أنتمي إلى جيل عاش في مصر أخرى، بقيم أخرى، وأفكار أخرى، ودولة لها طريقة أخرى في إدارة الأمور؛ لكن مشهد شباب «تمرد» حمسني، أشعل أفكاري.. شعرت بأن العمر عاد إلى الوراء أعواماً طويلة! تذكرت أبني «أحمد»، هو مثل هؤلاء.. «ثورجي»، وقبل ستة أشهر – فقط – من مشهد «تمرد» وجمع الاستمارات، تم إلقاء القبض عليه في أحداث ديسمبر الشهيرة، حين كان يتظاهر ضد «مرسي» ونظامه.. أما إبني «محمد» فقط انتبهت «بالمصادفة» إلى أنه وقع على هذه الاستمارة في أحد المحلات التجارية التى كانت توزع وتجمع هذه الاستمارات، سألت «محمد» عن توقيعه، فأنكر.. ابتسمت، وآثرت الصمت.. فقد كنت أنا شخصياً قد وقعت على استمارة «تمرد» هنا في مكتبي بـ»دار الهلال»، حين أتت بها زميلتنا الشابة الهادئة «رانيا سالم»، وقعت عليها وآثرت الصمت، مثلما آثرته حين علمت بتوقيع إبني محمد عليها.. لذنا جميعاً بالصمت في انتظار الحدث المهم في ٣٠ يونيه؛ لكن أحداً منا لم يكن يتوقع أنه سيكون بهذه الضخامة! حين حدث ذلك. قلت: بارك الله في هذا الجيل الثائر، الذي حرر مصر مرتين: في يناير ٢٠١١ من مبارك ونظامه الفاسد، وحزبه الوطني المتعفن، ومحاسيبه، ورجاله.. ومرة ثانية في ٣٠ يونيه ٢٠١٣ من مرسي ونظامه الإرهابي، وجماعته المحظورة، وعصابته المجنونة..!.


لا يمكن لمن يتأمل ثورة ٣٠ يونيه تأملاً جيداً، أن يغفل عن دور الشباب فيها.. هذا الجيل الذي تحت الثلاثين سنة، الذي لولاه لكنا حتى اليوم تحت حُكم «مرسي ومجموعته الإرهابية»، الذى لم يستمر نظامها سوى عام.. لكنه – بإجماع الغالبية الساحقة – عام أسود، مر على المصريين كأنه مائة عام


الشباب هم الذين حركوا الأمور، نفضوا عنا الركود والإستسلام، دفعونا إلى الخروج دفعاً.. كل واحد منا خرج في هذا اليوم – ٣٠ يونيه – وهو يظُن أن الآخرين لم يخرجوا ولن يخرجوا، فإذا بنا جميعاً، نلتقي في ميادين مصر، التي تحولت إلى كتل رهيبة من البشر تهتف: يسقط.. يسقط حكم المرشد!.


هذا الشباب هو الذي صنع مصر التي نعيش فيها اليوم، يجب أن نظل متذكرين لهذه الحقيقة، ولولاهم لكنا نعيش الآن تحت ولاية المرشد وتابعه مرسي والأتباع الآخرين من الجماعة المحظورة.. وهذا في تقديري سر حرص الرئيس عبد الفتاح السيسي على إشراك الشباب في المشهد الحالي، وهو الحرص الذي لا يبدو متحققاً -للأسف الشديد- في بقية هياكل الدولة المصرية، وإذا لم يتحقق.. فإن الشباب سيعودون إلى عزلتهم الطويلة التي ظلوا عليها طوال عصر مبارك.. وأظن – ظناً حميداً – أن السيسي لا يمكن أن يسمح بهذا، وأنه سيعطي الشباب فرصة حقيقية في هذه الدولة التي تحتاج إليهم..!.


هذا هو الجيل الذي صنع الثورة.. أما الثورة ذاتها فقد صنعت الحاضر الذي نعيشه الآن.. صنعت الدستور، وصنعت الإستحقاق الرئاسي الذي جاء بالسيسي رئيساً للبلاد قبل عامين كرئيس منتخب بإرداة شعبية حرة وأغلبية غير مسبوقة، وصنعت البرلمان الحالي في مناخ من الحرية.. ثورة ٣٠ يونيه ٢٠١٣، ياسادة لا تزال في بداياتها، وقد يندهش الشباب المُتحمس الذي قام بهذه الثورة من عبارة مثل هذه، لأنه يتعجل النتائج.. لكنني أطالبهم بقراءة التاريخ، وهو ليس تاريخاً بعيداً، أطالبهم بالعودة إلى ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ ليروا كم احتاجت من الوقت لتُغير واقع مصر، علماً بأن الزمن كان (غير الزمن) والعالم لم يكن كما هو الآن.. مصر تحتاج إلى جهد وعرق وكفاح، وتحتاج إلى وقت، وتحتاج إلى شراكة كالتي يُطالب بها السيسي طوال الوقت، أن نصطف إصطفافاً وطنياً، وأن نكون «يداً واحدة» أمام كل التحديات التي تواجهنا..!.


بدون أن نكون يداً واحدة، لن تستطيع ثورة ٣٠ يونيه أن تواجه التحديات الكبيرة التي نواجهها: الإرهاب، محاولات تقسيم المنطقة، البطالة، الفقر، المرض، الثورة المطلوبة – على وجه السرعة – في التعليم والصحة، وتحديات العدالة الاجتماعية.


ووراء كل هذا الشباب الذي صنع ٣٠ يونيه العظيمة، والثورة ذاتها التي تغير حياتنا برغم كل المصاعب والتحديات، يقف هذا الرجل النبيل، الجدع، الشهم، ابن البلد، الشجاع، القائد.. عبد الفتاح السيسي.. الذي كان يُمكنه أن يتخلى عن نصرة الشارع المصري، ويقبل عروض (المحظورة) التي انهالت عليه، لينعم بالراحة والهدوء والثراء وراحة البال ويحتفظ بمنصبه، بعيداً عن «وجع الدماغ».. لكن السيسي كان يرى الخطر المُحدق بمصر، وبالمنطقة.. ومصر هي الأغلى والأعز عند السيسي من الأهل والولد.. ولم يكن للسيسي أن يتخلى عن مصر ليقبل بنعيم الإخوان.. اختار السيسي مصر، والمصريين.. فاختارته مصر والمصريون، ولا أبالغ إذا قلت إن السيسي هو كلمة السر وراء نجاح ثورة ٣٠ يونيه في اقتلاع المحظورة من سدة الحكم يوم الأربعاء ٣ يوليو ٢٠١٣..!.


إننا لا نحتفل بذكرى ثورة عظيمة، ولا نُخلد دور الرجل العظيم الذي انتصر لها ولا مجموعات الشباب الفذة التي حركت المظاهرات ضد (المحظورة)، إننا في الحقيقة نتطلع إلى الصيغة التي تنتصر بها هذه الثورة انتصارها النهائي، وهي صيغة العمل الوطني الصادق الدءوب، ضد الإرهاب والفقر والبطالة..!.