«٣٠ يونيه» بين التأمل .. والتطلع السياسى

29/06/2016 - 1:02:01

بقلم: حمدى الكنيسى

حتي يكون احتفالنا بـ “٣٠ يونيه” تقييماً ودراسةً وتخطيطا بالمستوي الذي يليق بثورتنا التي أبهرت العالم، يتعين علينا أن نتوقف أمامها “بالتأمل” و«التطلع»، و“التأمل” في خلفياتها ووقائعها وتطوراتها، و«التطلع» لما نود أن يكون تصحيحاً لبعض مساراتها وإضافةً لأهم إنجازاتها.


إنها “٣٠ يونيه” وما أدراك ما “٣٠ يونيه” نقولها “ليس بمنطق محمد مرسي عندما قال عن فترة الستينيات وما أدراك ما الستينيات حيث كان هدفه الغمز واللمز والإساءة لعهد العظيم عبدالناصر”، وإنما نقولها نحن حتي نُعيد للذاكرة أهم خلفيات ثورتنا وأبرز وقائعها، فمن المنطقي والطبيعي أن نتوقف أمام أسبابها ودوافعها فنتأمّل الواقع الذي نشأ صاخباً ومثيراً مع “ثورة ٢٥ يناير” التي سعدنا بها وهللّنا لها، لأنها جاءت إيذاناً بإغلاق ملف الفساد والتزوير وتزاوج السلطة والمال، والتأهب لتنفيذ التوريث لكننا ما كدنا نلتقط أنفاسنا ونسعد بما أنجزناه، حتي وجدنا أنفسنا في أتون أصعب وأخطر فترات حياتنا، حيث تعرضت الدولة لحالة انهيارٍ مخيف ليتحول الربيع إلي خريف، وينقض علينا المخطط الخارجي والداخلي لضرب مؤسسات الدولة، بدءاً من اقتحام السجون لإطلاق سراح الآلاف من المعتقلين السياسيين والجنائيين ليعيثوا في الأرض رعباً وإجراماً حتي تنزلق مصر إلي انعدام الأمن وزعزعة الاستقرار، وذلك أيضاً في إطار ضرب وتشويه مؤسسة “الداخلية”، ثم يمتد المخطط إلي “القوات المسلحة” برفع الشعار المريب “يسقط حكم العسكر”، وتقفز الجماعة الإرهابيةُ إلي مِنصّة الحكم لتنطلق في مخطط السيطرة علي مفاصل الدولة، ولا يتورع محمد مرسي عن اختزال مصر كلها في “أهله وعشيرته” الذين لا يري غيرهم، ولهم وحدهم كل الحقوق والمكتسبات، ثم تتكشف أخطر الاتفاقيات مع أمريكا وإسرائيل بالتنازل عن معظم سيناء حتي تكون امتداداً لغزة الخاضعة للفصيل الإخواني الحمساوي، وحتي تكون بديلاً للدولة الفلسطينية فترتاح إسرائيل ويهنأ بالُها وتتلقي التهاني الأمريكية والأوربية بزوال خطر المقاومة الفلسطينية!


• ثم تتكشف أيضاً نوايا الجماعة وممثلها “مرسي” في إمكانية التنازل عن “حلايب وشلاتين” للسودان، وذلك إلي جانب تحدي وتشويه مؤسسة القضاء، وممارسة العنف والقهر لمن يرفضون القرارات والمواقف والإعلانات الدستورية المستفزة، وهكذا تراجعت الآمال في جني ثمار “٢٥ يناير”، وتصاعدت احتمالات انهيار وضياع الدولة، فكان “التمرد” الذي تَجسّد في توقيع أكثر من “٢٢ مليون” مواطن ضد النظام الفاشي، وتجلت عبقرية الشعب باعتناق واحتضان “نداء التمرد”، فكانت الثورة المجيدة التي شهدت احتشاد ميادين التحرير بأكثر من ثلاثين مليون مواطن “يهتفون بسقوط حكم المرشد” وطبعا لم يتخلف الجيش لحظةً واحدةً عن القيام بدوره الوطني التاريخي فاحتضن ثورة الشعب وساندها ودعّمها، إلي أن كان “الثالث من يوليه” الذي شهد إطلاق “خارطة الطريق” بقيادة وزير الدفاع الفريق أول “عبدالفتاح السيسي” وحضور ومشاركة “شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب”، و “البابا تواضروس” و “وممثل ثورة يناير الدكتور البرادعي”، و “وممثل السلفيين”، و “ممثل حركة تمرد محمود بدر”، ... وكما هو متوقع رفض مرسي وعشيرته قرار الشعب، وانطلقت التفجيرات والاغتيالات والاعتصامات المسلحة في “رابعة” و “النهضة” لتدخل الدولة في منعطفِ آخر إلا أنها سرعان ما تجاوزته بعبقرية الشعب والجيش والشرطة حيث تمت السيطرةُ علي حالة الفوضي واضطراب الأمن، وعدم الاستقرار بجهود مكثفة وتضحيات غالية من الشرطة والجيش، مع وعيٍ إيجابيٍ من أفراد الشعب الذين سخروا من “الوعد والوعيد” الذي أطلقه “محمد البلتاجي” لأن العمليات الإرهابية في سيناء سنتوقف فوراً من يده أو من يد المرشد لو عاد رجلهم “مرسي” إلي كرسي الحكم، ثم نشطت المؤامرات الداخلية والخارجية بهدف إرباك “دولة - يونيه” وإيقاف مسيرة البناء والتنمية حتي تغرق البلاد في الفوضي والانهيار الاقتصادي، لكن الشعب العظيم استوعب ما ينجم عن الظروف الاقتصادية المزمنة والتي زادت سوءاً في سنوات القلق والفوضي بعد يناير خاصة مع تراجع السياحة، وتوقف عجلة الإنتاج والاستثمار، وماجري تدبيره للدولار، فى إطار آلاعيب الحصار، كما استوعبت القوات المسلحة دورها الإضافي فإلى جانب التصدى الحاسم للجماعات الإرهابية على حدود مصر وفى شمال سيناء، تحركت ماكينة العمل الداخلي للمؤسسة العسكرية فكان الإنجاز التاريخى بحفر قناة السويس الجديدة بموازاة القناة الأصلية، وإطلاق مشروعات ضخمة للطاقة الكهربائية، وشق عشرات الآلاف من الكيلو مترات طرقاً حديثة تغطى أرض مصر وتسمح بأكبر الاستثمارات، وكذلك إقامة عشرات الكبارى، واستصلاح مليون ونصف المليون فدان، وإطلاق المشروعات الصغيرة للشباب، وذلك كله إلى جانب استكمال استحقاقات خارطة الطريق وقد توجها قيام مجلس النواب، ويقودنا “التأمل الموضوعى” إلى ما حققته “دولة - يونيه” على المستوى الخارجى حيث تمردت على سياسة الانبطاح تحت أقدام دولة واحد تفرض ميشئها علينا حتى فى مجال الزراعة والصناعة ومستوى التعامل مع الآخرين، بينما تنحاز علنا إلى إسرائيل على حساب قضايانا الفلسطينية والعربية والإسلامية.


** رفضت مصر - إذن - تلك السياسة وبتحرك بالغ الدقة والوعى أعادت لعلاقاتنا الخارجية توازنها فأقامت علاقات إستراتيجية مع روسيا والصين وفرنسا واليابان دون الإخلال بالعلاقات الإستراتيجية الأمريكية.


** كذلك استعادت مصر مكانها ومكانتها على الساحة الإفريقية بعد أن كنا أهدرنا رصيدنا الهائل فى قارتنا السمراء، ويكفى أن أصوات أفريقيا التى عادت لنا كان لها دورها فى حصول مصر على مقعدها غير الدائم فى مجلس الأمن وبنفس المنطق، وموضوعية التأمل، نتوقف أمام جانب ليس خفياً في التطورات والتداعيات الخاصة بثورة يونية، حيث تفرض علامات استفهام وتساؤلات نفسها على ما تتعرض له “كتيبة يونيه” من انشقاق بعض الرفاق الذين كانوا في طليعة الثورة وإذا بهم تمترسون فى نفس الخندق إلى جانب “الجماعة الإرهابية” ويشاركونها مواقفها وكأنهم لم يشاركوا في الثورة ضدها وإسقاط حكمها هذا وتفسير ذلك مع افتراض البراءة وحسن النية أنهم لم ينالوا حظهم من كعكة الثورة، ومن ثم أفلتت من أيديهم فرص تحقيق طموحاتهم الشخصية والفئوية التى كانت قد انتعشت بعد ٢٥ يناير.


وهكذا تعثرت وارتبكت وتناقضت مواقفهم حتى أنهم خرجوا من الصفوف الأولى “لدولة يونيه” إننى أتحدث يا حضرات وعن البرادعي وحمدين صباحى ومصطفى حجازى وعمرو الحمزاوى، وزياد بهاء الدين، وخالد يوسف، وكمال أبو عيطة وحسن شاهين وقادة حزب الدستور والسلفيين وغيرهم، إلى جانب بعض الإعلاميين الذين اصطدمت أجنداتهم الخاصة مع قرارات ومواقف الدولة.


تأملنا - إذن - أهم خلفيات ووقاذع وملامح “ثورة ٣٠ يونيه”، ولكى تكتمل الصورة كما نتمناها، ويتم تجاوز بعض السلبيات، وتعظيم الإيجابيات دعونا نتطلع إلى ما هو آت:


١- ضرورة الإسراع بدفع قانون “نقابة الإعلاميين” وقانون “المجلس الموحد للإعلام” إلى مجلس النواب ليبدأ العمل فوراً في إعادة التوازن للإعلام قبل أن يرتكب مزيداً من الأخطاء والخطايا التى تسىء إلى مصر وصورتها وعلاقاتها مع الأشقاء والأصدقاء، كما تفجر الخلافات والانشقاقات داخل الأسرة الواحدة.


٢- الإسراع فى إصدار قانون المحليات والخدمة المدنية


٣- الإسراع فى تعديل قانون التظاهر خاصة في حرص الحكومة على القبول بأية تعديلات يراها مجلس النواب.


٤- التأكيد بكل السبل على احترام وتقدير “ثورة ٢٥ يناير” وتكاملها مع “ثورة يونيه” وذلك لإجهاض المحاولات المستمرة للوقيعة بين الثورتين المبهرتين، ولعل ما أذيع من تسريبات وتسجيلات تدين بعض رموز ثورة يناير يستدعى التحرك الواعي بوضع الأمور فى نصابها القانونى مع تبرئة ساحة من تعرضوا للانتقادات دون وجه حق، هذا إلى جانب التأكيد على أن الغالبية العظمى من ثوار يناير وطنيون وشرفاء، كذلك فإن أخطاء وانفعالات البعض يجب ألا تقف حائلاً دون مراعاة ظروفهم الصحية والنفسية كحالة “أحمد دومة”.


٥- ترجمة الآراء المواقف التى تجسد اعتزاز وتقدير الرئيس السيسى للشباب إلى خطوات عملية أكثر لمزيد من استنفار حماس وانتماء الشباب ومزيد من التوعية والاستقطاب لمن يتم تغييب عقولهم أو يضلون الطريق!!


٦- التعامل الواعى مع رجال الأعمال الذين يتجاهلون حتى الآن مناشدات الدولة لهم كى يشاركوا فعلياً في إنقاذا الاقتصاد، وذلك بأسلوب آخر قد يعيد إليهم صوابهم ويوقظ وطنيتهم وانتماءهم، أما الملتزمون منهم المدركون لواجبهم إزاء وطنهم.. فينالون ما يستحقونه من تكريم وتقدير.


٧- تحرك أكثر دقة واستيعاب لمختلف أبعاد وجوانب أى قضية حتى لا ترتبك الرؤية بسبب سوء التوقيت أو ضعف التفسير كما حدث فى قضية “الجزيرتين”.


٨- الدعم السريع والقوى لمؤسسات الدولة المعنية بالرسالة الإعلامية الوطنية كاتحاد الإذاعة والتليفزيون، ومؤسسات الإنتاج الفنى والدرامى التى أدى غيابها إلى ظهور أفلام ومسلسلات تسىء إلى الثوابت الاجتماعية والوطنية والإنسانية ومن ثم تسىء إلى صورة ومكانة مصر، وتعرقل مسيرتها للبناء والتنمية والتقدم، وقد تخصم - دون مبرر - من رصيد ثورة يونيه.