٣٠ يونيه والنفق المظلم .. ماذا لو؟

29/06/2016 - 12:59:39

بقلم: عزت بدوى

غداً الخميس تحل الذكرى الثالثة لثورة المصريين ضد الحكم الفاشى لجماعة الإخوان الإرهابية فى ٣٠ يونيه ٢٠١٣ وإسقاطهم لدولة المرشد التى أرادوها دينية وممثلة فى قصر الرئاسة بالاتحادية محمد مرسى.. وحتى ندرك عظمة ما حققه المصريون فى ذلك اليوم بعيداً عن أصحاب الهوى والمصالح الشخصية من جانب والخونة والمتآمرين والإرهابيين من جانب آخر فلابد أن نسترجع الذكريات عما شهدته البلاد فى عامهم الأسود من جهة ونذر الشؤم التى كانت تحيط بها من جانب آخر وما تحقق على أرض الواقع منذ الإطاحة بهم رغم تكالب الذئاب على قصعة مصر من الداخل والخارج لالتهامها وإقصائها من على أرض الواقع من جهة ثالثة.


فعلى مدى عام كاملا من حكم الإخوان قبل أن يفيض الكيل ويطفح بالمصريين كانت أبرز أمانى المصريين البحث عن نعمة الأمن التى أصبحت حلما بعيد المنال لأول مرة فى حياتهم فلم يعد المصرى آمناً على نفسه أو ماله أو عرضه فى كافة ربوع مصر فى وضح النهار وتحولت حياته إلى كابوس بعد أن استباحت ميليشيات الإخوان وأنصارهم أقسام الشرطة ومديريات الأمن ودواوين الحكومة والمحافظات بل وقاعات المحاكم ذاتها بما فيها أعلى سلطة قضائية فى البلاد وهى المحكمة الدستورية العليا لمنعها من أداء رسالتها السامية فى إرساء قواعد العدل فى البلاد بعد أن ضرب مكتب الإرشاد و رئيسهم فى قصر الاتحادية عرض الحائط بكافة النصوص الدستورية والقانونية التى تفصل بين السلطات ليصدر إعلان دستورى يعتدى على الدستور ويعيد برلمان قضت المحكمة الدستورية بحله ويعتدى على السلطة القضائية ويهدر استقلالها ويشكل ميليشيات شبه عسكرية من أعضاء جماعته تحل محل أجهزة الأمن الرسمية ويؤوى الإرهابيين والقتلة فى سيناء لتتحول إلى وكر للإرهاب الدولى من كافة دول العالم يهدد كيان الدولة المصرية ووجودها.


لم تكن الفوضى والاعتداء على مؤسسات الدولة وأجهزتها السيادية واختطاف ثورة المصريين والعصف بأصحاب الثورة الحقيقيين فى ٢٥ يناير ٢٠١١ والسعى لطمس الهوية المصرية والتحدى الوحيد الذى دفع المصريين بكافة اتجاهاتهم وانتماءاتهم السياسية للتصدى لحكم دولة المرشد وإنما الخطر الأكبر تمثل فى قيادة البلاد نحو نفق مظلم يبدأ بالفتنة واقتتال المصريين بعضهم البعض وينتهى بهدم الدولة المصرية ذاتها وهو أمر أدركته مبكراً قيادة قواتنا المسلحة بحسها الوطنى وحذرت منه ولم تدخر جهداً ووسيلة للحيلولة دون وقوعه داعية لوأد الفتنة ولم الشمل وتوحيد الصف وإنقاذ البلاد من الخطر المحدق الذى يقودنها إليه ولكن قوبلت كافة دعواتها المخلصة بالصلف والغرور والعنت بل وبالتهديد بالويل والثبور والقتل لتدمير لكل من تسول له نفسه مخالفة مخططاتهم الجهنمية لطمس هوية الدولة المصرية وتمزيقها ودفعها للاقتتال الأهلى.


قبل الثلاثين من يونيه عام ٢٠١٣ كان المصريون يقضون معظم وقتهم فى طوابير طويلة بحثاً عن رغيف عيش أو لتر بنزين أو صفيحة سولار لرى زراعتهم التى دمرها العطش لعدم وجود السولار بينما يقضون ليلهم فى ظلام دامس فى الغالبية العظمى من مدن وقرى مصر بما فيها العواصم الكبرى كالقاهرة والجيزة والإسكندرية وذلك لأول مرة منذ ودعت تلك المدن لمبات الجاز مع دخول عصر الكهرباء كما وصل سعر أنبوبة البوتاجاز فى معظم أنحاء مصر إلى ١٢٠ جنيهاً للأنبوبة بدلاً من ثلاثة جنيهات ونصف وتحولت حياة المصريين إلى نوع من الجحيم مظاهرات حاشدة بالليل وطوابير طويلة أمام منافذ الخدمات كالمخابز ومحطات الوقود وغيرها بالنهار وتحولت شوارعها إلى جراجات لتصاب البلاد بالشلل التام.


فى الثلاثين من يونيه منذ ثلاث سنوات فاض الكيل بالمصريين وخرجت جحافلهم من كل حدب وصوب فى مشهد تاريخى أبهر العالم أجمع بعد أن اكتظت ميادين مصر وشوارعها بأكثر من ٣٠ مليون مصرى ومصرية شيوخاً وشباباً وأطفالاً ونساءً وأصروا على عدم العودة إلى منازلهم إلا بإسقاط حكم دولة المرشد ولم يجد جيش مصر العظيم وقادته البواسل إلا أن ينحازوا للإرادة الشعبية الكاسحة ويحملوا أرواحهم على أكفهم فهم جيش الشعب وانتماؤهم وولاؤهم الأول والأخيرة دون غيره من ملك أو حاكم أو رئيس.


ويوجهون إنذارهم الأخير للرئيس المعزول وجماعته لإنقاذ البلاد من السقوط فى النفق المظلم الذى يقودنها إليه ويطلبون منه الاحتكام للشعب فى بقائه فى السلطة بالدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة والشعب هو صاحب القرار الأول والأخير فى هذا الشأن لكن كان الرد إما نحكمكم أو نقتلكم!!


تحية لشعب مصر العظيم الذى لا يعرف المستحيل ولقن العالم أجمع درساً عملياً إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر.. وتحية إعزاز وفخر وتقدير لمدرسة الوطنية المصرية الأصيلة قواتنا المسلحة بأفرادها وجنودها وضباطها وقادتها العظام الذين قدموا أرواحهم رخيصة دفاعاً عن إرادة شعبهم وإنقاذاً لوطنهم من السقوط فى مستنقع كان مدبراً ومخططاً لها بإحكام وإذا كان يكفى ثورة ٣٠ يونيه ٢٠١٣ من إنجاز إزاحتها لحكم الإخوان فعلى كل من يزايد على إنجازاتها العظيمة أن ينظر حوله وماذا حدث فى ليبيا وسوريا والعراق واليمن والتى كان مخططاً أن يكون هو نفسي مصير مصر.. على من يشك ويزايد وينظر لنصف الكوب الفارغ أن ينظر إلى ما آل إليه الوضع لفتيات ونساء سوريا وأطفالها فى مخيمات اللاجئين والهجرة إلى أوروبا.


ورغم كل المؤامرات والدسائس والحرب الضروس ضد الإرهاب التى تحاك لمصر منذ ٣٠ يونيه ٢٠١٣ حتى الآن إلا أنها نجحت وبامتياز فى فك الحصار السياسى الذى فرض عليها من الشرق والغرب بل ومن قارتها الإفريقية واستعادة مكانتها وريادتها فى كافة المحافل الدولية والإقليمية.. ولم يقتصر الأمر علي ذلك بل إن ثورة الـ٣٠ يونيه ٢٠١٣ حققت كافة استحقاقات خارطة الطريق التى التزمت بها منذ اللحظة الأولى للإطاحة بحكم الإخوان وأقامت دولة المؤسسات وأصبح لها مجلس نواب يقر ولأول مرة منذ ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ ميزانية الدولة.


ما تحقق على أرض الواقع رغم كل التحديات والصعوبات فاق ما تحقق على مدى قرون طويلة سواء بإعادة رسم خريطة تنمية مستديمة للبلاد بشبكة طرق تمثل شرايين الحياة بطول وعرض البلاد ويتم إنجازها فى عامين فقط لإعادة تخطيط واستقلال كافة أراضي مصر وثرواتها الطبيعية بجانب عدد من المشروعات القومية الكبرى فى مقدمتها مشروع تنمية محور قناة السويس وازدواج مجرى الملاحة فى القناة وزراعة ١.٥ مليون فدان من ضمن ٤.٥ مليون فدان ستتم إضافتها للرقعة الزراعية فى مصر بجانب عاصمة إدارية جديدة تفك طلاسم العاصم الحالية واختناقاتها و اختفت للأبد أزمات الكهرباء والطاقة ورغيف العيش التى كانت بسمة مميزة لعام الإخوان وكل ذلك رغم الأزمات السياسية والاقتصادية العالمية التى تلقى بظلالها علينا لتضيف عبئاً جديدا على صانع القرار بجانب التحديات التى يعرفها مسبقاً سواء من انهيار أسعار الطاقة عالمياً أو الركود الاقتصادى العالمى وتأثيره على حركة الملاحة فى القناة أو الحصار السياحى على مصر لحرمانها من استغلال مورد هام من موارد المدخل بالنقد الأجنبى وأخيراً الخروج البريطانى من الاتحاد الأوروبى وانعكاساته على أسعار الدولار والذهب وأسواق المال فى مصر وغيرها من الأوضاع الاقتصادية لندرك مدى ما يبذل من جهد مخلص وعمل دؤوب ليل نهار لمواجهة كل هذه التحديات التى تفوق ما يتعرض له الآخرون ولندرك عظمة ما تحقق فى ٣٠ يونيه ٢٠١٣ وما هو المصير المظلم الذى كان ينتظرنالم لم يحمل رجال قواتنا المسلحة أرواحهم على أكفهم فداء للوطن.