أحلامنا الممنوعة

29/06/2016 - 12:58:22

بقلم: عادل سعد

قبل الساعة المعلنة خرج كل واحد من بيته فى صمت، وسرعان ما امتلات الشوارع.


شيئا فشيئا لم نعد موجودين كأفراد .جميعنا يحمل نفس الاسم.


انفجر ٣٠مليون مصرى غاضب ضد مرسى وجماعته، ووصلت المواجهة بين الشعب والجماعة إلى حافة الخطر. لعل هذا المشهد يلخص بعض ماحدث، لكن بعض الناس اعتادوا صناعة الأكاذيب وتصديقها. هذا كان حال معظم المغامرين والمتاجرين بثورة الشعب فى ٣٠ يونيه ضد الإخوان .


على رأس هؤلاء رجال مبارك والحزب الوطنى الفاسد الذين أرادوا اعتلاء المنصة معتقدين أن الكرة عادت بلا مجهود إلى ملاعبهم.


ولم يدرك هؤلاء أبدا أن عصرا جديدا سيطل عليهم، وأن أول أحكام قضائية بحبسهم ومصادرة ثرواتهم ومحاسبتهم ستصدر بعيدا عن صفقات الإخوان معهم فى هذا العصر الذى حاولوا إيهام الناس بأنهم صنعوه .


وكان لافتا أن تصدر أحكام قضائية حاسمة ونهائية ضد مبارك وولديه، وضد صفوت الشريف وأولاده، وضد زكريا عزمى وأولاد محمد حسنين هيكل، وهو أمر يستحق الاحترام.


ليس هذا فقط بل إن تلك الأحكام كانت تعنى بالضرورة حرمانهم من العودة للعمل السياسى نهائيا بعد فساد دام ثلاثين عاما.


كان غريبا أن النظام بعد ٣٠ يونيه كان رادعا مع مبارك وعصابته أكثر من نظام مرسى وجماعته.


وكان هذا دليلا على براءة مابعد ٣٠ يونيه من كل خطايا مبارك والإخوان معا، بل واستعادة ثورة يناير بتحقيق مطالبها على الأرض.


لكن الأغرب فيما جرى بعد ذلك أن السيسى اندفع لطريق لم يتوقعه أغلب السياسيين، كانت أغلب القوى المتناحرة ينطبق عليها المثل القائل إن البعض من فرط امتناعه عن الرضاعة منذ زمن سوى من ثدى الكتب نسى العالم الحقيقى ونسى هؤلاء الذين يعيشون فيه.


كانت أعدادا كبيرة من المصريين ترى النهار الذى يشرق باعتباره محنة طويلة لابد من اجتيازها، والمساء يحل بشعور من الإحباط واللاطمأنينة، وبدا أن بعض جروحنا لن تندمل أبدا.


سياحة توقفت، وإرهاب ونزيف من العملات الصعبة، وبطالة خانقة، ومصانع عاطلة، ومطالب فئوية تذبح الأمل، وانقطاع للكهرباء وارتفاع لأسعار السلع لايتوقف.


كنا نعرف تماما الموت بلا حاجة لإعادة التعرف عليه.


وأكلنا وشربنا من الكلمات ومن أفكار هشة تطرحها أحزاب ضعيفة، وتناحر طائفى تغذيه قوى ظلامية، سمح لها بأن تنفذ للشباب وتعمل.


كانت مشاكلنا تبدو وكأنها عجوز جدا،استهلكتها الحياة ، كقطعة ملابس غسلناها ألف مرة.


كان حكم الإخوان عامين من الظلمة الحالكة .


وكان السيسى صامتا ونحن نخاف ممن يصمت.


ووسط كل هذا الركام أطلق سبعة مشروعات قومية كبرى كان أولها افتتاح قناة السويس، وتلاها بالضبعة النووى وإسكان الشباب واقتحام العشوائيات والمليون فدان وتنمية الصعيد والمركز العالمى للغلال.


وليس من قبيل المبالغة أن أول تصد حقيقى للعشوائيات والقضاء عليها ، وأول تعاقد بشأن إنشاء مفاعل نووى، وأول أفدنة قمح ترفرف سنبلاتها الخضراء فى بلادنا منذ زمن طويل حدث فى هذه الأيام.


وخرج علينا السيسي بتعاون آخر مع السعودية، مشروع جسر الملك سلمان وترسيم الحدود.


لقد هزتنى ملاحظة أخرى مررها الأمير محمد بن سلمان ولى عهد السعودية الثانى عبر الفيس بوك قبل أن يصدر الحكم بأيام تقول : « لوكانتا – يقصد الجزيرتين – مصريتين فهما عند أهلنا، ولو كانتا سعوديتين فهما عند أهلكم».


أقول هذا لأن البعض يخرج عن حدود الأدب ، وينسى أن للسعودية عشرات الجزر فى البحر الأحمر، التى لا يتردد الجانب السعودى فى وضعها تحت أمر الجيش المصرى ولو للحظة، وبعضها يفوق حجمه وأهميته الاستراتيجية لمصر عشرات المرات عن أهمية الجزيرتين، ولعل من النماذج الواضحة جزيرة فرسان التى تعترض البحر الأحمر جنوب مصر بنحو ٢٠٠ كيلو تقريبا وتفوق مساحتها الجزيرتين بمرتين، ويحتلها الجيش المصرى بالتعاون مع الجيش السعودى، ويقيم عليها جانبا من راداراته الحربية واستحكاماته، خاصة وأن الجزيرة تقع فى مواجهة إريتريا وإثيوبيا وجنوب السودان.


أمر آخر أود أن أناقشه وهو أن الدنيا تتغير، زمان تخدرنا وأقنعنا نظام مبارك أن من المستحيل بناء سد فى أثيوبيا لأن التضاريس هناك عجائبية، وعشنا على هذا الوهم طويلا، وأعتقد أن الأمر يتكرر الآن مع قناة السويس.


نعم ينبغى أن نفكر بأن قناة السويس يمكن أن تفقد جزءا من دورها خلال ٢٠ عاما على الأكثر، لأن المناخ يتغير وناقلات البترول العملاقة يمكنها العبور فى ثلوج سيبيريا صيفا الآن وبقليل من التكنولوجيا ستعبر طوال العام، كما أن القناة الإسرائيلية لن تظل أمرا مستحيلا إلى الأبد.


لكل هذا ينبغى أن نقفز للمستقبل، والذين يعارضون جسر الملك سلمان، ويعتقدون أن القضية صنافير وثيران، لا يدركون أن مصر تصنع بديلا موازيا للقناة يعيد إحياءها من جديد، وينعش تجارتها اللوجستية، ويعيد لمصر وللسعودية أهميتهما التجارية فى مجال النقل بين الشرق والغرب، تلك التى انقطعت بهزيمة يونيه واحتلال إسرائيل فلسطين.


قبلها كان طبيعيا أن ترى سائحا نيجيريا حضر للحج البرى عن طريق مصر أو قادم من غانا للالتحاق بقطار الشرق ليصل إلى أوربا، مصر والسعودية تفكران فى هذا ، بعيدا عن كل النظرات الضيقة، ومن المتوقع أن تصل التجارة العابرة فوق الجسر لنحو مائتى مليار دولار سنويا لو نجحت مصر فى اقتناص عشرة بالمائة منها لحققت دخلا يعادل دخل قناة السويس خمس مرات.


جرفتنا الكلمات خارج ٣٠ يونيه لكننى لا أعتقد ذلك.


ذلك أننا خرجنا جميعا من أجل استعادة أحلام الوطن، وأعتقد كان من ضمنها زراعة القمح فى الصحراء، ودخول المجال النووى، وبناء جسر يربط مصر والسعودية، واقتحام مشاكل العشوائيات، وتقوية الجيش وتنويع مصادر السلاح.


وتلك كلها كانت أحلاما ممنوعة تماما فى زمن مبارك وفى زمن الإخوان.


وهى تتحقق الآن، الثورة لم تصل للصحافة والإعلام وللتعليم والصحة والمحليات والحريات العامة ، لذلك نحن فى انتظار المزيد.