أحزاب ٣٠ يونيه.. «كمالة كشرى»

29/06/2016 - 12:56:05

بقلم: مجدى سبلة

رغم حالة التفاؤل التى ملأت الشارع المصرى بعد ثورتى ٢٥ يناير و٣٠ يونيه باختفاء أحزاب كانت قد سيطرت على حكم البلاد سنوات، واستفزت قواعده .. وتصورنا ميلادا جديدا  لأحزاب لها شعبية، قادرة على تلبية طموحات الشعب الرئيسية، إلا أنه سرعان ما تبدلت حالة التفاؤل، ووجدنا بورصة للأحزاب لم تأتِ بجديد على الحياة السياسية، فنحو ٩ أحزاب فقط حاولت أن تلعب سياسة، هى مستقبل وطن  و”المصريين الأحرار”، والوفد، والتجمع، والحركة الوطنية، والتحالف الشعبي الاشتراكي، والكرامة، والناصري، والنور، بينما هناك أكثر من ٩٠ حزبا من الأحزاب السياسية خارج المنافسة لا يسمع عنها المواطن في الشارع.


المهم  أنه أصبح  لدينا ١٠٤ أحزاب وقوى سياسية كلها  شبه أحزاب أو لافتات «كمالة» بلغة محلات الكشرى، لأن كل المراكز البحثية ذات الثقة أكدت أن شعبية هذه الأحزاب والقوى السياسية متدهورة وخارج الخدمة الميدانية، بل إنها غير قادرة مجتمعة على تعريف كلمة حزب التى تعنى مجموعة من الأفراد تتفق على فكر معين في إطار تنظيمي محدد بهدف الوصول للأغلبية.. لكى يكون لدينا حزب حقيقي.


وأثبتت التجارب الحزبية فى مصر بعد ثورة ٣٠ يونيه أن الأحزاب التى حاولت أن تلعب سياسة أقيمت على أكتاف أشخاص ورجال أعمال لا أيديولوجيات ولا أفكار ربما أنه تم شراء نوابهم لحماية مصالحهم، ومعظمهم من الحزب الوطنى المنحل عقب ثورة يناير.


 الملاحظ أن الاستطلاعات التى أجريت مؤخرا أثبتت أن هذه الأحزاب وبرامجها لا تلبى احتياجات الشارع وتبين بأنها «أحزاب الغرف المكيفة والصالونات والفنادق ولابد من ضرورة إصلاح الحياة الحزبية المتفككة والمضطربة فى البلاد التى تتعامل مع المواطنين أيام الانتخابات فقط.   


 بالرغم من أن كثيرا من المصريين بعد ثورة ٣٠ تعشم كثيرا بتغيير الحياة الحزبية في مصر.


خاصة بعد أن أصبح تأسيس أو إنشاء الحزب بمجرد الإخطار، على أن يُعرض ذلك الإخطار على اللجنة التى يتعين عليها الرد عليه، ويمارس الحزب نشاطه السياسي اعتبارًا من اليوم التالي لمرور ثلاثين يومًا من إخطار لجنة الأحزاب دون اعتراضها، وأن يوقع على إخطار قيام وتأسيس الحزب ٥٠٠٠ عضو مؤسس من عشر محافظات على الأقل، بما لا يقل عن ٣٠٠ عضو من كل محافظة.


بالإضافة إلى عدم تأسيس أي حزب على أساس ديني أو طبقي أو طائفي، وألا تتعارض مبادئه أو أهدافه أو برامجه أو سياساته أو أساليبه فى ممارسة نشاطه مع المبادئ الأساسية للدستور أو مقتضيات حماية الأمن القومي المصري أو الحفاظ على الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي والنظام الديمقراطي.


بالرغم من اعترافنا أنه لايمكن أن تقام حياة ديمقراطية في أي دولة إلا عن طريق العمل الحزبي  وأحزاب تحكم وأحزاب أخرى تحاول الوصول إلي الحكم وتمثيل المعارضة في بعض الأوقات..


 كنا نتوقع أن خريطة الأحزاب في مصر ستتغير بعد انتخاب مجلس النواب ولكنها لن تكون بالشكل المطلوب، وتصورنا أن معظم الأحزاب ستندمج تحت أفكار وسياسات أخرى، حيث سيكون هناك ٣ أو ٤ أحزاب تتصدر المشهد، منها الوفد، و”المصريين الأحرار”، ومستقبل وطن، وبعض أحزاب اليسار، حيث إن هذه الأحزاب لديها تمثيل جيد في مجلس النواب ولديها أفكار وسياسات واضحة إلى حد ما.


كنا نتصور أن أبواب المشاركة السياسية سوف تجر ملايين المصريين، لتدخل مصر مرحلة التحول الديمقراطي.


 مع العلم أنه من المنتظر أن يستغرق قيام حياة حزبية سليمة بعض الوقت، حتى تتبلور خريطة حزبية واضحة المعالم، تتكون من أحزاب حقيقية، تعبر عن مختلف الشرائح الفكرية والاجتماعية للمجتمع المصري. وهو ما يستلزم إجراء حوار وطني حقيقي، بين مختلف القوى السياسية المتواجدة على المسرح السياسي، بهدف خلق توافق وطني حول المبادئ الأساسية التي تمثل أرضية مشتركة، ووضع ضوابط محددة للعمل الحزبي والسياسي، تمنع استخدام دور العبادة في الدعاية الحزبية والسياسية.


لأنه لا حياة سياسية سليمة، إلا بعودة الدولة إلى دورها الاقتصادي والاجتماعي تجاه مواطنيها بالتوازى مع الممارسة الديمقراطية، وبعودة الدولة إلى دورها ستتغير المعادلة وسيحجم من الدور الكبير الذي يلعبه رجال الأعمال في عدد من الأحزاب السياسية.


كما أن عودة الدولة لدورها ستدفع بعدد كبير من المواطنين إلى ساحة العمل الحزبي، ممن تمنعهم دوّامة أمورهم المعيشية من الانضمام لأحزاب سياسية، حيث يضطر الكثيرون للعمل عملاً إضافياً، مما يجعل  من التفكير في الانضمام لحزب سياسي ترفاً بعيد المنال، فضلاً عن معاناة الكثيرين من البطالة، التي تجعلهم فريسة للإحباط الشديد، الذي يُقعدهم عن أي انخراط أو اهتمام بالعمل العام.


كما أنها ستضع حداً لظاهرة خلط العمل الحزبي بالعمل الاجتماعي، ممن يستغلون حاجة المواطنين بهدف الحصول على أصواتهم، ففي كثير من الأحيان، يعطي المواطن صوته لحزب أو لمرشح بعينه، ليس عن قناعة بتوجهه بقدر ما هو عرفان منه لمن وقف بجانبه، عندما تخلّت الدولة عنه، وتركته مجرّداً يواجه مصيره بنفسه.


نعم يقع العبء الأكبر على الموجة الشبابية العاتية التي ألقتها الثورة في بحر السياسة الراكد، ومدى استيعابها لدروس الفترة الماضية، ومدى مسارعتها للخروج من حالة السيولة الفكرية والتنظيمية، لتشكيل كيانات سياسية واجتماعية تحمل مطالب الثورة وتسعى إلى تحقيقها، فيبدو أن البعض لا يدرك الفارق بين وسائل الهدم ووسائل البناء، وظيفة الحزب السياسي؛ فآليات التأثير في التطورات السياسية تختلف من مرحلة إلى أخرى.


بمرور الوقت، وعبر التنافس بين مختلف القوى السياسية، ستتكفّل الممارسة العملية، بفرز الغث من السمين من كل هذا العدد الكبير من الأحزاب السياسية، وبإنضاج التجربة الحزبية الجديدة، ليكون لدينا تعددية حقيقية، تتنافس فيها عدة أحزاب قوية، تمتلك المقومات الفكرية، والقدرات التنظيمية، والإمكانات المالية، والقواعد الجماهيرية، فلا تكون مجرد صالونات نخبوية، فالتعددية الحزبية الناضجة شرط أساسي لانطلاق التجربة الديمقراطية بعد ثورة ٣٠ يونيه.