الفريق عبد المنعم التراس قائد قوات الدفاع الجوى: سلاحنا ثروة قومية

29/06/2016 - 11:45:33

حوار يكتبه: أحمد أيوب

أسبوع تساقط الفانتوم.. كان هذا هو الأسبوع الأول من شهر يوليو ١٩٧٠ عندما اكتمل بناء حائط الصواريخ تحت ضغط هجمات لا تتوقف من طيران العدو بالفانتوم والـ»سكاى هوك».


لكن هذا التحدى لم يزد رجال مصر إلا إصرارا على إنجاز حلم حائط الصواريخ ليبدأ تساقط الطائرات الفانتوم الإسرائيلية لأول مرة واحدة تلو الأخرى ويقع العديد من الطيارين الإسرائيليين أسرى فى أيدى الأبطال المصريين وتوالت انتصارات رجال الدفاع الجوى.


ولتعلن مصر رسميا أن سماءها محرقة لمن يقترب منها وتتخذ من الثلاثين من يونيو كل عام عيدا لها.


من يومها ومنظومة الدفاع الجوى وكأنها تحتضن سماء مصر لتحميها ضد أى اعتداء.


وبكل ثقة يوجه الفريق عبد المنعم التراس رسالة واضحة للجميع بأن سماء مصر كانت وما زالت وستظل فى أيدٍ أمينة تحميها اسمها الدفاع الجوى، وعلى كل مواطن أن يثق فى قواته المسلحة وقدراتها على حماية أمن مصر جوا وبحرا وبرا، وأن يثق فى أن قوات الدفاع الجوى قادرة على حماية سماء مصر مهما بلغت التحديات والعدائيات.


حماية السماء لا تأتى من فراغ ولا مجرد شعار يرفعه الفريق التراس وإنما نتاج جهد شاق وعمل لا يتوقف وتدريب مستمر وتسليح يوافق أحدث ما وصل إليه العالم فقوات الدفاع الجوى لا تتوقف عن تطوير قدراتها وإمكانياتها التسليحية والقتالية مثلها مثل بقية أسلحة وأفرع القوات المسلحة، لأنها تعلم عظم المهمة التى تتولاها وتصر على أن تؤديها بكل تفان وكفاءة وإخلاص.


ولأن منظومة الدفاع الجوى وتسليحه تتكلف مبالغ كبيرة من أجل حماية أمن مصر القومى، ولذلك يعتبرها الفريق التراس ثروة قومية يحافظون عليها بكل السبل وبالحرص على صيانتها وإطالة عمرها لتحقيق أكبر استفادة منها بمهارة الرجال.


كان لابد أن تكون البداية من أصل الحكاية، حائط الصواريخ الذى لا يعرف قصته الكثيرون.


سألت الفريق التراس، ماذا يعنى حائط الصواريخ؟


فقال: هو تجميع قتالى متنوع من الصواريخ والمدفعية المضادة للطائرات قادر على صد وتدمير الطائرات فى أى وقت وعلى مستوى الجمهورية.. وقد تم بناء هذا الحائط فى ظروف بالغة الصعوبة.. حيث كان الصراع بين الذراع الطولى لإسرائيل المتمثلة فى قواتها الجوية وبين رجال القوات المسلحة المصرية بالتعاون مع شركات الإنشاءات المدنية فى ظل توفير دفاع جوى عن هذه المواقع بالمدفعية المضادة للطائرات لمنع إنشاء هذه التحصينات.. ورغم التضحيات العظيمة التى تحملها رجال المدفعية المضادة للطائرات.. كان العدو ينجح فى معظم الأحيان فى إصابة أو هدم ما تم تشييده.. وقام رجال الدفاع الجوى بالدارسة والتخطيط والعمل المستمر وإنجاز هذه المهمة.. وكان هناك خياران لا ثالث لهما، إما القفز بكتائب حائط الصواريخ دفعة واحدة للأمام واحتلال مواقع ميدانية متقدمة دون تحصينات وقبول الخسائر المتوقعة لحين إتمام إنشاء التحصينات، أو الوصول بكتائب حائط الصواريخ إلى منطقة القناة على وثبات أطلق عليها (أسلوب الزحف البطىء) وهو ما استقر الرأى عليه وفعلًا تم إنشاء مواقع النطاق الأول شرق القاهرة وتم احتلالها دون أى رد فعل من العدو.. وتم تنفيذ هذه الأعمال بنجاح تام فى تناسق كامل وبدقة عالية..


وفى التوقيت المحدد تم الانتهاء من الحائط ومن يومها لم يجرؤ العدو الجوى على الاقتراب من قناة السويس فكانت البداية الحقيقية للفتح والإعداد والتجهيز لخوض حرب التحرير بحرية كاملة وبدون تدخل العدو الجوى.


كلامكم يأخذنا مباشرة إلى حرب أكتوبر والدور الحقيقى لسلاح الدفاع الجوى فى تحطيم أسطورة الذراع الطولى لإسرائيل؟


لو أردنا أن نسرد ونسجل أحداث حرب أكتوبر فسنحتاج لمجلدات، لكن لنعرف دور قوات الدفاع الجوى لابد أن نفهم وضع القوات الجوية الإسرائيلية وما وصلت إليه من كفاءة قتالية عالية وتسليح حديث متطور وقتها، فالتخطيط لتنظيم وتسليح القوات الجوية الإسرائيلية بدأ مبكرا.. حيث قامت إسرائيل بتسليح هذه القوات بأحدث ما وصلت إليه الترسانة الجوية فى ذلك الوقت بشراء طائرات ميراج من فرنسا وتعاقدت مع الولايات المتحدة على شراء الطائرات الفانتوم وسكاى هوك حتى وصل عدد الطائرات قبل عام ١٩٧٣ إلى (٦٠٠) طائرة أنواع مختلفة.. وبالطبع توافر الوقت والإمكانيات للقوات الجوية الإسرائيلية للإعداد والتجهيز عقب حرب عام ٥٦ وتحقيق انتصار زائف فى عام ١٩٦٧ والإمداد بأعداد كبيرة من الطائرات الحديثة خلال حرب الاستنزاف.


هنا كان على قوات الدفاع الجوى التصدى لهذه الطائرات ولم يكن من حل لها سوى حائط الصواريخ الذى بمجرد أن انتهى عام ١٩٧٠ استطاعت كتائب الصواريخ المضادة للطائرات من إسقاط وتدمير أكثر من (١٢) طائرة فانتوم وسكاى هوك وميراج.. مما أجبر إسرائيل على قبول (مبادرة روجررز) لوقف إطلاق النار اعتبارًا من صباح ٨ أغسطس ١٩٧٠.. وبدأ رجال الدفاع الجوى فى الإعداد والتجهيز لحرب التحرير واستعادة الأرض والكرامة..


وخلال فترة وقف إطلاق النار نجح الدفاع الجوى فى حرمان العدو الجوى من استطلاع قواتنا غرب القناة بإسقاط طائرة الاستطلاع الإلكترونى (الإستراتوكروزار) فى ١٧ سبتمبر ١٩٧١


ما تقوله يؤكد أن المهمة لم تكن سهلة؟


على الإطلاق كانت بالغة الصعوبة لأن مسرح العمليات لا يقتصر فقط على جبهة قناة السويس بل يشمل أرض مصر كلها بما فيها من أهداف حيوية سياسية واقتصادية وقواعد جوية ومطارات وقواعد بحرية وموانئ استراتيجية.. وفى اليوم الأول للقتال فى السادس من أكتوبر ١٩٧٣ هاجم العدو الإسرائيلى القوات المصرية القائمة بالعبور حتى آخر ضوء بعدد من الطائرات كرد فعل فتصدت لها وحدات الصواريخ والمدفعية المضادة للطائرات ونجحت فى إسقاط أكثر من (٢٥) طائرة بالإضافة إلى إصابة أعداد أخرى وأسر عدد من الطيارين، وأمام هذا الانتصار الساحق لنا اضطر قائد القوات الجوية الإسرائيلية لإصدار أوامره للطيارين بعدم الاقتراب من قناة السويس لمسافة أقل من ١٥ كم.. وفى صباح يوم ٧ أكتوبر ١٩٧٣ قام العدو بتنفيذ هجمات جوية على القواعد الجوية والمطارات المتقدمة وكتائب الرادار ولكنها لم تجن سوى الفشل ومزيد من الخسائر فى الطائرات والطيارين.. وخلال الثلاثة أيام الأولى من الحرب فقد العدو الجوى الإسرائيلى أكثر من ثلث طائراته وأكفأ طياريه الذين كان يتباهى بهم.. وكانت الملحمة الكبرى لقوات الدفاع الجوى خلال حرب أكتوبر مما جعل (موشى ديان) يعلن فى رابع أيام القتال فى تحديده للمشاكل التى تواجه القوات الإسرائيلية (وثمة مشكلة أخرى تواجه طيراننا فهو عاجز عن اختراق شبكة الصواريخ المصرية).


ربما من المصادفات السعيدة أن يقترن عيد قوات الدفاع الجوى بعيد ثورة الشعب فى ٣٠ يونيو وهذا يدفعنا للسؤال عن المواقف الوطنية لقواتنا المسلحة وكيف كانت وما زالت مضرب المثل فى الوقوف على الحياد ومناصرة الشعب وحماية الشرعية الدستورية؟


هذه هى عقيدة القوات المسلحة التى تعتبر نفسها جزءا من الشعب وانتماؤها وولاؤها الأول والأخير للشعب، وإذا تحدثنا عن دور الدفاع الجوى وتحديدا منذ ٢٥ يناير فهو كأحد الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة وطبقًا لمواقع تمركز وحداته الإدارية والمقاتلة ينتشر فى جميع ربوع الدولة وتعمل مراكز القيادة به بصورة متواصلة لمدة ٢٤ ساعة وطبيعة عمله تقتضى تواجد أطقم القتال فى الخدمة بصفة مستمرة سلمًا وحربًا..


لذلك فقد وقع عليه عبء متابعة الأحداث الجارية بصفة مستمرة ليلًا ونهارًا وكان له دور عظيم فى متابعة الأحداث وتلقى كافة البلاغات عن جميع المواقف والاشتراك فى القبض على بعض المجرمين الهاربين من السجون والمتسللين والمخربين.. كما ساهمت قوات الدفاع الجوى فى تأمين جميع مراحل العمليات الانتخابية منذ ٢٥ يناير حتى الآن. بالإضافة إلى حماية الأهداف الحيوية والاشتراك فى تأمين منشآت الدولة ومرافقها طبقًا للإمكانيات المتيسرة والسلطات المخولة بالإضافة إلى دور أفراد عناصر المراقبة الجوية بالنظر المنتشرين على حدود مصر المختلفة فى الإبلاغ عن أى عناصر تتسلل لحدود مصر البرية والبحرية والجوية فى منظومة متكاملة مع عناصر قوات حرس الحدود.


كما تقوم قوات الدفاع الجوى بتأمين أعمال قتال القوات الجوية أثناء تنفيذ المهام المكلفة بها فى مكافحة الإرهاب فى سيناء.


تهتم القوات المسلحة بالتعاون العسكرى الذى يعتبر إحدى الركائز الهامة للتطوير مع العديد من الدول العربية والأجنبية.. كيف يتم تنفيذ ذلك فى قوات الدفاع الجوى؟


نحن حريصون على التواصل مع التكنولوجيا الحديثة واستخداماتها فى المجال العسكرى من خلال تنويع مصادر السلاح وتطوير المعدات والأسلحة بالاستفادة من التعاون العسكرى بمجالاته المختلفة وفى هذا الإطار يتم تنظيم التعاون العسكرى من خلال مسارين:


الأول التعاون فى تطوير وتحديث الأسلحة والمعدات بما يحقق تنمية القدرات القتالية للقوات وإجراء أعمال التطوير والتحديث الذى تتطلبه منظومة الدفاع الجوى المصرى وهنا لابد أن نؤكد على أننا نعتبر منظومة تسليح قوات الدفاع الجوى ثروة قومية لأنها تتكلف مبالغ ضخمة من أجل أن تظل قواتنا جاهزة وقادرة على حماية الأمن القومى المصرى ولهذا نحافظ عليها بكل السبل ونفعل كل ما امكننا لإطالة عمرها الافتراضى لنحقق أعلى استفادة منها.


المسار الثانى التعاون فى تنفيذ التدريبات المشتركة مع الدول العربية الشقيقة والصديقة لاكتساب الخبرات والتعرف على أحدث أساليب التخطيط وإدارة العمليات فى هذه الدول.


التطور الهائل فى تكنولوجيا التسليح الذى يشهده العالم الآن يتطلب مقاتلا مؤهلا على أعلى مستوى، كيف نحقق هذا فى الدفاع الجوى؟


أولا لابد أن تعلم أن كلية الدفاع الجوى من أحدث المعاهد العسكرية على مستوى الشرق الأوسط ولا يقتصر دورها على تخريج ضباط الدفاع الجوى المصريين فقط بل يمتد هذا الدور ليشمل تأهيل طلبة من الدول العربية والإفريقية الصديقة.


ولأن قوات الدفاع الجوى تتعامل دائمًا مع أسلحة ومعدات ذات تقنية عالية وأسعار باهظة فإننا نعمل على تطوير الكلية فى كل الاتجاهات سواء تطوير العملية التدريبة بالمراجعة المستمرة للمناهج الدراسية بالكلية وتطويعها طبقًا لاحتياجات ومطالب وحدات الدفاع الجوى والخبرات المكتسبة من الأعوام السابقة بالإضافة إلى انتقاء هيئة التدريس من أكفأ الضباط والأساتذة المدنيين، أو تزويد الكلية بأحدث ما وصل إليه العلم فى مجال التدريب العملى، مثل محاكيات للتدريب على تنفيذ الاشتباكات بالأهداف الجوية وتنفيذ معسكرات تدريب مركز لطلاب السنة النهائية للمشاركة فى الرمايات الميدانية لأسلحة الدفاع الجوى بمركز رماية الدفاع الجوى. والذى يعد أكبر مركز رماية على المستوى الإقليمى لأنه فعلا لا توجد مراكز مشابهة فى دول منطقة الشرق الأوسط فهو مجهز بمنشآت حديثة ومزود بأحدث أنظمة أهداف الرماية.. وتقييم وتحليل وتسجيل نتائج الرمى.


بالمناسبة لدينا الآن الميسترال بنظام الدفاع الجوى الخاص بها، وهناك اللنش المولينا الذى يحتاج أيضا لنظام دفاع جوى.. هل رجال الدفاع الجوى مدربون على هذه القطع الحديثة؟


أولا كل القطع البحرية لها وسائل الدفاع الجوى الخاصة بها والتى تؤمنها أثناء الإبحار ولها أيضا وسائل الانذار والمراقبة الخاصة بها ونحن كأسلحة وأفرع للقوات المسلحة نتعاون وننسق من أجل افضل استخدام لهذه الامكانيات، أما رجال الدفاع الجوى فهناك تدريب كامل لهم ليتناسب مع أى تطور وأى اسلحة جديدة تدخل الخدمة ولا نبخل عليهم بأى امكانيات ونوفدهم فى بعثات ودورات للخارج من أجل اكسابهم الخبرة، فكما قلت لك المعدة وحدها مهما كانت متقدمة لن تحقق النصر وانما يبقى العنصر البشرى والفرد المقاتل هو الأهم.


تظل كلمة السر فى قواتنا المسلحة والتى تجعلها مختلفة عن كل جيوش العالم هى العلاقة بين القيادة والجنود والمرءوسين كيف يتم تحقيق ذلك بقوات الدفاع الجوى؟


القيادة العامة للقوات المسلحة تهتم دائمًا بأبنائها من خلال عقد اللقاءات الدورية للقادة على كافة المستويات، ويحرص جميع القادة بقوات الدفاع الجوى على تنفيذ اللقاءات الدورية بدءًا من مستوى قائد القوات حتى مستوى قائد الفصيلة ويختلف معدل تنفيذ اللقاءات من مستوى إلى آخر حيث يتم لقاء قائد الفصيلة وقائد السرية يوميًا وقائد الكتيبة أسبوعيًا وقائد اللواء مرتين شهريًا هذا بخلاف لقاءات القادة مع مرءوسيهم فى المناسبات القومية والدينية وعقب تنفيذ الالتزامات التدريبية الرئيسية.


أما عن اللقاءات بالضباط والصف والجنود فإنها مستمرة دائمًا دون انقطاع وفى مناسبات متعددة, منها الذى يتم بقيادة القوات شهريًا مع القادة والضباط بجميع مستوياتهم القيادية بغرض شرح أبعاد الموقف السياسى العسكرى وتوعية الضباط بالموضوعات الهامة من خلال محاضرات للرؤساء المتخصصين.


وهناك لقاءات تتم بقيادات التشكيلات لأكبر عدد ممكن من ضباط وصف وجنود التشكيل للاستماع إلى المشاكل والمصاعب واتخاذ القرارات لحلها كما أحرص أثناء مرورى على الوحدات والوحدات الفرعية حتى مستوى نقطة المراقبة الجوية بالنظر على تنفيذ لقاءات مع الضباط والصف والجنود لتوعيتهم والتعرف على مصاعب العمل وتذليلها والاستماع إلى المشاكل الشخصية وحلها فورًا.


أنا شخصيا أعتبر أسعد لحظات عملى ومهام وظيفتى التى أقضيها بين الضباط والصف والجنود سواء بالقيادة أو مواقع القتال، لأنها تعطى المؤشر الحقيقى والواقعى لأداء القوات.


 



آخر الأخبار