أحمد أبو الغيط يدشن عمله كـ«ثامن» أمين عام للجامعة.. وشبح التقسيم يخيم على أمتنا العربية

29/06/2016 - 11:42:57

تحليل تكتبه: نجوان عبد اللطيف

فى الطابق الثانى من مبنى جامعة الدول العربية المطل على نيل القاهرة، يبدأ وزير الخارجية السابق أحمد أبو الغيط ممارسة مهام عمله، كثامن أمين عام للجامعة على مدى تاريخها، فى الأول من يوليو الحالى ولخمس سنوات قادمة خلفًا للدكتور نبيل العربى، الذى آثر الرحيل ورفض التجديد لولاية ثانية، يأتى أبو الغيط وسط أجواء بالغة الصعوبة فى العالم العربى فى فترة هى من أحلك فترات التاريخ، يتعرض فيها لما أطلق عليها الفوضى الخلاقة، ولحروب أهلية ومنازعات طائفية، نتيجة لمؤامرات خارجية تستهدف تقسيم المقسم وشرذمة المشرذم، والأيادى الأجنبية تعبث فى الداخل العربى بكل الأشكال بفرض السياسات وباستخدام القوات العسكرية وبدعم الميليشيات هنا وهناك، وباستخدام المعونات الاقتصادية.


يأتى الوزير أبو الغيط إلى الجامعة التى نشأت منذ أكثر من ٧٠ عاما من أجل توحيد العرب فإذا بالنزاعات العربية تطيح بالحلم العربى الذى تغنينا به كثيرًا، وتجعل من الجامعة مجرد مبنى فى ميدان التحرير، (لا تهش ولا تنش) طبقا لهذا المثل الشعبى، العراق يسير بخطى حثيثة نحو التقسيم والكلمة العليا فيه لإيران من ناحية ولأمريكا من ناحية أخرى، أما سوريا فالأيادى العابثة فيها دوليا من أمريكا ومن ورائها الغرب إلى روسيا وإقليميا من إيران إلى تركيا وعربيًا حدث ولاحرج.


واليمن يئن من جراء عاصفة الحزم بقيادة السعودية، وليبيا تتقاسمها الميليشيات التى من كثرتها أصبح من العسير معرفة من يتبع من، يعمل من أجله، ومصر تمر بازمة اقتصادية طاحنة تهدد أمنها وسلامتها من بين أسبابها عمليات إرهابية يصعب من تعقيداتها أن التسليم بأنها ليست من تدبير أجهزة استخبارات قوية، ولبنان بلد بدون رئيس، والتفجيرات المتفرقة تزيد أوضاعه قلقًا وتوترًا، حتى تونس التى استطاعت أن تصحح من خطواتها وتسير إلى الديمقراطية بخطى حثيثة لم تسلم من أذى الإرهاب، من جماعاته المتعددة وعلى رأسها داعش التى استطاعت احتلال أجزاء من العراق وسوريا وليبيا لتهدد وجود وبقاء هذه الدول، ولتكون المنطقة العربية هى المقر والمستقر للتنظيم الذى يضرب سلام العالم كله.


كل هذا يحدث فى المنطقة والجامعة العربية مؤسسة شاخت فى موقعها، لم تستطع منع انهيار أى بلد فيها، ولا أن تحمى أمتنا من المؤامرات التى تحاك ضدها، أمام أبو الغيط تحديات جسام فى منطقة ربما تشهد التقسيم الفعلى على الأرض فى عهده، وبدايات تحويل الصراع فيها إلى صراع طائفى بين السنة والشيعة.


بدايات أبو الغيط فى الجامعة تأتى وسط مناخ غير مريح.. نبيل العربى الأمين السابق رفض البقاء أو التجديد، لأنه وهو السياسى المخضرم، والمفاوض العتيد فى مفاوضات طابا والقانونى البارع (أحد قضاة محكمة العدل الدولية) لم يستطع أن ينجز شيئًا على الارض، فى أى من الأزمات العربية، وكان قد تولى قيادة الجامعة فى يوليو ٢٠١١ عام ثورات الربيع العربى التى كانت تبشر بالأمل فى عالم عربى جديد يخطو نحو الديمقراطية والعدل، إلا أن المتآمرين من الداخل والخارج أجهضوها، العربى حاول أن يلعب دورًا فى الأزمة السورية وسافر إلى دمشق فى ٢٠١٢ والتقى الرئيس بشار الأسد، وعين ممثلا للجامعة فى سوريا، ولكنه فشل، وتم إحالة الأزمة للأمم المتحدة وازدادت الأمور تعقيدا إلى حد أن أصدر مجلس الجامعة قرارًا بجعل كرسى سوريا شاغرًا بتجميد عضويتها، وهو القرار الذى قوبل بانتقاد كبير.


ولم تقدم الجامعة شيئًا يذكر على مستوى أى من مشاكلها المتفجرة. فضلًا عن استجابتها للضغوط السعودية وإصدار مجلسها الوزارى قرارًا باعتبار حزب الله اللبنانى جماعة إرهابية بعد توتر الأجواء بين السعودية وإيران على إثر إصدار السعودية أحكام إعدام ضد ٤١ من المعارضين من بينهم قيادات شيعية، وتعرض سفارتها وقنصليتها فى إيران للاعتداء من قبل إيرانيين.


ومن ثم كان شغل د. العربى لمنصب الأمين العام للجامعة خصمًا من تاريخ الرجل وليس إضافة له.


ينتظر أحمد أبو الغيط فى بداية فترة توليه المسئولية فى الجامعة، قمة عربية مؤجلة ستعقد فى موريتانيا فى ٢٥و٢٦ من يوليو الجارى، وهى قمة من الصعب أن يكتب لها النجاح وسط الأنواء والأعاصير التى تجتاح الأمة، فضلًا عن أن هذه القمة كان من المفترض أن تعقد فى المغرب فى مارس الماضى، إلا أن الملك محمد السادس قرر تأجيلها وأبلغ الأمين العام السابق من خلال وزير خارجيته أن التأجيل بسبب عدم توفر الظروف الموضوعية لإنجاحها، وقال فى بيان رسمى إن المغرب لا تريد أن تتحول القمة إلى مجرد مناسبة لإلقاء الخطب. القمة العربية لا يمكن أن تشكل غاية فى حد ذاتها أو أن تتحول إلى مجرد اجتماع مناسباتى، ثم جاء عرض موريتانيا التى تلى المغرب أبجديًا استضافة القمة ليحل الأزمة.


من التحديات التى تواجه الأمين العام الجديد كيفية التعامل مع قطر والسودان اللذين رفضا ترشحه، وطالبا بتدوير منصب الأمين العام وألا يكون حكرًا على مصر وحاولا جاهدين تأجيل اتخاذ قرار اختياره شهرًا للتفاوض، إلا أنهما فشلا بسبب تمسك مصر بمرشحها وبضرورة اتخاذ القرار دون تأجيل، وبسبب مساندة السعودية والإمارات والبحرين والجزائر.


وتشير مصادر قريبة من أروقة الدبلوماسية إلى أن موقف السودان من أبو الغيط بسبب رد الفعل المبالغ فيه من قبل مصر تجاه أحداث مباراة مصر والجزائر التى جرت فى الخرطوم، إبان شغله منصب وزير الخارجية ولكن من المتوقع أن يقوم أبو الغيط بدبلوماسيته الناعمة باحتواء الأزمة.


لكن المعضلة فى علاقته مع قطر التى يبدو أنها توترت على ضوء الكتاب الذى أصدره منذ عامين (شهادتى) عن فترة توليه وزارة الخارجية فى ظل حكم حسنى مبارك ٢٠٠٤، وقال فيه أن مبارك قال عن أمير قطر السابق انه رجل طيب ولكن وزير خارجيته (يقصد حمد بن جاسم) له أجندة خاصة عربيا وإقليميا، ودوليًا، وقال أبو الغيط فى برنامج تليفزيونى «رحلة إلى الذاكرة» أن قطر حاولت أثناء الاعتداء على غزة أن تتصرف منفردة بالدعوة لقمة عربية فى الدوحة لتكون على بؤرة العمل العربى، المسألة من تمثل؟ مصر تمثل ٩٠ مليون مواطن ثقافة وحضارة نجيب محفوظ.. أم كلثوم.. أحمد زويل لا يمكن لدولة بحجم قطر وإمكانياتها أن تنافس مصر، يكمل أبو الغيط: أحيانًا كنت أتصور أن لديها إرادة مستقلة، ولكن ثبت بما لا يقبل الجدل أنه لا يستطيع مهاجمة هذا الطرف أو ذاك إلا بإرادة أمريكية .


من ثم تكون مهمة تصفية الأجواء بين قطر والأمين العام مهمة صعبة خاصة مع تدهور العلاقات بين مصر وقطر.


ويعتبر التحدى المالى أيضًا مما سيواجه الأمين الجديد حيث تعانى الجامعة منذ سنوات من تدهور أوضاعها المالية، لعدم وفاء العديد من الدول بدفع حصصها فى ميزانيتها، وهو الأمر الذى يؤثر بالضرورة على كفاءة العمل الإدارى فى الأمانة العامة.


ولكن من المتوقع أن الأمين العام أحمد أبو الغيط المعروف بأنه ينتمى إلى مدرسة الدبلوماسية الهادئة، وأنه يتميز بدماثة الخلق وطيب المعاملة، أن يحتوى المشاكل الإدارية، وبخبرته الطويلة فى الأمم المتحدة أن يعد تنظيم وهيكلة الأمانة العامة لتكون أكثر حداثة وقدرة على التعامل مع معطيات العصر.


أما على الصعيد السياسى فيصبح التساؤل: هل من الممكن أن تتحول أحلام كالسوق العربية المشتركة والقوات العربية المشتركة ومحكمة العدل العربية إلى واقع على الأرض؟ هل من الممكن أن تتحول نتائج القمة العربية من مجرد بيانات ورقية إلى عمل عربى حقيقى؟ .. أشك.