مصر وإدارة العلاقات الإفريقية

29/06/2016 - 11:39:18

  سحر نصر وزيرة التعاون الدولى توقع على اتفاقيات تعاون مع إحدى دول إفريقيا سحر نصر وزيرة التعاون الدولى توقع على اتفاقيات تعاون مع إحدى دول إفريقيا

أ.د السيد فليفل أستاذ بمعهد البحوث الأفريقية عضو مجلس النواب

تتسم القارة الإفريقية بسمات عامة تجمع بين دولها على رأسها الخبرة المريرة مع الاستعمار والعنصرية والاستغلال الأوربى وذكريات الحرب الباردة، التى دارت على أراضيها، وفى نفس الوقت تمتلئ شعوبها بأمل فى الاتحاد وبناء سوق إفريقية مشتركة ومجابهة التحديات العصيبة، التى تواجهها القارة والتى يمكن ذكر بعضها فيما يلي:


• تحدى الأمن والاستقرار ومجابهة الإرهاب الذى ترعاه بعض الجهات الدولية وتنسق له كى يكون نافذة لتدخلها بعرض المساعدة لمحاولة استمرارية وجودها على أرض القارة، وهو ما ترتب عليه انتشار عشرات القواعد الأجنبية على أرض القارة بشكل غير مكثف من خلال بروتوكولات دفاعية.


• تحدى الإرهاب والذى يتمثل فى الحركات المتطرفة سواء فى المغرب الإسلامى أو فى مصر أو فى ليبيا أو بوكو حرام فى نيجيريا أو الشباب المجاهد فى الصومال فضلا عن جيش الرب (ذى التوجه الدينى المسيحى) فى أوغندا.


• تحدى الديمقراطية والذى تعانى القارة منه معاناة متكررة بسبب رغبة الرؤساء فى كسر الدستور والبقاء أكثر من المدة المحددة طبقا له ثمالانقلابات العسكرية التى تجد لها مبررا من وجود هؤلاء الحكام فضلا عن مشكلة تمثيل الجماعات العرقية فى الإطار السياسى بحيث تعبر عن نفسها من خلال أحزاب وليس من خلال ميليشيات عسكرية.


• تحدى بناء الاتحاد الإفريقى ومؤسساته وبصفة خاصة لمجابهة برامج تمويل الاتحاد وتفعيل البرلمان الإفريقى وتنفيذ مخطط التنمية الإفريقية فى خمسين عاما (٢٠١٣-٢٠٦٣).


• تحدى العولمة وتأكيد الهوية الثقافية للقارة، وذلك بعد المجابهة الكبيرة التى جرت على أرض القارة بين هوية القارة الإفريقية من ناحية ومحاولات لافرنسة المستمرة من ناحية ثانية، والعولمة الأمريكية، التى تسعى من خلالها الولايات المتحدة لفرض ذاتها على الدول الإفريقية.


• التحدى الاقتصادى المتمثل فى بناء اقتصاديات إفريقية متكاملة عبر التجمعات الإقليمية وصولا إلى سوق إفريقية مشتركة.


وعند بحث إقامة العلاقة مع دول القارة علينا أن نتأكد من موقف كل دولة منها من هذه التحديات، وما هو الخيط الجامع الذى يربط الدول الإفريقية إلى بعضها البعض ومدى التزامها بالاتحاد الإفريقى كإطار قارى جامع من عدمه، ومدى القدرة على التجاوب مع متطلبات الاتحاد الإفريقى من النواحى المادية.


بيد أن إدارة علاقات أى دولة بالاتحاد الإفريقية تقتضى النظر بدقة إلى طبيعة العلاقات المتنوعة، التى يفترض أن تمثلها دول القارة الإفريقية مع هذه الدولة، فليست هذه الدول على وتيرة واحدة من التوين الداخلى سواء اقتصاديا أو سياسيا أو اجتماعيا، كما أن هذه الدول ليست على وتيرة واحدة فى ارتباطاتها الخارجية وبصفة خاصة الموقف الراهن بين الاتحاد الأوربى (ألمانيا وفرنسا) والولايات المتحدة والعملاق الصينى فهنا تصبح على هذه الدول مسئولية الاختيار بين التكتلات الكبرى العاملة فى إفريقيا من ناحية مع ما يترتب على ذلك من ثمن ناتج عن مواقف القطبين الآخرين. ومن ناحية ثانية فإن كل دولة عليها أن تفكمر فى مدى ارتباط تحركها الخارجى بأوضاعها الداخلية.


ولا يقف الأمر عند هذا بل إن إفريقيا بدأت مؤخرا بالنظر خارج الكتلة الرئيسية للقارة إلى الجزر الإفريقية المتناثرة على السواحل من ناحية وأيضا النظر إلى الأفارقة القدامى الذين هاجروا إلى الأمريكيتين وبصفة خاصة إلى أمريكا الوسطى، حيث يعيش مئات الملايين من الأفارقة يرتبطون بالقارة ولا ترتبط بهم، ويتعاطفون معها ولا يعدون من دولها.. رغم أن بعضهم يتحدث الإسبانية والبرتغالية مثل بعض الدول الإفريقية والبعض الآخر يتحدث الإنجليزية أو الفرنسية مثل دول أخرى حتى جرى مؤخرا التأكيد على أن الأدب الإفريقى ليس ذلك الأدب الذى ينتج فى القارة الإفريقية، بل الذى يعبر عن الأفارقة سواء عاشوا فى القارة أو خارجها.


وإزاء هذه الأمور جميعا فإن أية دولة تسعى لإدارة علاقاتها مع الدول ال إفريقية مطالبة بكثير من التريث والتفكير قبل أن تأخذ قرارا أو تطلق مبادرة لا تقدر على تنفيذها أو تسعى لمطالب يتعذر تنفيذها، بل لابد أن تكون دارسة للأوضاع السابقة وأن تجرى تصنيفا للدول التى تتعاون معها يقوم على مستويين: مستوى العمل الجماعى الذى لا تفرقة فيه بين دولة وأخرى لأنه يمس القضايا العامة، ومستوى العمل الثنائى والإقليمى الذى يقتضى فهما للأوضاع فى كل دولة على حدة ولتأثير العلاقة الثنائية على دول الجوار لهذه الدولة التى تتعامل معها وموقفها من أية تحركات فى الإقليم.. ثم يضاف إلى هذا كله توزع اهتمامات الدول الإفريقية بالعلاقة مع هذه الدولة الكبرى أو تلك وما قد يكون هنالك من تأثيرات على تطوير العلاقة الثنائية على مواقف هذه الأطراف الدولية.


وحتى تتضح الصورة يمكن أن نقسم القارة بحسب الأقاليم وفقا لتقسيم الاتحاد الإفريقى وهنا سنلاحظ أن مصر تقع فى إقليم الشمال وتشرب ماءها من إقليم الشرق وتمارس دورها الحضارى والثقافى (الأزهري) فى إقليم الغرب وتتنافس مع إقليم الحنوب فيما يخص طرق التجارة الدولية التى تتوزع بين قناة السويس وطريق رأس الرجاء الصالح، ولذلك كله حساباته على المستويات الدبلوماسية والسياسية والثقافية.


كما يمكن أن ننظر إلى القارة من منطق التجمعات الاقتصادية وهنا سوفف نجد تداخلا كبيرا بين بعض هذه التجمعات والبعض الآخر فبعض الدول الأعضاء فى الكوميسا هى نفسها أعضاء فى تجمع سين صاد وفى اتحاد شرق إفريقيا، وعند هذا لحد لابد من إدارة العلاقة معها على نحو متعاون وانطلاقا من رؤى عدة قبعات فى اتخاذ القرار.. ويمكن أيضا النظر لإدارة العلاقة فى إطار الأدوار الإقليمية البازغة فى القارة سواء إثيوبيا- كينيا- نيجيريا- غانا- السنغال- جنوب إفريقيا- زيمبابوى وهذه مهمة لها علاقة إلى حد كبير بنظرة هذه الدول إلى نفسها باعتبار أن لها جارا فى الإقليم الذى تعيش فيه.


على جانب مغاير يمكن النظر إلى العلاقات فى الإطار الثقافى على أساس توزع العقائد الكبرى فى إفريقيا، وعلى أساس لغوى باعتبار أن هناك انتشارا بلغات مغينة مثل الهوسا والوفلانى فى غرب إفريقيا والسواحيلية فى شرق إفريقيا والعربية فى شمالها.


على أن من أخطر الأمور فى القارة هو ما يتعلق بإدارة العلاقات بين العرب والأفارقة: هل نعنى بالعرب هنا عرب إفريقيا وآسيا معا فى مواجهة دول القارة مع العلم أن عرب إفريقيا هم أفارقة أيضا؟ وهناك أيضا معضلة تمثيل العرب فى مؤتمرات القمة العربية الإفريقية ففى هذه الحالة تختار بعض الدول الإفريقية العربية أن تجلس فى الصف الإفريقى، نظرا لارتباط مصالحها وأمنها القومى بالقارة.. ويدخل فى الأمر أيضا أن رأس القارة المتوسطى مشدود إلى أوربا عبر الاتحاد من أجل المتوسط، بينما أن قاعدتها مشدودة إلى تعاون الجنوب الجنوب برابطة خاصة مع الهند والبرازيل والصين وروسيا وبقية دول البريكس.


على مصر إذن أن تنظر عبر مجموعة من الروابط التى تجمعها بالأشقاء:


• الرابطة الأولى: هى رابطة دول الجوار المباشر فى إفريقيا، ونعنى بها ليبيا والسودان وإريتريا والصومال.. وفيما يتعلق بهذه الرابطة فإن ثلاثة منها ترتبط ارتباطا مباشرا بأمن الحدود البرية والبحرية كما أن فى ثلاثة منها (ليبيا والسودان والصومال مخاطر إرهابية معروفة).


• الرابطة الثانية: دول الجوار النيلى سواء فى حوضه الشرقى (إثيوبيا وإريتريا، السودان، وجنوب السودان)، أو فى حوضه الجنوبى (كينيا، أوغندا، تنزانيا، رواندا، بوروندي، والكونغو).وفى هذه الرابطة يوجد معضلة الاتفاق النيلى المتعثر حول تنمية حوض النيل والوقواع الأساسية الحاكمة له وفى نفس الوقت فيهما معضلة سد النهضة، وما يترتب عليها من آثار متعلقة بالإضرار بمصر مائيا وكهربيا وغيرهما على نحو يقطع بأننا بصدد مواجهة حقيقية مع معضلة تخص وجود الدولة المصرية والشعب المصرى.


• وفيما يخص المنظمات الإقليمية والدور المتصاعد للقوى الإقليمية فإن على مصر أن تركز مع هذه الدول بما يخدم مشاركة حقيقة فى المصالح المشترك وفى نفس الوقت أن تؤدى العلاقة معها إلى التأثير على قطاعى الجوار والنيل، وذلك نظرا لأن مصر لا تملك طاقة العمل مع الدول كافة من ناحية ولا تملك أن تترك مصالحها الوجودية والحياتية نهبا لهذه القوة أو تلك.


• وإذا كنا قد أولينا دول الجوار الحدودى (البرى والبحري) والنيلى (الشرق والجنوبي) أولوية فوق بقية القطاعات فهذه طبيعة المرحلة وهذه ظروف الأوضاع الناجمة عن الإهمال الطويل والناجمة أيضا عن الرغبة فى تجارك الأوضاع قبل انهيارها.


ومن الملاحظ أن السودان بنظامه الحالى يحتاج منا اهتماما أكثر مما نوليه إياه فهو طرف فى العقدتين (عقدة الجوار وعقدة المياه)، وهنا فإن على مصر أن تسعى للوجود فى الساحة السودانية بكافة الوسائل التى يتلقفها الأشقاء فى السودان، وعلينا أن نفهم النظام فى السودان بدءا من رئيسه وحزبه ووزرائه وأيديولوجيته وإدارته وفى نظرته إلى السدان فى إطاره الإقليمى وفى نظرته إلينا وكيف نتعامل معه فى ضوء ذلك. لا نسعى إلى تغييره أو فرض شيء عليه، وفى هذا الصدد لابد أن نشير إلى أننا منذ فترة طويلة لم نظهر فى السودان بأدبائنا وشعرائنا ومطربينا وفنانينيا ومنشدينا وفرقنا الدينية، ولم نظهر فى السودان فى احتفالات أهله بأعياد الاستقلال، ولم نظهر فى السودان على النحو الذى يريده السودانيون. إن إدارة العلاقة مع السودان هى الاختبار الحقيقى لإدارة العلاقة مع القارة ال إفريقية لأن بالسودان جماع المصالح الوطنية المصرية الحدودية والنيلية، وإننا مطالبون بكوادر فاهمة عارفة وبوجود فى التعليم السودانى عن طريق المشاركة والبحوث المشترمة والؤتمرات العلمية وتبادل الأساتذة وتبادل الطلاب والإشراف المشترك على الرسائل، ما رأيكم فى وفد رياضى مصرى يقوده حسن شحاتة ومحمود الخطيب ومحمد أبو تريكة يلعب عدة مباريات مع أندية تحمل اسم الأهلى فى السودان ومعها بعض الأندية الأهلاوية الأخرى فى ليبيا ودول الخليج. إننا بهذا نتحدث فى البعد الحدودى والنيلي، ونحول الرياضة من منافسة تؤدى إلى أزمة إلى لقاء أخوى يفتح الأبواب والآفاق لرابطة لا تنتهي.