الصادق المهدى فى حوار خاص لـ«المصور»: سد النهضة مشكلة حلها سياسى وليس عسكريا

29/06/2016 - 11:34:38

  الصادق المهدى لمدير عام التحرير: قررت اعتزال العمل السياسى   عدسة: إبراهيم بشير الصادق المهدى لمدير عام التحرير: قررت اعتزال العمل السياسى عدسة: إبراهيم بشير

أجرى الحوار: سليمان عبدالعظيم

ألقاب مُتعددة لُقب بها خلال تاريخه السياسى الطويل، معارك كثيرة خاضها فى مشواره السياسى (٥٤ عاما)، لكنه لا يزال يُراهن على دوره فى الحراك السياسى فى السودان وفى القارة السمراء، هو فضيلة الإمام الصادق المهدى الزعيم السودانى الكبير، رئيس الوزراء الأسبق وزعيم حزب الأمة الذى التقته «المصور» فى شقته بمدينة نصر بالقاهرة، البلد المحبب لنفسه كثيرًا كما يقول.


السيد الصادق المهدى لم يتحرج فى الإجابة عن كل الأسئلة التى تهم الشارع السودانى والمصرى والإفريقى والعربي، وظهر كعادته مدافعًا بقوة عن الحق ولا يأبى أى سلطة كانت.


«المهدي» سرد تفاصيل الأزمة فى السودان منذ انفصال الجنوب عنه والخسائر الجسيمة التى تعرضت لها الخرطوم جراء هذا الانفصال، وما تبع ذلك من قيام النظام السوداني، مضطرًا، بطلب الحوار مع جميع القوى السياسية السودانية.


الصادق المهدى قال إن حزب «الأمة» كان من المتحمسين لحوار «الوثبة» لكنه كان يرى أن الحوار ينبغى أن يكون تحت رئاسة مُحايدة وليس تحت رئاسة الحزب الحاكم فى السودان بزعامة عمر البشير.. وكان «الأمة» يرى أن توقيع قوى «نداء السودان» على خارطة الطريق لمستقبل السودان مرهون بإزالة العيب الموجودفى نُقطة واحدة من الخارطة.


«المهدي» وضع حلولًا كثيرة لحل مشكلة أزمة «سد النهضة» الإثيوبي، داعيا إلى وجود نظرة من رجال الدولة فى مصر والسودان وإثيوبيا لحل الأزمة ووقف التراشقات الإعلامية بين جميع الأطراف.


رئيس وزراء السودان الأسبق كشف لأول مرة عن سر خطير وهو أن إيران دربت قيادات سودانية أمنية فى إيران على مدار ١٤ دورة، وأن طهران كانت هى «المُدرب الأمنى» الرئيس للنظام السودانى الحالى.


وعن «حلايب وشلاتين» قال الصادق المهدى إنها لا تُمثل مشكلة الآن لكن النظام السودانى الحالى غير مؤهل لحل المشكلة.. موضوعات كثيرة تعرض لها السياسى المُخضرم والمثقف الاكسفوردى - نسبة لجامعة اكسفورد التى تعلم فيها - نكشف عنها فى الحوار التالى الذى اختتمه بعبارة تُحدد معالم المرحلة المُقبلة فى عُمر هذا الزعيم السودانى العنيد والعتيد، عندما قال: «أريد أن أرفع يدى من العمل السياسي، أريد أن أركز فقط فى مشروعى الفكرى».. وإلى نص الحوار


بادئًا بالشأن السودانى المتأزم بادرت السيد الصادق المهدي: كيف ترى الحراك السياسى الدائر الآن داخل السودان، بعد أن دعا الرئيس عمر البشير جميع قادة المُعارضة فى الداخل والخارج لإجراء حوار وطنى فى ٨ أغسطس المقبل حول مستقبل السودان؟


السودان يعانى من سُلطة ذات مرجعية إخوانية، تسلمت الحكم عن طريق «انقلاب عسكري» واستمرت حتى الآن، لمدة ٢٧ عامًا، وهذه الفترة جرب فيها النظام أن يطبق ما أسماه مشروعا إسلاميا بمرجعية إخوانية لكن بوسائل «فاشستية» عن طريق «الحزب الواحد، والأمن القاهر، والإعلام الكاذب»، وفى هذه الفترة استمتع النظام بدعم خارجى من حركات ذات تطلعات إسلامية ولذا استمر موجودًا فى السلطة، لكنه عندما وجد أن الشعب السودانى غير مُستعد لهذا المشروع الإسلامى، بدأ يتراجع، وأول تراجع للنظام السودانى كان فى إبرام اتفاقية «السلام» مع الحركة الشعبية الجنوبية، وفى هذا التراجع أقام دستورًا فى حقيقة أمره فيه تعديل أساسى للفكرة التى أسماها إسلامية، وهذا المشروع كان من بين أهدافه الأساسية المحافظة على وحدة السودان بما أسماه «الوحدة الجاذبة»، لكن الحقيقة أن اتفاقية السلام التى أبرمها البشير مع جون جرانق كانت اتفاقية كثيرة العيوب، وكانت نتيجة هذه الاتفاقية والاستفتاء الذى انطلق منها، أن انفصل الجنوب بتصويت عالٍ للغاية.. وهذه كانت أول صدمة واجهها النظام فى مشروعه الإسلامى.


وماذا عن صدمته الثانية؟


الصدمة الثانية أنه كان واضحا أن القوى السياسية السودانية لم تقبل «لا المشروع الإخواني» و»لا النظام الديكتاتوري»، ولذلك ظل النظام يواجه مشاكل كثيرة جدًا تمثلت فى إضرابات واعتصامات، وكان يواجهها بأنه هو الأجدر فى مواجهة الحركة الجنوبية، ولكن بعد أن سقط المشروع الإسلامى فى العلاقة مع الجنوب، استمرت هذه المُعارضة السودانية للنظام.. الموضوع الآخر أن النظام تبنى فكرة أسماها «مشروعا حضاريا» لكن ظهرت من معالمها أنها «إسلامية إخوانية» وكانت من نتائجه نشوء مشكلة كبيرة فى دارفور أدت إلى حركات مُسلحة فى دارفور، فصار النظام يواجه قضايا مُهمة جدًا تتمثل فى انفصال الجنوب وهى مسئوليته، وحروب فى دارفور وهى مسئوليته أيضًا، لأن مشاكل دارفور قبل نظام البشير كانت مشاكل محلية، لكن لم يكن فيها رفع السلاح ضد الحكومة المركزية، وثالثًا استمرار الرفض السياسى المدني، ورابعًا عندما نفذت اتفاقية السلام مع الجنوب، كانت هُناك مناطق شمالية مُنتمية لقيادة الحركة السياسية فى الجنوب، فى هذا الجنوب كردفان وفى الجنوب أيضًا النيل الأزرق، وإخفاق النظام فى حل المشكلة بالتزامن مع استفتاء الجنوب، -وكان ينبغى ألا يحدث هذا-، أدى بالتالى إلى حرب فى جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، وصار النظام يواجه مسئوليته عن الانفصال، ويواجه الرفض المدنى السياسي، ويواجه حربا أهلية فى دارفور، ويواجه حربا فى جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، وكان النظام يعتمد كثيرًا خلال الفترة من ٢٠٠٠ إلى ٢٠١١ «وهى فترة انفصال الجنوب» على بترول الجنوب الذى كان يوفر للنظام فى المتوسط خلال هذه العشر سنوات حوالى ٦ مليارات دولار سنويًا، لكن هذه المبالغ انقطعت بعد انفصال الجنوب، فصار النظام يواجه كل هذه المشاكل، وواحدة من مواجهة هذه المشاكل، كان تفكير النظام فى الحوار مع القوى السياسية، لأن هذه الصدمات كُلها حاصرت النظام بمشاكل لا قبل له بها أثناء حكمه.


النظام السودانى خلال هذه الفترة ارتكب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، وجرائم تعدٍ على حقوق الإنسان، مما دفع مجلس الأمن إلى إصدار «٦٣ قرارًا» ضده بموجب الفصل السابع، ومن أهمها القرار رقم ١٥٩٣ الذى بموجبه أخذت قيادة البلاد إلى المحاكمة الجنائية الدولية، وكان واحدًا من وسائل الخروج من الأزمة أن طرح رئيس النظام فى عام ٢٠١٤ ما أسماه حوار «الوثبة».


حوار ماذا؟


حوار الوثبة (أى وضع جديد)، هذا الحوار بدأه النظام وكنا نحن من المتحمسين له، ولكن حدث أمران قطعا صلتنا بهذا الحوار، الأمر الأول أن حزب «الأمة» كان يرى أن الحوار ينبغى أن يكون تحت رئاسة مُحايدة، وليس تحت رئاسة الحزب الحاكم، وثانيًا نشأت مشكلة حول الحريات، لأن الذين عبروا عن استنكارهم لطُرق إدارة الحرب الأهلية فى السودان وطالبوا بمراعاة حقوق الإنسان تم «اعتقالهم» ومنهم أنا.. هذا أدى إلى أننا نقول «نحن مع الحوار» لكن للحوار استحقاقات»، وأهم هذه الاستحقاقات أن عملية الحوار تكون برئاسة مُحايدة وفى ظل توافر الحريات العامة، وتزامنًا مع هذا الموقف كانت هُناك جبهة تسمى «الجبهة الثورية» وهى تُمثل القوى المُقاتلة فى جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، وكانوا يدعون إلى أمرين مُهمين هما إسقاط النظام بالقوة، وتقرير المصير فى هذه المناطق أسوة بما حدث فى الجنوب، وقام حزب «الأمة» بفتح حوار معهم.


وماذا تم فى هذا الحوار؟


أدى إلى اتفاق معهم على التخلى عن هذين المطلبين، نعم نعمل على إقامة نظام جديد، لكن هذا النظام الجديد يكون بوسائل خالية من العنف، ثانيًا لا لتقرير المصير.. لكن نعم لسودان فيه إدارة للتنوع تشمل الجميع وهو ما أسميناه «السودان العريض»، وهذا التكوين سُمى «إعلان باريس» الذى صدر فى أغسطس ٢٠١٤، وتطور هذا الأمر إلى أن هناك قوى سياسية أخرى غير حزب «الأمة» صارت تتطلع للتعاون مع هذا الإعلان، وهذه القوى كانت انطلاقة لما يسمى «قوى الإجماع الوطني» هى مجموعة أحزاب سياسية فى الداخل السوداني.


وهل كان من بينها»حزب الأمة»؟


لا، «حزب الأمة» كان فى «إعلان باريس»، وهؤلاء كانوا يمثلون قوى الإجماع من أحزاب سياسية مُختلفة، وفى ديسمبر ٢٠١٤ شكلت «جماعة إعلان باريس» و»جماعة الإجماع الوطني»، «قوى نداء السودان».


وبرئاسة من قوى «نداء السودان»؟


بدون رئاسة، وإلى الآن لم يتم تشكيل هيكلها، و»نداء السودان» أعلن موقفه ودعا إلى ميثاق وطنى يُحدد معالم النظام الجديد، وقرر أن يكون السبيل لهذا النظام الجديد انتفاضة خالية من العنف، مثلما حدث فى أكتوبر بالسودان عام ١٩٦٤ وأبريل عام ١٩٨٥ من القرن الماضي، أو حوار باستحقاقاته.


لكن النظام السودانى استمر فى حوار ناقص مع قوى أخرى فى الداخل قبلت الاستمرار فى حوار «الوثبة» واستمر هذا الحوار الداخلى منذ إعلان «الوثبة» الذى تجدد فى العاشر من أكتوبر ٢٠١٥.


وما زالت قوى «نداء السودان» تقاطع هذا الحوار إلى الآن، ولكن هُناك أحزابًا كثيرة أخرى مُستمرة مع النظام فى الحوار، ومع أن هذا الحوار كان فى «حضن النظام» وبرعايته إلا أن التوصيات التى خرج بها تُطالب «بنظام جديد»، بصورة غير التى نادى بها «نداء السودان»، الذى نادى بـ»حكم انتقالى برئيس وزراء ذى صلاحيات تنفيذية، وسلام شامل، وكفالة الحريات العامة».


طالبوا برئيس وزراء.. وأين رئيس الدولة إذن؟


طالبوا بـأن تحدث تسوية، ورئيس الدولة يمنح صلاحيات لرئيس الوزراء.. المهم هم بمنطقهم استطاعوا أن يسطروا هذه التوصيات، بما يُمكن أن نسميها توصيات الحل الداخلى برئاسة المؤتمر الوطنى للحزب الحاكم، وفى هذه الأثناء قوى «نداء السودان» استمرت فى عدم الدخول فى أى حوار مع النظام ما لم تتوافر استحقاقات مُعينة، وكان المهم فى هذا الموقف الذى اتخذته قوى «نداء السودان» أن يستمر فى هذه الأثناء فى التعبئة للانتفاضة، دون الدخول فى أى حوار مع النظام.


وهل تقصد انتفاضة سلمية؟


نعم، وكان من نتائج هذا أن «نداء السودان» نظم حملة قوية فى انتخابات الرئاسة والبرلمان عام ٢٠١٥ لمُقاطعتها، وكان واضحًا أن «المُقاطعة ناجحة» وأن النظام استمر فى مُمارسة هذه الانتخابات هذه بأقلية كبيرة ظاهرة، وهذه المسألة شهدت عليها جهات مُحايدة ودولية، وسار الموقف هكذا لنصل لآخر حلقة فى هذا الموضوع، عندما كون الاتحاد الإفريقى آلية تسمى «بالآلية الرفيعة للحوار السوداني»، وأصدر مجلس «السلم والأمن الإفريقي» قراراين رقمى ٤٥٦ و٥٣٩، وهذان القراران يتبنيان ضرورة أن يدعم الاتحاد الإفريقى الحوار السوداني، ورئيس الآلية الرفيعة للاتحاد الإفريقى ورئيس اللجنة العليا للاتحاد الإفريقى لدعم الحوار الوطنى السودانى هو «ثابو امبيكي» ومعه آخرون، وهذه الآلية ظلت تحاول أن ترعى حوارًا بين السودانيين.. أى بين الحكومة وحزبها والمُعارضة المُتمثلة فى جماعة «إعلان باريس» وجماعة «نداء السودان».


وماذا جرى بعد ذلك؟


فى مارس الماضى دعا امبيكى ومعه مُمثل الحكومة والحزب الحاكم، وفدًا يُمثل ما يُمكن أن نُسميه «جماعة إعلان باريس» الجبهة أو القوى الثورية وحزب الأمة، لاجتماع أسماه بـ»الحوار الاستراتيجي».


وأين عُقد هذا الحوار الاستراتيجي؟


عُقد فى أديس أبابا، والنظام وامبيكي، بعد أن اجتمعوا مع الوفدين، القوى الثورية وحزب الأمة من جانب والحكومة والحزب الحاكم من جانب آخر، قدموا لنا «خارطة طريق» لنوقع عليها جميعًا لتكون أساسًا للحوار فى ١٢ مارس ٢٠١٦ وهذه الخارطة من ٧ نقاط.


الـ٧ نقاط كانت ٦ منها مقبولة لنا والحكومة وقعت على الخارطة بالسبع نقاط، نحن قبلنا ٦ نقاط وتحفظنا على نقطة واحدة، وقلنا إنها تحتاج إلى إضافة، لذلك لم نوقع على الخارطة.. وكان امبيكى قد قدم لى الدعوة كرئيس لحزب الأمة وليس ممثلا لـ»نداء السودان» لبحث إمكانية إيجاد مخرج للموضوع، وسافرت إلى جنوب إفريقيا واتفقت معه أن يحاول مع زملائه الاستجابة لمطالبنا حتى نتفق على ما يصلح لخارطة الطريق لتكون أساسا للمستقبل، وامبيكى صار منتظرا منا خطابا حتى يبنى موقفه على هذا الخطاب، لأننى قلت له: هذه النقاط التى دارت بيننا نريد أن نعززها نحن جميعًا حلفاء «حزب الأمة»، قوى «نداء السودان» و»إعلان باريس»، وفى هذه الأثناء وجهت لنا «الترويكا» وهى قوة من الولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج دعوة لمقابلتهم فى أديس أبابا فى ١٦ يونيه، وبالفعل ذهبنا والتقينا وكان همهم أن نوقع نحن على «خارطة الطريق» لنفتح المجال للآلية الإفريقية أن تدعو الطرفين إلى الحوار المطلوب، ولكننا قلنا: نحن ننظر لخارطة الطريق بإيجابية، لكن هناك نقاطا مهمة لابد أن تُضاف، ونتيجة لهذا كتبنا مُذكرة تفاهم بيننا وأرسلناها لامبيكى حتى إذا وافق عليها نوقع نحن على الخارطة ونفتح المجال له ليدعو الطرفين، امبيكى رئيس الآلية الإفريقية عندما جاءه هذا الخطاب الذى يحوى مذكرة التفاهم حول المذكرة إلى الحكومة السودانية لترى رأيها، وهذا هو الموقف حتى الآن، فضلا ًعن أن عددا كبيرا من الشخصيات الوطنية غير الحزبية كتبوا مذكرة وطالبوا أيضًا بنظام جديد.


فالنظام السودانى أمامه الآن مطالب بنظام جديد بسلطة ما، وهناك توصيات للحوار الداخلى تُطالب بنظام جديد من شخصيات وطنية كثيرة وعددهم ٥٢ شخصية يمثلون تيارات اليمين واليسار وغيرها، فضلًا عن منبر الحوار الإفريقى برئاسة امبيكى الذى يُعد مُعطلًا الآن لحين الاتفاق على «خارطة طريق»، فإذا استطاع امبيكى أن يزيل العقبة فى توقيعنا للاتفاق على «خارطة الطريق» سوف نوقع عليها، وبناء على ذلك وبحسب علمى سيدعو امبيكى للقاء بيننا نحن كممثلين لـ»نداء السودان»، والحكومة والحزب الحاكم كطرف آخر، فضلًا عن طرف ثالث وهى الأحزاب التى شاركت الحكومة فى الحوار الداخلي، وذلك للحوار حول المستقبل الوطني.


تأذن لى أن أسألك.. الشباب السودانى أين هم ومع من؟


الشباب السودانى فى الغالب مع «نداء السودان» لأن هُناك أحزابا بها تجمعات شبابية كبيرة جدًا، فمثلا لدينا فى حزب «الأمة» تكوين شبابى كبير، وبعض الشباب منخرط فى الأحزاب السياسية السودانية، لكن هُناك تنظيمات شبابية جديدة أطلقت على نفسها «شباب من السودان أولًا»، و«شباب من أجل التغيير».


تقصد تجربة نميرى والبشير؟


هى ثلاث تجارب، وأنا ألفت كتابًا عام ١٩٨٩ بعنوان «الديمقراطية فى السودان راجحة وعائدة»، وحقيقة الأمر أن «ذهنية أننا نُريد نظامًا غير حزبى يُحقق أهدافا وطنية»، هذا التطلع هو الذى كان وراء نظام إبراهيم عبود، ونظام نميري، ونظام البشير، وفى كل هذه الحالات استطاعوا أن ينجحوا فى الاستيلاء على ٨٥٪ من عمر السودان منذ استقلاله، لكن ما حدث للسودان حتى الآن من إخفاقات كبيرة تنسب تمامًا لهذه العهود الثلاثة، وهذه العهود الثلاثة قامت على أساس «لا حزبية»، وتمكين التكنوقراط، وتمكين مثقفين غير حزبيين، فتجربة الإخفاق السودانى الآن تُنسب لهم، وهى التى وصلت بالسودان إلى «الحضيض» الذى هو فيه الآن.


هناك من يقولون إن فى السودان تنمية وتقدما فى الناحية الاقتصادية، وأن هذا النجاح يُحسب للبشير، ما قولك؟


ما فى شيء فى السودان مما يقولونه، فالسودان يُعانى من انهيار اقتصادي، نعم، انهيار اقتصادى.


والاستثمارات الكثيرة التى نسمع كل يوم أنها تذهب للسودان؟


أين هذه الاستثمارات؟، أنا خرجت من السودان فى عام ٢٠١٤ وكان الدولار بـ٨ جنيهات، واليوم بعد عام ونصف العام الدولار أصبح بـ ١٤ جنيها سودانيا، وهذا يؤكد مدى الانهيار الذى حدث فى اقتصاد السودان، فالوضع الاقتصادى فى السودان مُخيف، وأعداد لا حصر لها من السودانيين قدموا لمصر، والبطالة كبيرة والفقر أكبر، فمثلًا كان يوجد فى السودان من قبل رعاية اجتماعية وتعليم وصحة مجاني، وكانت المواد الاستهلاكية مدعومة، لكن كل هذا توقف نهائيا، نتيجة لأن النظام «رفع يده» فصارت حالة الفقر عالية جدًا، والبطالة لدينا أصبحت مليون خريج عاطل، الحقيقة أن الوضع الاقتصادى مأزوم، وكان صحيحًا أن النظام أفلح فى أن يحصد مالا من البترول، لكن هذا المال بُدد!.


وأين ذهبت أموال البترول؟


بددها النظام فى الصرف السياسي، عن طريق شراء الشرعية السياسية لأنه ليس له شرعية، وفى الصرف الإدارى على أجهزة الوحدات الإدارية العديدة للدولة وذلك بهدف السيطرة عليها، فارتفع خلال العشر سنوات الإنفاق على هذه الوحدات الإدارية ١٨١ مرة، وتضاعف الصرف على الأجهزة الأمنية ١٠ مرات خلال العشر سنوات الأخيرة أيضا، فالوضع الاقتصادى السيئ فى السودان جعل النظام يلجأ إلى دول الخليج، والسبب الذى جعل النظام الآن يزايد على دول الخليج نفسها فى «عاصفة الحزم» هو الموقف المالي، ظنا منه أن هذه مُغامرة للحصول على الدعم، وأنا أسميها


«الدم مقابل الدعم»، لأن هناك دولا من الخليج نفسه لم تدخل فى عاصفة الحزم.. فالنظام السودانى رأى عند انطلاق «عاصفة الحزم» أنها فُرصة يُغير تحالفه من تحالف محورى مع إيران إلى تحالف محورى مع المملكة بسبب هذا الوضع الاقتصادى السيئ، حيث رأى أن الوضع الاقتصادى سوف يكون أفضل مع المملكة ودول الخليج، لإنقاذه مما هو فيه، وهذا وحده يوضح مدى سوء الحالة الاقتصادية. كما أن السودان ليس لها أى موقف من الصراع الطائفى «السنى الشيعي» بالعكس دورنا كان يرى أن السودان من الأفضل أن تتوسط لوقف الحروب الطائفية، فعندما قامت الحرب الإيرانية العراقية لعب السودان دور عدم الانحياز لأى من الطرفين والعمل على وقف الحرب والصلح «السني- الشيعي» وهذا هو موقف السودان الطبيعي، فالسودان ليس بها شيعة مطلقا، عندنا إسلام معتدل وهو خط السودان القومى الصحيح، وفى الحرب العراقية الإيرانية السودان قامت بمشروع التسوية قبل الأمم المتحدة نفسها، ثم جاءت الأمم المتحدة وقامت بعمل مشروع التسوية الذى أوقف الحرب بينهما، وهذا هو موقف السودان الطبيعي. فضلا عن أن النظام السودانى بحسب مصالحه كان ينحاز تمامًا لإيران، وإيران هى من دعمت التصنيع العسكرى فى السودان، وطهران كانت هى «المدرب الأمني» للنظام السوداني، وكانت هُناك علاقات سودانية إيرانية قوية جدًا وظهر ذلك فى التعاون الأمنى والعسكري، وتدريب العناصر الأمنية فى ١٤ دورة لسودانيين فى إيران.


أفهم من ذلك أنك ضد التواجد الإيرانى بقوة على الساحة السودانية؟


نعم، أنا ضد ذلك وضد أى وجود خارجي، أنا مع العلاقة الطيبة بين المسلمين جميعًا بدون تصنيف طائفي، وعندما كنت فى السلطة لم يكن لإيران أى وجود فى السودان إلا الوجود العادى فقط فى الإطار الدبلوماسى والثقافى بالمعنى المعروف فى كل الدول، لكن ذلك النظام الذى منح فرصة لوجود إيرانى أكبر وأوسع فى السودان، وهذا النظام هو الذى أدى لخلق علاقة خاصة مع إيران، وعندما كنت فى السلطة كانت علاقتنا مع دول الخليج وإيران علاقات صداقة وتعاون، ولم يكن هناك وجود خاص لأى دولة.. والنظام السودانى ساعد فى تنفيذ مشروعات إيرانية بالوكالة، ونتيجة ذلك النظام (غير الديمقراطي) تعرض ثلاث مرات إلى قصف إسرائيلي، وتم قصف الأنشطة بين السودان وإيران، وكلها أشياء جديدة على السياسة السودانية.. المهم هذا النظام لا شك أنه أقام علاقة محورية مع إيران ونتيجة هذه العلاقة نشأت عمليات صناعة عسكرية وتسليح وتعاون حول برامج مختلفة.


«سد النهضة».. لم نسمع أن الصادق المهدى لعب دورًا فيه، أنت مصرى الهوى وتحب مصر.. كيف ترى هذا السد وتأثيره على القاهرة البلد المفضل لك، وأنا هنا أتحدث مع زعيم إفريقى كبير يملك الكثير من أدوات الإقناع؟


«صديقك من صدقك».. لى مأخذ على القيادة فى السودان وفى مصر أنهم تعاملوا مع دول حوض النيل باستخفاف شديد خصوصًا فى العهود العسكرية، وذلك لأنهم فى عام ١٩٥٩ أبرموا اتفاقية «مياه النيل» بين الرئيس جمال عبد الناصر وإبراهيم عبود، وأنا فى ذلك الوقت كنت أقول إن إهمال دول المنابع «خطأ»، لأنه «مثلما أهملناهم سوف يهملوننا»، لكن لم يتم الأخذ برأيى هذا، وتم عمل الاتفاقية التى اعتبرت أن مصر والسودان أوصياء على النيل وأن دول المنابع لا دور لها، إثيوبيا طلبت أن تشترك، قالوا لها لا، بريطانيا وهى كانت تحكم دول الهضبة الاستوائية طالبت تشترك، قالوا لها لا، وتم توزيع مياه النيل باعتبارها ملكا خاصا لمصر والسودان وهذا خطأ، وكان ينبغى أن نُشرك هذه الدول لأن لها نصيبا فيها.


وأخطر ما فى هذا الأمر عندما فعلنا ذلك خلقنا ظروفا موضوعية لكى تتحالف دول الهضبة الإثيوبية مع دول الهضبة الاستوائية، رغم أنه «ما فيه شيء يجمع بينهما»، لأن النيل الأبيض قادم من الهضبة الاستوائية، والنيل الأزرق قادم من الهضبة الإثيوبية، وما فى صلة بينهما، وهذا النيل لا يصير نيلًا إلا فى الخرطوم من الهضبة الاستوائية يُطلق عليه النيل الأبيض، ومن الهضبة الإثيوبية اسمه النيل الأزرق، ولا يتحول للنيل الذى يأتى لمصر إلا فى الخرطوم، وما جمع بين غينيا وأوغندا وبوروندى ودول الهضبة الاستوائية والهضبة الإثيوبية، إلا موقف مضاد اتخذوه عام ١٩٥٩، ونحن - السودان ومصر - من خلقنا لهم ظروفا لذلك، وخلقنا بالتبعية ظروفا موضوعية لإسرائيل، لأن إسرائيل تتدخل دائما فى كل تناقضاتنا.. وأتذكر أننى فى عام ١٩٩٨ عندما قابلت رئيس وزراء إثيوبيا فى أديس أبابا مليس زيناوى قال لي: «إنتو فى مصر والسودان اعتبرتمونا لا وجود لنا.. يا أخى نريد أن نتحدث مع مصر حول مصير النيل ومصر لا تريد الحديث معنا»، ويأتى اليوم «ومثلما هم كانوا يتصرفون منفردين نحن نتصرف منفردين»، وبالصدفة بعد أسبوع التقيت الرئيس الأسبق حسنى مبارك فى القاهرة وقلت له: «موضوع النيل عايز خط وفاق.. و»زيناوي» قال لى هذا الكلام، الرئيس مبارك قالى لي: «من يمد يده للنيل نقطعها».. وأنا خرجت من الموقفين بأن هناك مشكلة كبيرة بين القادة.


والآن ماذا نفعل؟


نحن الذين خلقنا هذه الظروف، إثيوبيا بدأت فعلا الكلام عن تطوير «السد»، وحقيقة فى ظروف الحرب الباردة بين المعسكر الشرقى والغربي، اقترحوا لإثيوبيا بناء هذه السدود كوسيلة من وسائل مواجهة التحدى الناصري، وإثيوبيا تنظر إلى سد النهضة كونه وسيلة للتنمية، لأنها تعتقد أن هذا السد سيضمن كفاية الكهرباء وسيتمكنون من تصدير الكهرباء، وبالنسبة لهم هذا السد سيكون مصلحة كبيرة، وأهم من ذلك سوف يمنحهم فرصة لتخزين المياه.. وبهذا يحصلون على سيطرة استراتيجية على مياه النيل، الأمر الخطير فى هذا أن أى خلاف ممكن أن يؤدى إلى حجز المياه مثلما يحدث بين تركيا وسوريا، لذلك علينا أن نتجنب هذا، والخطر الثانى أن حجز المياه إذا لم يتفق على إدارتها وصار الحجز يتم خلال فترة قصيرة يُمكن أن يمنع المياه من التدفق شمالًا، وحتى بعدما يتفق على هذا، لابد أن يكون التخزين خلال فترة طويلة حتى لا يؤثر، وإدارة تدفق المياه يجب أن يكون متفقا عليها.


ماذا تعنى بأن تكون الإدارة متفقا عليها؟


المياه محجوزة هتفكها حتى تحرك التوربينات، لابد أن تفكها بأى كميات وهى إدارة تدفق المياه، فلابد أن فترة الحجز تبقى متفقا عليها مع مصر والسودان، بالإضافة إلى أنه لابد أن يكون هناك اتفاق يُحدد نصيب مصر والسودان حتى لا يتأثرا، وهناك مسائل أخرى هناك من يتحدث عن أن مناطق الدول مناطق خطرة وقد تتعرض لهزات، وهى من المسائل التى يتناولها الفنيون وهى غير المسائل السياسية الاقتصادية.. وفى رأيى فى النهاية أن الكلام الذى اقترحته فى عام ٢٠٠٠ لابد أن ينفذ اليوم وهو الاتفاق على حوض النيل كله وهذا مُمكن، وهو اتفاق ليس مع إثيوبيا وحدها، بل مع كل دول الحوض الأخرى، لأن دول الحوض ممكن أن تُقيم سدودا، وأهم من ذلك أن فيها إمكانية لزيادة ضخ المياه.


ما نحتاجه الآن نظرة رجال دولة ترعى هذا الأمر فى شكل مؤتمر لمستقبل النيل، وهذا المؤتمر نعقده ويكون للأم المتحدة حضور كمراقبين لأن هذا الموضوع مُمكن أن يؤدى إلى حروب أو قد يؤدى لمشاكل كبيرة جدًا، فضلًا عن عقد مؤتمر أمنى لدول حوض النيل كلها حتى يتفقوا على الأمن بينهم، وتجنب أن يؤدى هذا الموقف إلى حرب داخلية أو حرب باردة أو حرب ساخنة فى دول الحوض، لأن أى حرب باردة أو ساخنة فى الحوض سوف تضر الأطراف جميعها.. ورأيى أن نبدأ نحن فى مصر والسودان بالاعتراف أنه ما كان يجب أن نعزل هذه الدول، وأنه لابد أن ننظر لموضوع النيل أنه سيادة مشتركة، وحوض مشترك، وأمن مائى مشترك.. وفى رأيى أن هذا ممكن.


فهناك مصالح، لكن يوجد أيضًا مخاوف، ولابد ألا نترك الموقف للمراشقات الإعلامية، لأن المراشقات الإعلامية سوف تزيد من المخاوف وتقلل من فرص الاتفاق الموضوعي، ويمكن أن تزيد من فرص تدخل إسرائيل لإفساد وإفشال الوصول إلى اتفاق بين الجانبين لأن إسرائيل تعيش على التناقضات بين الدول العربية.


للأسف الشديد هناك بعض دول عربية خليجية ثبت أنها كانت تمول بعض مشروعات فى إثيوبيا ومنها «سد النهضة»؟


هُناك تناقضات عربية.


تقصد مصالح؟


المشاكل العربية- العربية لازم تُحل، بالدعوة لمؤتمر عربى لحل المشاكل العربية، لأن المشاكل العربية الآن وصلت لدرجة خطيرة، أهمها، أن هناك دولًا تتعامل مع إثيوبيا دون أن تضع فى الحسبان آثار هذا التعامل.


ومن هذه الدول تحديدًا؟


«دعنا من اسم هذه الدول»، لكن الخطر فى أن هناك تصرفات ترتكب من بعض الدول تؤذى الآخرين فى كل شيء، والآن هناك مخاطر من أن تتسبب دول عربية فى إيذاء دول عربية أخرى، وهناك فرصة لإسرائيل أن تتحاور مع دول عربية على أساس أنها ضد إيران، لذلك نحن نحتاج الآن لترتيب البيت العربى بالصورة التى تشمل كل هذه القضايا «التنمية والأمن والعلاقات الخارجية»، وهذه ضرورة، وإلا سيكون «العرب مسلطين أنفسهم على بعضهم».


بعد «تيران وصنافير» انطلقت هناك فى الداخل السودانى دعوات تطالب بضم «حلايب وشلاتين» إلى السودان بل إن هناك شخصيات سودانية تطالب الآن بتدويل القضية، كيف ترى هذا الموقف؟


ببساطة شديدة، كل السودانيين يعتقدون أن «حلايب وشلاتين» سودانية، وكل المصريين يعتقدون أن «حلايب وشلاتين» مصرية، وفى رأيى أن هذا الإشكال ليس له أولوية الآن، لأنه إذا كان هناك نظام ديمقراطى فى البلدين، فإن هذا النظام الديمقراطى سوف يحل المشاكل، أنا حكمت فى السودان ٤ سنوات ولم تكن هناك أيه مشكلة، هناك رأى سودانى يقول إن «حلايب» سودانية وهناك رأى مصرى يقول إنها «مصرية»، لكن ليست هناك مشكلة، فى حال وجود نظم ديمقراطية المشاكل سوف تُحل بالتفاوض، ولكن النظام الحالى غير مؤهل لحل مشكلة «حلايب»..


لأن «حلايب وشلاتين» عام ١٩٩٥ كانت تحت إدارة سودانية، والذى حدث أن النظام السودانى اشترك فى عملية محاولة اغتيال الرئيس الأسبق مبارك وهناك ما يؤيد هذا، وكان التفكير المصرى حملة تأديبية للنظام السوداني، ومبارك رأى ضرورة استرجاع السيطرة على «حلايب»، وفعل مبارك ذلك، والنظام السودانى لم يستطع أن يعترض على هذا، لأنه كان لديه «عُقدة الذنب»، وكان ممكنًا فى ذلك الوقت أن محاولة اغتيال مبارك تؤدى إلى قرار من مجلس الأمن ضد السودان، والحكومة المصرية لم تفعل ذلك، وأخذت خطا آخر، وعندما جاء نظام الرئيس الأسبق محمد مرسى فى مصر، وكان واضحا أن النظام السودانى ساعد الحركة الإخوانية فى الانتخابات، وبدا أن الإخوان المسلمين ينظرون لحلايب كموضوع آخر، حتى إنه تردد كلام فى مصر أن النظام المصرى سوف يترك حلايب، وحدثت ضغينة من أن الإخوان يريدون التنازل لحماس فى سيناء، وللسودانيين فى حلايب.


وهل النظام الحالى فى السودان إخواني؟


هو ذو خلفية إخوانية.


ورغم ذلك فوجئنا بك تقول يجب إخراج مرسى من السجن؟


بالفعل قلت ذلك، لكن لا أريد منك أن تخرج الموضوع من سياقه، أنا كتبت خطابا مفتوحا للرئيس السيسى وقلت فيه: لابد أن تحل مشكلة الإخوان فى مصر حلا سياسيا وليس أمنيا ولا قضائيا، لأن الإخوان متجذرون فى مصر، ولديهم دور فى الخارج، وقلت إننا من ضحايا الإخوان فى السودان ولابد أن نجد حلًا، وأنا كرئيس منتدى الوسطية العالمى أستطيع أن أخاطب الحركات الإخوانية بأن تراجع موقفها من التجربة السودانية والمصرية، وترى ما المطلوب منها لكى تعتمد فى الجسم الوطني، محتاجين لمراجعات، وهى التى عملتها الأحزاب الإسلامية الإخوانية فى تركيا وتونس والمغرب، ومهما كانت هذه المراجعات، فإن العدالة الانتقالية تقول إن من ارتكب جريمة محددة يجب أن يحاسب عليها.


ومن الذى يتبنى هذه المُراجعات من وجهة نظرك؟


الإخوان طبعًا، بعد وقف تنفيذ أحكام الإعدام، لأن وجود سيف الإعدام يغلق الباب أمام أى مراجعات، وسبق أن طالبت مرسى بإلغاء الإعلان الدستورى الذى أطلقه وكان سبب الأزمة فى مصر، وطلبت منه تأكيد أنكم حكومة للمصريين وليس للمقطم وهو وعد بدراسة ذلك لكن لم ينفذ، ثم ذهبنا للمرشد العام محمد بديع وهو سلم علينا وتركنا للمرشد الحقيقى وهو خيرت الشاطر الذى قال لنا الرئيس غير موافق.


أنا لا أتحرك بعاطفتى نحو الإخوان لأننا فى السودان ضحايا الإخوان.. وقلت للرئيس السيسي: إنك لديك الحق فى عدم تنفيذ حكم الإعدام وأن هذا يمنحنا فرصة حتى نتحرك مع الحركات الإخوانية.. وراشد الغنوشى قال لي: الخطأ الوحيد الذى ارتكبه الإخوان فى السودان أنهم لم يتفقوا معك.


بصراحة.. كيف يجب أن يتم التعامل مع الإخوان؟


هناك طريقان للتعامل معهم، محوهم من الوجود مثلما حاول الأمريكان فى العراق، وأن تمحو فئة لها وجود فكرى فإن هذا مستحيل، لذلك لابد من إجراء التسوية معهم، ولابد أن يدفع الإخوان ثمن ذلك باستحقاقات جديدة، وحتى نتحرك فى ذلك لابد أن نلغى أحكام الإعدام.


لكن إذا أصدر الرئيس السيسى قرارا بالعفو عن الإخوان قد ينقلب عليه الشعب؟


بالفعل، هذا وارد، لكن أى إجراء لابد أن يكون هناك تمهيد، وإعداد الذهنية لتقبل ذلك الإجراء، وأقول إذا الرئيس السيسى وافق تبدأ عملية التمهيد والأهم فيه أن الإخوان يجتمعون عن طريق مؤتمر لمناقشة ما المطلوب منهم.


غريبة.. أنت تُطالب بذلك للإخوان رغم ما فعلوه بك فى السودان وبمصر؟


نعم، أقدر أفهم ما فعلوه فى السودان ومصر، وما أطرحه حتى لا يستمروا فى أفعالهم، لأن اجتثاث الإخوان مستحيل، لابد من صورة أخرى للإخوان عن طريق إجراء مراجعات على هدى ما حدث فى تونس والمغرب وتركيا وأندونيسيا، حتى لا يمنحوا فرصة لداعش والقاعدة وغيرها، فضلا عن الحركات التكفيرية، لأن الملف الإسلامى فى مصر عريض جدًا وأوسع من الملف الإخواني، فالسلفية الجهادية بها أكثر من ٦ أحزاب، والحركات التكفيرية التى تنتمى لـ»القاعدة وداعش» ٦ حركات، بالإضافة إلى وجود ١٢ حزبًا إسلاميًا صغيرًا لا إخوانى مُستعد أن يدخل فى العملية السياسية.. ملف الإسلام السياسى فى مصر يحتاج لمؤتمر، لكن لا يجب أن يُترك للأمن ولا للسياسة، بحيث يُناقش فى هذا المؤتمر الكلام الفكرى وفى مقدمته الخطاب الدينى لأنه هو القضية الفكرية كلها، فلابد إذن من مؤتمر لمناقشة الملف الإسلامى وأيضًا العلماني.


متى ستعود للسودان؟


أنا أعلنت أنى تأخرت عن الرجوع لثلاثة أسباب، الأول حتى أعمل «نداء السودان» بشكل أفضل، وعلى مستوى الوسطية أن يصبح لدينا مشروع، أنا عضو فى اللجان التنفيدية لنادى مدريد الذى يضم ١١١ رئيس دولة ورئيس حكومات سابقة ونتبنى أن يكون القضاء على الإرهاب ليس بالطرق العسكرية، بل لابد أن يكون له طرق أخرى كمُعالجة الأسباب، والأسرة الغربية هى التى لديها الأسباب الأكبر فهم من طوروا وسلحوا «القاعدة وداعش»، وأنا كنت انتهيت منها وصرت مستعدًا للعودة إلى السودان لكنى فضلت عدم العودة حتى لا يساء فهم هذه العودة، لذلك نريد حزبنا والآخرين أن يفهموا هذه المسألة ونتفق على التوقيت، لكن قرار العودة للسودان اُتخذ.


هل ما زلت تخشى من الملاحقات الأمنية لك فى السودان؟


هذا ما تعودت عليه، وسبق أن تم سجنى ١٠ مرات، وقضيت ٨ سنوات ونصف السنة فى السجن.


وهل كان سجنًا أم مُجرد تحديد لإقامتك فى منزلك؟


بعضها كان فى السجن والمنزل وسنوات منها قضيتها فى «السجن الأسود» الذى لا تدخله شمس مطلقا، ويضم «عُتاة» المجرمين فى عهد نميري.


وما عُمر مشوارك السياسي؟


منذ ١٩٦٤ وأغلب هذه الفترات إما فى السجن أو فى المنفى أو متشردا.


بعد ٥٤ عامًا من العمل السياسى هل يجوز أن أسأل سياسيًا كبيرا فى قيمتك وقامتك، متى يعتزل السياسى السياسة؟


ليس لدى «طاقية واحدة»، أنا شغال على فكر وبحث واقتصاد، وألفت ١٠٠ كتاب، أريد الآن أن أرتب البيت لأتفرغ للأشياء غير السياسية، وكتبت لكل زملائى مشروع خارطة طريق للمستقبل، لكى أرفع يدى أنا من السياسة.


ومن يتولى رئاسة حزب الأمة وقتها؟


المؤسسة أى الحزب هى من تُقرر لذلك، فلن أرشح أحدا، وأرى أن هناك العشرات يصلحون لرئاسة حزب الأمة، المهم أن أدافع عن حق المؤسسة.


وإذا اختارتك المؤسسة لتكون رئيسًا للوزراء.. هل تقبل؟


أريد أن أرفع يدى من العمل السياسي، أريد أن أركز فقط فى مشروعى الفكرى.