حرب رمضان في عيون القادة الإسرائيليين «٢»

29/06/2016 - 11:25:45

بقلم - لواء. نصر سالم

عن بدء الحرب يقول موشيه ديان وزير الدفاع الإسرائيلى إبان حرب رمضان - أكتوبر ١٩٧٣ وكان الهجوم المصرى السورى - فى يوم كيبور - مفاجأة لنا برغم أنه كان متوقعاً.. ويجب أن نعترف أن العرب شنوا هجوماً أكثر كفاءة مما كنا نقدره عند وضع خططنا ويستكمل ديان “بالرغم من ثقتنا فى أنفسنا، إلا أن الشعور بالقلق كان يملأ أعماقنا، ليس فقط لأننا لم ندخل حربا لم نكن نملك فيها عنصر المبادأة، وإنما لأن الموقف كله أيضا لم يكن متمشياً مع طبيعتنا ولا مع تنظيم جيشنا الذى يعتمد أساساً على القوات الاحتياطية وتعبئتها بنظام، فليس من السهل التحول خلال أربع وعشرين ساعة من العمل خلف المكاتب وعلى الجرارات إلى ساحة القتال.


أما الجنرال “أليعازر” رئيس أركان الجيش الإسرائيلىفيقول:


“إن حرب أكتوبر اختلفت عن كل الحروب التى خضناها ضد العرب.


إذ كانت المبادرة فى أيديهم بينما كنا نحن الذين نمتلكها قبل ذلك، وكان التحرك أمراً سهلاً بالنسبة لنا، لأننا نحن الذين كنا نهاجم، أما فى هذه الحرب، هم الذين هاجموا أى أنهم يمتلكون الوقت والهجوم ونحن الذين أصابتنا المفاجأة وأصبح لزاماً علينا أن ندافع، وهذا هو الأمر المرير الذى يحز فى نفوسنا”.


وعلى الجانب الأمريكى يتكلم “وليم كوانت” مساعد مستشار الأمن القومى الأمريكى فقد كتب يقول:


“لقد كان نشوب حرب أكتوبر مفاجأة لإسرائيل والدول العربية والعالم بما فى ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، كما لم تتوقع ذلك معظم دول العالم”.


وعن السيدة مائير رئيسة وزراء إسرائيل.. فقد استدعت الجنرال إليعازر إلى منزلها ليلة ٥/٦ أكتوبر، وأرادت أن تطمئن منه على أن الجيش المصرى غير قادر على اقتحام القناة وعبورها، ووجهت إليه سؤالا محدداً.


“هل تعتقد أن فى إمكان المصريين عبور القناة؟ إنى أسألك بصفتك رجلاً عسكرياً. أريد أن أتأكد منك شخصياً، بعد أن أكد لى الجنرال بارليف منذ دقائق أن عبور المصريين للقناة أمر مستحيل، وأنه أعد قنوات بترولية تعمل في دقائق فيتحول كل شبر فى خط المواجهة فى منطقة القناة إلى كتلة حريق قاتلة.


أجابها إليعازر بقوله:


“على مستوى العالم هناك مانعان مائيان هما الأصعب ولا ثالث لهما، هما قناة السويس وقناة بنما، وذلك لطبيعة المياه والعمق والعرض، وإذا أضفنا إلى ذلك كله المواقع الحصينة فى خط بارليف، ومواقع الإشعال البترولى، ثم سمك الساتر الترابى، فإنه وبدون تفكير كاف تماماً كى يجعل عبور المصريين للقناة مستحيلاً.


وأنا أتفق مع الجنرال ديان على أن أى تحرك عسكرى مصرى لن يكون ولن يخرج عن نطاق ضربة جوية لمطاراتنا في جبهة القتال ومراكز القيادة، وهذا أمر نتحسبه ونتدبره بكل دقة، ثم إن المصريين والسوريين طبقاً لدينهم لن يقاتلوا في شهر رمضان وهم صائمون، ثم إن تقاريرنا تشير إلى هدوء الحالة على ضفتى القناة”.


أما عن يوم السادس من أكتوبر/العاشر من رمضان فيقول الجنرال إليعازر:


“كانت أخطر الإشارات التى وصلت إلينا حينئذ، هى التى أفادت أن المصريين بدأوا في عمل ممرات في السواتر الترابية السميكة، باستخدام قوة دفع المياه عن طريق مضخات خاصة كانوا يستخدمونها تحت ستار كثيف من نيران المدفعية والمشاه،كما بدأوا يسقطون معديات ومعدات عبور أمام رؤوس الكبارى، وفعلا كانت تلك هى أخطر الإشارات لأنها كانت تعني أن أى تقدير للعمل العسكري الذي تقوم به القوات المصرية والسورية أصبح متأخراً.


ثم يضيف “في هذا الوقت أصابنا الجنون، فأصدرنا الأوامر إلي السلاح الجوى بتكثيف هجومه في محاولة لمنع المصريين من فتح الثغرات في الساتر الترابى، وتعطيل إسقاط المعديات وإنشاء الكبارى، لكن الدفاع الجوي المصرى المجهز بصواريخ سام - ٦ أسقط لنا خلال أربع دقائق خمس طائرات منها إثنتان من طراز فانتوم وثلاث سكاى هوك.


ثم يواصل رئيس أركان الجيش الإسرائيلى الجنرال إليعازر كما ذكر في مذكراته:


“لقد كانت الإشارات تتوالى بشكل رهيب، وكنا نحاول بقدر الإمكان الحفاظ على هدوء أعصابنا وإتزان تفكيرنا، لكننا بعد وصول الإشارة رقم ٢٢ التى أفادت أن المصريين تمكنوا من إنشاء عشرة كبارى ثقيلة وعشرة كباري مشاه وأن الدبابات والعربات المجنزرة والمعدات الثقيلة بدأت فى العبور إلى الضفة الشرقية للقناة، لم نستطع أن نتوازن أو نفكر في أى شىء، بل سيطر علينا الذهول المقرون بخيبة الأمل.


وأوشك نهار يوم ٦ أكتوبر - علي الانتهاء دون أن نحقق هجوماً مضاداً ناجحاً نوقف به عبور المصريين إلى الضفة الشرقية حيث توجد مواقع قواتنا، وكان معني أن يأتى الليل ويسود الظلام، أن تنتهي فاعلية سلاحنا الجوى، في الوقت الذى تستطيع فيه القوات المصرية تثبيت وتأمين هذه الكبارى.


إن الحقائق بدأت تتضح أمامنا شيئاً فشيئاً، فالإشارات تؤكد أن أكثر من ثلاثين ألفا من الجنود المصريين أصبحوا يقاتلون في الضفة الشرقية للقناة.


مازالت المعدات الثقيلة تعبر القناة إلى الضفة الشرقية إن تلاحم جنودنا بالجنود المصريين معناه أن يفقد سلاحنا الجوى فاعليته، وأصبح مجموع ما سقط لنا من طائرات حتي الساعة العاشرة وعشر دقائق مساء يوم ٦ أكتوبر هو ٢٥ طائرة.


أصبح القتال ضارياً وشرساً، والدلائل كلها تشير إلى أننا نواجه خطة دقيقة ومحكمة لا نعرف مداها أو أبعادها، بعد أن أصبحنا أمام واقعين جديدين تماماً في تاريخ الصراع العربى الإسرائيلى، أديا إلى سقوط كل حساباتنا العسكرية والمقاييس التى بنينا عليها خططنا، وكان الواقع الأول أنه لم يعد هناك مانع مائى يمنع المصريين من التدفق إلى مواقعنا شرق القناة، والواقع الثانى أن حصون خط بارليف المنيعة لم يعد لها فاعلية، ولم تعد هى الخط الدفاعى المأمون بعد أن سقط معظمها، لقد بدأت بالفعل مواجهة حقيقية بين القوات المصرية وقوات الجيش الإسرائيلى. لقد كان ما يحدث بالفعل كارثة حقيقية.


وفى داخل مركز القيادة الرئيسى فى إسرائيل، لم يتمالك الجنرال ديان وزير الدفاع الإسرائيلى نفسه عندما تبلغ له سقوط أحد الحصون المنيعة في خط بارليف بعد أن دمرته قواتنا تدميراً كاملاً واستسلم ضابط وسبعة جنود إسرائيليين، وكانوا أول أسرى يقعون فى أيدى قواتنا.


فيصرخ ديان بحدة فى وجه الجنرال الياهور زاعيرا مدير المخابرات العسكرية قائلاً: “إنى أحملك مسئولية ما يحدث؟.


فيرد عليه زاعيرا بنفس الحدة قائلا: “لقد حذرتكم، وكنت أنت تقول لنا دائما إنه من المستحيل أن يدخل المصريون فى أى حرب ضدنا أو عبورهم القناة.. وأنت وزير دفاع له شأنه، لماذا لم تحس أو تشعر بأن حدثا أو كارثة مخيفة سوف تحدث؟”


فى دراسة قام بها المؤرخ العسكرى الأمريكى ت. ديبوى وهو معروف بأنه أحد المقربين للبنتاجون الأمريكى، ومن أصدقاء إسرائيل، كتب يقول:


“إن التخطيط الماهر الذى اتسم بالدقة الكاملة والسرية التامة وتحقيق المفاجأة الكاملة، وكذا التنفيذ الكفء للخطط التى وضعت بعناية، أدى إلى نجاح إحدى عمليات عبور الموانع المائية التى ستظل تذكر في التاريخ.


وبالنسبة للتخطيط لم يكن في وسع أى جيش آخر أن يصنع تخطيطاً أفضل من ذلك.


وبالنسبة للتنفيذ، فإن التقارير المصرية تفيد أن خسائرهم أقل من ٢٠٠ شهيد فى اليوم الأول للقتال، وكانت نتائجها أفضل مما توقع المصريون أنفسهم.


وفي كتاب “النضال من أجل إسرائيل” الصادر عن المؤسسة الإسرائيلية للتاريخ العسكرى بمساعدة قسم التاريخ في جيش الدفاع الإسرائيلى يصف المرحلة من يوم ٦ إلى ١٠ أكتوبر بأنها مرحلة الصد بأيدى القوات النظامية ودخول قوات الاحتياط إلى المعركة كالآتى:


“ في الجولان هاجمت ثلاث فرق مشاة سورية لاختراق حقول الألغام واجتياز الخنادق المضادة للدبابات واحتلال مواقع الجبهة وفتح ثغرات للتشكيلات المدرعة، وتم الاستيلاء على الموقع الإسرائيلى في جبل الشيخ بواسطة هجوم أفراد الكوماندوز السوريين والذين تم إبرارهم من طائرات الهليوكبتر، واستعانوا بالقوة التى اخترقت أراضينا سيراً على الأقدام.


وكان يقود القيادة الشمالية اللواء “تيسحاق حوفى” وكان يقود مجموعة العمليات في الجولان العميد “رافائيل إيتان” وكانت تحت إمرتهم؟، كتيبة دبابات منفصلة ولواء مدرع احتياطى تم دفعه فوراً إلى مدخل القنيطرة وكتيبة واحدة لجنوب القطاع وتم جلب لواء مشاة إلى إصبع الجليل.


وفي شمال الجولان فشل السوريون في محاولاتهم للاختراق وصمدت المواقع الإسرائيلية وفى الجنوب تم صدهم حتى المساء ولكن أثناء الليل نجحوا فى الاختراق وأدخلوا ثلاثة ألوية مدرعة.


ومع الفجر تم إخلاء المواقع فى جنوب الجولان ومعهم جميع مستوطنات المنطقة، وفي صباح يوم ٧ أكتوبر تجمعت الفرقة الأولى السورية فى الخشينة وتقدمت شمالاً، بالتوازى مع طريق النفط بغرض احتلال قلب الجولان، ومعسكر نفاح وذلك لقطع التشكيلات فى شمال الجولان وفي نفس الوقت تقدمت قوات سورية إلى معابر نهر الأردن فى الوسط وفي الجنوب قبل منتصف ليلة ٦/٧ أكتوبر، وحتى المساء تم إيقاف السوريين وحدهم ولكن مازالوا يهددون المنطقة.


أما في سيناء فقد عبرت خمس فرق مشاة مصرية قناة السويس عرضها ١٨٠ - ٢٠٠ متر من خمسة مواقع عبور، واستولوا على ١٥ دشمة “موقع حصين” للإسرائيليين وفي الحقيقة تقريباً لم يواجهوا بأية مقاومة!!.


ومنذ بدء الحرب وحتى مساء يوم ٧ أكتوبر أى خلال ٣٠ ساعة حاولت القوات النظامية وقف تقدم المصريين وتكبدا خسائر تقدر بثلثى قواتنا “مجموعة عمليات اللواء إبراهام مندلر” المكونة من ثلاثة لواءات مدرعة.


لقد استولوا على امتداد شرق القناة على شريط عرضه ٤ : ٥كم، وفي الصباح صدرت الأوامر لباقى أفرادنا داخل النقاط الحصينة بالانسحاب للخلف وتم إنقاذ بعضهم واستسلم الباقون.


انتهى عرض ما قاله القادة الإسرائيليون حتي يوم ٧ أكتوبر، ومازال هناك الكثير من العرض والتحليل فى العدد القادم.