١٫٥ مليون مصل يشدون الرحال إليه فى العشر الأواخر عمرو بن العاص.. مسجد ليلة القدر

29/06/2016 - 10:59:07

تقرير: رانيا سالم

الفاتح، العتيق، تاج الجوامع، أوصاف وصف بها مسجد عمرو بن العاص بمدينة الفسطاط رابع مسجد بُنى فى الإسلام، بعد المسجد النبوى بالمدينة المنورة، ومسجد البصرة، ومسجد الكوفة، وأول وأكبر مسجد فى القارة الأفريقية.


فى العشر الأواخر من شهر رمضان يشد القاهريون رحالهم إلى مسجد عمرو، ينوون الاعتكاف وختم القرآن وأداء صلاة التهجد.


زرافات وجماعات يحزمون أمتعتهم ويتوجهون صوب الفسطاط رافعين أكف الضراعة أن يتقبل الله صيامهم وقيامهم.


شرع عمرو بن العاص فى بناء المسجد بعد أن دخل مصر فاتحا عام ٢٠ من الهجرة اقتداء بسنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- فى أن يكون أول عمل لهم بعد فتح المدن هى بناء مسجد، كما فعل النبى عندما هاجر إلى المدينة المنورة.


اكتمل بناء المسجد عام ٢١ من الهجرة، وكانت أرض المسجد ملك لشخص يدعى قصيبة بن كلثوم الذى تبرع بالأرض لبناء المسجد عليه، ليجاور المسجد كل من المعبد اليهودى، وكنيسة مارجرجس، ليطلق على المنطقة بأكملها فى وقتنا الحالى، مَجمع الأديان.


الرقعة الأولى للمسجد بلغت ٦٧٥ مترا، وكان مصمما من ٦ أبواب، وصحن كبير غير مسقوف، فالأعمدة الداخلية من جذوع النخل، أما السقف فكان من الجريد، واستمر الجامع على هذه المساحة حتى العصر الأموى فى ٥٠ هجرياً، بعدها عمل مسلمة بن مخلد الأنصارى على زيادة مساحة المسجد.


تحديد قبلة المسجد اشترك فيها ٨٠ صحابيا من صحابة الرسول، صلى الله عليه وسلم، على رأسهم الزبير بن العوام، و المقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وأبو ذر الغفاري، لتكن أول صلاة جمعة بالمسجد فى ٣٠ محرم ٢١ هجرياً، بما يوافق ٨ يناير ٦٤٢ ميلادياً.


مساحة جامع عمرو بن العاص تبلغ ١٤ ألف متر، مصلى السيدات به ٣آلف متر، ويضم ٤ منابر، ثلاثة منهم كبار، وواحد صغير، لازال الجامع يحتفظ “بدكة المبلغ” فى نهاية الرواق الأمامى، وهى الدكة التى كان يُردد فيها ما يقوله الإمام ليصل للمصلين فى كافة أرجاء المسجد قبل اختراع مكبرات الصوت.


الشيخ محمد حسن قاعود إمام وخطيب مسجد عمرو بن العاص يقول: ترجع شهرة المسجد إلى تعاقب علماء أفذاذ، وأئمة كبار عليه، منهم الإمام الشافعى رحمه الله، الذى ولد فى غزة، ووضع مذهبه الأول فى العراق، ليأتى إلى مصر ويضع مذهبه الجديد بجامع عمرو بن العاص.


وليث بن سعد، رحمة الله عليه، والذى امتدحه الإمام الشافعى كثيراً، وكان أحد مشايخ المسجد، والسيدة نفيسة رضى الله عنها وأرضاها، كان لها محراب داخل المسجد فى الركن الشمالى منه تدرس فيه دروس العلم كما يقول قاعود.


مستطرداً: فى التاريخ الحديث تعاقب على المسجد مشايخ كبار منهم الشيخ محمد الغزالى، بعد أن أَوْعَزَ إليه الدكتور عبدالحليم محمود، رحمه الله، ليخطب فى الجامع، ونجح الغزالى وقتها فى إعادة الجامع للحياة مرة ثانية بعد أن تم إهماله، ليصل إلى مليون مصل داخل وخارج المسجد، ليكمل المسيرة مشايخ أجلاء كالدكتور عبدالصبور شاهين، والدكتور محمد عبدالسميع جاد، والدكتور إسماعيل الدفتار.


ويضيف: الطبيعة الخاصة للمسجد والنسق المعمارى المتميز له، حيث صمم على شاكلة المسجد النبوى، بخلاف حلقات العلم والدروس المسجدية التى تُعقد داخله، بعد حرص كافة المشايخ والعلماء بأن ينالوا شرف إلقاء درس أو قراءة قرآن أو إمامة المصلين فى المسجد الذى وطأ أقدام أصحاب الرسول، صلى الله عليه وسلم، فيه.


المصلون لم يختلفوا كثيرا عن العلماء والمشايخ، فالمصلون من كافة محافظة الجمهورية، أو حتى من خارج مصر يحرصون على أداء صلاة العيدين والجمعة، والتراويح وبالأخص فى العشر الأواخر من الشهر الكريم، ليصبح المسجد طوال العشر سنوات الماضية قبلة المصلين فى صلاة التراويح، فيمتلئ الجامع عن آخره، ويكتظ بالمصلين، فالمسجد يستقبل ما يزيد عن ٢٠٠ ألف مصل، ويفترش عدد كبير من المصلين الساحة أمام المسجد يميناً حتى كنيسة مارجرجس، ويساراً حتى محطة الملك الصالح.


مليون ونصف المليون مصلى هكذا يقدر قاعود أعداد المصلين فى ليلتى ٢٧ و٢٨ رمضان فى جامع عمرو بن العاص، ويتوقع أن يستمر زيادة المصلين هذا العام، بعد أن أصبحت صلاتهم فى الجامع عادة رمضانية لا ترتبط بإمام أو خطيب معين ولكن ترتبط بالجامع.


مؤكداً على أن جامع عمرو بن العاص منبر للعلم، ودروس الدين، وإقامة شعائره، وهو ما يفسر فشل أى جماعة دينية أو سياسية السيطرة عليه، فهو من الجوامع القلائل الكبار التى لم تخرج منه مظاهرة أو تجمع منذ ثورة يناير، فالجامع له طبيعة خاصة، ورواد الجامع من المصلين يحرصون على أن تستمر هذه الأجواء الروحانية والإيمانية التى فُقدت فى كثير من الجوامع الأخرى بعد أن انشغلت بالسياسة.


“استعدادات خاصة لشهر رمضان” كما يقول قاعود، بدأت بنظافة المجلس، فوزراة الآثار متعاقدة مع شركة نظافة تتولى نظافة الجامع بأكمله تصل إلى ١٤ ألف جنيه شهرياً، أما عمال المسجد البالغ عددهم ٢١ عاملاً فتولى نظافة الحصر والسجاد الذى يتم فرشه فى صحن المسجد والساحة الخارجية للمسجد، وتوفير أجهزة تبريد وفلاتر للمياه.


مضيفاً إلى قيام المسجد بالصلاة فى صحن المسجد فى العشرين يوما الأولى من الشهر الكريم، مع ارتفاع درجات الحرارة وعدم وجود مكيفات داخل المسجد، لكن مع بدء العشر الأواخر يتم الصلاة فى الرواق الأمامى ليتسع المسجد للمصلين.


ويشير الإمام إلى أن المسجد يسعى قدر استطاعته على تلبية احتياجات المصلين، ولهذا يتم الإعداد بشكل خاص لأيام الاعتكاف، فالعمال يلزمون المسجد طوال أيام الاعتكاف، ولتفقد كافة احتياجاتهم طوال هذه المدة.


وفى المقابل على من يرغب فى الاعتكاف داخل المسجد التقدم ببطاقته الشخصية لإدارة المسجد، وهو إجراء أمنى من أجل سلامة المعتكف وسلامة الجميع داخل المسجد، كما أن على المعتكفين أن يحافظوا على قدسية الجامع، والالتزام بآداب المسجد، والنوم فى الأماكن المخصصة التى توفرها إدارة المسجدن والترفع عن المشاكل قدر الإمكان.


أحمد هاشم العجوز أحد عمال المسجد يجلس مجاورا لصحن المسجد، ممسكا المصحف الشريف، ويبدأ عمله مع أذان العصر، حيث يعد للمصلين المياه المبردة وأكواب العصائر الرمضانية ابتغاء وجه الله.


الحاج هاشم كما يلقبه المصلون يقول “نوزع العصائر على المصلين حسب الطلب، المهم نفطر الناس، أما الطعام فغير مسموح به داخل المسجد، هناك موائد رحمن فى الخارج”.


“٤ إلى ٦ كولمان مياه” هو ما يحضره الحاج هاشم كل يوم قبل أذان المغرب للمصلين، أما فى العشر الأواخر إلى ٢٠.


بعد عيد الفطر تنتهى مهمة عم هاشم بعد إزالة كافة “الكولمانات، وعودة صحن المسجد لهيئته الأساسية بعد إزالة السجاجيد، وانتظام الحركة الطبيعة داخل المسجد.


داخل المسجد مصلون من أعمار متباينة، الكبار يجلسون على الكراسى وإمامهم القرآن الكريم على الحامل، أما الشباب فيجلسون أرضاً ممسكين به، والجميع منهمك فى قراءة القرآن أو ترديد الأذكار.


عم صادق يجلس على كرسيه وأمامه القرآن الكريم يقرأ متدبراً لآياته، منذ خروجه على المعاش اعتاد أن يقضى جميع الفرائض داخل المسجد وخاصة فى شهر رمضان، لقربه من منطقة سكنه، يسكن فى العمارة المقابلة للجامع، أما محمود ثلاثينى يختلس أوقات انتهاء عمله ليقضى ساعة واحدة على الأقل فى المسجد، فى الأغلب ما تكون قبل المعرب ليقرأ القرآن ويصلى المغرب فى جماعة.


 



آخر الأخبار