القارئ الطبيب أحمد نعينع: أعيش ببركة القرآن الكريم

29/06/2016 - 10:38:56

عدسة: إبراهيم بشير  الزميل صلاح البيلى أثناء حواره مع القارئ أحمد نعينع عدسة: إبراهيم بشير الزميل صلاح البيلى أثناء حواره مع القارئ أحمد نعينع

حو ار أجراه: صلاح البيلى

بمجرد أن تسمعه يقرأ القرآن الكريم تعرفه من صوته الجميل، هو القارئ الطبيب أحمد نعينع، الذي فتح قلبه في حوار لـ”المصور” متحدثا عن مشواره مع القرآن الكريم ،والمشايخ الذين تركوا بصمة في حياته وتأثر بهم. “نعينع” قال إن “بيته فى رمضان لا يسمع فيه إلا القرآن ، مؤكدا أنه لا يشاهد التليفزيون”. “نعينع” الذي شبهه موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب بلاعب كرة القدم “بيليه” نصح القراء الجدد، قائلا: “لا ترفعوا أصواتكم لتقرأوا حتى آخر العمر كالشعشاعى ومصطفى إسماعيل وأحمد صالح والحصري. لا زال “نعينع” يتذكر شيخ الكُتاب أحمد الشوا فى بلدته مطوبس، قائلا: “كان يوصينى بأن من يخطئ من الأطفال يضرب بالعصى ١٠ مرات وإذا لم أنفذ كان يضربنى أنا”..


كيف تقضى شهر رمضان أنت وأسرتك؟


بيتى لا يسمع فيه غير القرآن فى رمضان، فلا مشاهدة للدراما ولا للبرامج الحوارية ليس تزمتاً، لكن لأن الوقت لا يكفى لواجبات اليوم، فأنا أقرأ فى رمضان وغيره خمسة أجزاء من القرآن يومياً من الذاكرة، لأننا تعلمنا أنه «من قرأ الخمس لا ينسى»، وحرصت على تحفيظ بناتى أجزاء من القرآن وهن يقرأنه فى بيوتهن، أما أحفادى أحضرت لهم محفظا للقرآن يحصل فى الحصة الواحدة على مائة جنيه، وتذكرت وقتها الشيخ أحمد الشوا صاحب الكُتاب فى مطوبس بلدتى ،وهو من حفظت القرآن على يديه وكان كفيفاً، وكانت أجرته فى الأسبوع خمسة قروش نضعها له فى طفاية أمامه وكانت ترن محدثة صوتاً، وكان يعرف من دفع أجرته ممن “زوغ” ولم يدفعها، وظلت علاقتي به فى الكتاب من سن ٣ سنوات حتى دخلت كلية الطب فى جامعة الإسكندرية، وراجعت معه الحفظ والتجويد والقراءات، ثم صرت مساعده لضبط أداء الأولاد فى الكتاب، وكان يوصينى بأن من يخطىء منهم يضرب بالعصى ١٠ مرات وإذا لم أنفذ كان يضربنى أنا!.


لكنك راجعت القراءات مع الشيخة أم السعد فى الإسكندرية، أليس كذلك؟


هذه كانت مرحلة تالية من حياتى عندما حضرت للإسكندرية طالباً بكلية الطب عرفت طريقى لبيت الشيخة أم السعد وزوجها الشيخ محمد فريد نعمان، وعلى يديهما تعلمت القراءات.


صف لنا يومك فى رمضان؟


أُصلى الفجر بالمسجد الذى أكون مدعواً فيه على الهواء مباشرة أو بمسجدى فى سيدنا الحسين أو بمسجد «لقمة» المجاور لبيتى فى التجمع، وأذهب لعملى وأعود لبيتى أنام قليلاً وأصحو لأقرأ بعض القرآن قبل المغرب وبعد الإفطار أصلى العشاء والتراويح فى مسجد «لقمة» ثم أعود لبيتى، ولا أشاهد أى دراما فى التليفزيون، وأحب كل ماهو قديم لسيد درويش ومحمد عبد الوهاب وأم كلثوم خاصة فى قصائدها مثل نهج البردة والأطلال وسلوا قلبى وولد الهدى، وفى أصوات القراء أحب صوت شيخى مصطفى إسماعيل وطه الفشنى ومحمد الصيفى وعلى محمود .


وهل للقرآن أسرار تلمسها عند القراءة فى حياتك؟


كثيرة جدا وأنا أعيش ببركة القرآن، وعلى سبيل المثال دعانى المستشار مرتضى منصور للقراءة فى عزاء الكابتن حمادة إمام، فقلت له: إننى أهلاوى، فأصر وذهبت وقرأت وكان حاضرا فى العزاء مدرب الأهلى البرتغالى «بسيرو» فجاءنى بعد القراءة وقال لى: إنه لم يفهم شيئاً مما أقول، لكنه مس قلبه!.


كنت محظوظاً بأنك تعلمت من القراء العظماء، فما أهم نصيحة تقولها للقراء الجدد؟


رفع الصوت عند الضرورة فقط لأنه كما ورد فى الحديث مامعناه: «قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب ولاتنثروه شر الدقل» . والدقل هو التمر الردئ . فالجواب العالى له مكان وخفض الصوت له مكان وليس الزعيق المتواصل. فمن يزعق على الدوام صوته سوف يفنى وسينتهى به الحال واقفاً أمام حائط سد ودماغه سوف تنكسر لذلك أقول للقراء الجدد “لا تزعقوا” (وترفعوا أصواتكم) بل كونوا عقلاء ولا تجهدوا أصواتكم بالصوت العالي، وكان الشيخ عبدالفتاح الشعشاعى يقول: (الصوت أشبه بالجراب الملئ بالنقود كلما أخذت منه نقص)، لذلك ظل يقرأ وعمره تسعين سنة بنفس قوة صوته وحلاوته وكذلك مصطفى إسماعيل، والشيخ أحمد صالح ظل يقرأ حتى بلغ ٩٥ سنة، والحصرى قرأ حتى تجاوز الستين والأزهرى الشيخ معوض عوض إبراهيم بلغ من العمر حالياً ١٠٧ أعوام ولا يزال يقرأ ويعلم.


وهل أفادتك دراسة الطب فى القراءة وصيانة صوتك؟


نعم تدربت على أن “آخذ” النفس والصوت من بطنى وكذلك من دماغى، فلا أجهد الحنجرة أو الأحبال الصوتية، وأن أقفل القراءة وفى صوتى أنفاس فلا “أحزق” ولا أقفل القراءة على آخر نفس، فهذا خطر جداً، لأن الأحبال الصوتية تضرب بعضها وتنجرح ولابد أن يقفل القارئ وعنده رصيد من الأنفاس فى صدره وألا يستهلك كل الهواء.


متى قرأت لأول مرة فى الإذاعة؟


سنة ١٩٨٢ ثم سافرت إلى الكويت مباشرة للقراءة هناك.


وما رأيك فى أصوات مثل ياسر الشرقاوى وطه النعمانى وحجاج الهنداوي؟


أصوات جيدة، لكن أحياناً يحصر أحدهم نفسه فى تقليد الشيخ مصطفى إسماعيل وكما قال لى عبد الوهاب: “قمة التقليد بداية الإضافة”، وعموماً كل من يقرأ القرآن سليماً طرياً ندياً، كما نزل على سيدنا محمد أستمع إليه.


وهل مُمارسة الرياضة مفيدة لصوت القارئ؟


نعم لها دور فى لياقة الجسم وتوسيع الصدر وتطويل النفس.


لماذا اختفى الصوت المُميز صاحب البصمة بعد جيل الرواد؟


لأن القُراء لا يقرأون بإحساس ولا بحضور وتعايش وفهم ومعايشة لكتاب الله، بل يرددون القرآن بألسنتهم وتشغلهم النغمة والسيكا والجواب، والبصمة تأتى إذا قرأ القارئ من قلبه بإحساس.


لماذا يظل صوت الشيخ محمد رفعت فوق القمة حتى الآن؟


لأنه صوت يصعب تقليده فهو فريد فى نوعه ولن يتكرر من يوم خلق الدنيا للآن، فهو عبارة عن صوتين فى بعض، وقد تعلمت منه قفزات كثيرة مثل قفلته “من لدنٍ حكيم عليم” صاحب السليقة السليمة يقرؤها كما قرأها الشيخ رفعت.


ومن علم الشيخ رفعت؟


كما أخبرنى محمد عبد الوهاب علمته الموهبة ثم تقليده لمن سبقوه كالشيخ أحمد ندا والشيخ المناخلي.


منذ متى تعرفت بعبد الوهاب، وماذا تعلمت منه؟


عرفت الموسيقار عبد الوهاب عام ١٩٨١ كنت أقرأ فى صلاة الفجر فى مسجد سيدى المرسى أبى العباس وكان الشيخ عبدالجليل الحساسى على صلة بمجدى العمروسى المستشار القانونى لشركة “صوت الفن” وشريك عبدالوهاب، فوجدته يخبرنى أن عبد الوهاب يطلبنى فنزلت إليه وزرته فى بيته بشقته على نيل الزمالك بحضور مجدى العمروسى والمؤرخ الموسيقى محمود كامل والملحن أحمد صدقى، وكان يتناول عشاءه وحده لساعتين وأنا أقرأ أمامه فقال محمود كامل: “صوته أكثر من جميل ودمه خفيف وأسمعه لساعتين ولم أزهق، وعلى فكرة هو يشترك مع الشيخ رفعت فى شئ وقد سبق وقرأ الشيخ رفعت على نفس الكنبة ولا أريده أن يتوقف عن القراءة”. وأطلق عليّ وصف “بليه” البرازيلى فى مقابل “مارادونا” الذى أطلقوه على الطبلاوي.


وقال لى كلما وجدت نفسك “فاضى” مساء يوم الخميس تعال إلىّ الساعة التاسعة مساءً لتقرأ لى دون موعد سابق، وكنت أفعل ذلك. وكان فناناً من طراز ليس له نظير وإحساسه الموسيقى رهيب، وقد سجل لى بشركته “صوت الفن” فى استديو ٤١ على يد كبير المهندسين جلال نوارة ٣٠ ساعة داخل الاستديو و٣٠ ساعة أخرى إذاعة خارجية وكان التسجيل من ٧ -٩ مساءً يومياً. وفى إحدى المرات غيرت قفلة الآية بخلاف رفعت ومصطفى إسماعيل فشعر بذلك وقال لي: أنت ستغير القفلة مثل غلوش؟!.. تريد أن تغير غير للأفضل أو حافظ على قفلة من سبقوك من المناخلى ورفعت وفى إحدى المرات كان جالساً على البيانو وكنت أقرأ فسكت فسألنى قلت: لا تعجبنى القفلة.


فقال لمحمود كامل: الولد ده هيبقى كويس يا محمود لأنه ثائر على نفسه، وللآن فإنى أسمع نفسى مرة واحدة ثم لا أسمع نفسى نهائياً، وإذا سمعت نفسى كمن أتجرع السم لأنى لا يعجبنى نفسى وأريد أن أغير باستمرار، كما علمنى عبد الوهاب كيف أركب المقام وهو على البيانو وأنا أقرأ وكيف أدخل بهدوء دون زعيق كالطائرة.. وأنا أقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وقال لى : أدخل من هنا وجاء لى بصفارة “دوزان” من محل بشارع عبد الخالق ثروت، وعلمنى كيف أدخل على المقام بالصفير فيها مع نفس قبل القراءة، وأخبرنى أنه صنع واحدة مثلها لمحمد رفعت وبالخبرة تعلمت كيف أركب المقام دون الصفارة!.


وأذكر أنى كنت أقرأ فى الميريلاند بحضور الموسيقار كمال الطويل وكان” صوتى متشعلق” فوق لدرجة أنى أحسست بأنه سوف ينشرخ، فعملت عُربة ونزلت بصوتى فأشار عليّ كمال الطويل بعلامة الصح وقال لي.. اقرأ من هنا، فالدخول مثل القفلة فلها أهمية للإمساك بالمقام. وهكذا كان عبدالحليم يركب المقام دون صعوبة بل بحسب إمكانيات صوته. وسيد مكاوى عندما لحن لأم كلثوم وعمرها فوق السبعين فى أغنية “يامسهرني” جعل الدخول لها أقل من دخولها فى سنوات الشباب لضعف الصوت بسبب السن.


هل الصوت يضعف بتقدم السن؟


نعم وقد شعرت أن صوتى ضعف عما قبل، لكنه لم يتلف ولكن قوة صوتى من عقدين أو ثلاثة فى الجواب العالى خفتت ولن يشعر المستمع بذلك وكذلك كان صوت الشيخ مصطفى إسماعيل فى شبابه غير تسجيلاته الأخيرة حيث تتراجع طبقة الصوت عن زمان.


وكيف تُعوض تراجع قوة الصوت؟


بالخبرة والدهاء والمراوغة وبالذكاء الفنى نعوض قوة الصوت كذلك إحساسى بالقراءة حالياً أفضل من ٢٠ و٣٠ سنة مضت والفهم أفضل فالقراءة رُقى وارتقاء فالروح والإحساس مهمان.


 



آخر الأخبار