قطوف من ليلة القدر

29/06/2016 - 10:35:41

بقلم: أ.د عباس شومان

لقد اصطفى الله عز وجل أناسًا من خلقه، واصطفى من الملائكة رسلًا ومن الناس، واصطفى من الكلام ذكره، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحُرم، واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالى ليلة القدر.


ومعنى ليلة القدر، أى ليلة الشرف العظيم، فهى ليلة ذات شرف ومنزلة عالية عند الله عز وجل، لما وقع فيها من أحداث وما يكون فيها من الخير، ومن أهم الأحداث التى وقعت فى هذه الليلة الكريمة نزول القرآن العظيم، فقد نزل القرآن العظيم جملة واحدة إلى السماء الدنيا فى ليلة القدر، ومع أن القرآن الكريم ليس هو الكتاب الوحيد الذى أُنزل فى رمضان، حيث أُنزلت صحف إبراهيم فى أول ليلة من رمضان، وأُنزلت التوراة لست ليال مضت من رمضان، وأُنزل الزبور لست عشرة ليلة مضت من رمضان، وأُنزل الإنجيل لثمانى عشرة ليلة مضت من رمضان، إلا أن القرآن الكريم اختص نزوله بليلة القدر تشريفًا وتعظيمًا له عن غيره من الكتب السماوية، يقول الحق تبارك وتعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ}، ويقول تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ}، ويقول سبحانه: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَان}.


إن فضل ليلة القدر عظيم، حيث يقول الحق تبارك وتعالى عنها: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}، والمراد من هذه الآية مختلف فيه بين العلماء، والراجح أن العمل فى هذه الليلة أفضل من العمل فى ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وليس أدل على فضلها من قول النبى - صلى الله عليه وسلم -: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه».


وقد بيَّن الحق تبارك وتعالى ما يقع فى تلك الليلة فى السورة التى تحمل اسمها، حيث قال: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ. سَلَامٌ هِى حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ}، فالملائكة يطوفون بالأرض يستغفرون لكل عبد قامها إيمانًا واحتسابًا حتى يطلع الفجر، وهم أيضًا يحملون ما أذن الله تعالى بحدوثه فى العام التالى من الخير والشر والصحة والمرض والغنى والفقر.. إلا الشقاوة والسعادة والموت والحياة، وفى ذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ. فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ. أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ. رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.


وقد اختلف العلماء فى تحديد وقت ليلة القدر اختلافًا كثيرًا، حيث قيل إن وقتها غير معروف وهى ترجى على مدار السنة كلها فيمكن أن تكون فى أى ليلة من السنة، وقيل إنها فى رمضان خاصة، وقيل إنها فى العشر الأواخر منه، وقيل فى السبع الأواخر، وقيل إنها فى الأوتار من العشر الأواخر، وهذا الأخير هو أرجح الأقوال، لما روى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «خرجت لأخبركم بليلة القدر، وإنه تلاحى فلان وفلان فرُفعت، وعسى أن يكون خيرًا لكم، فالتمسوها فى التاسعة والسابعة والخامسة»، وقوله - صلى الله عليه وسلم-: «تحروا ليلة القدر فى الوتر من العشر الأواخر من رمضان». ومن أهم علاماتها أنها تكون ليلة لطيفة لا حارة ولا باردة، وتشرق بعدها شمس اليوم التالى بلا أشعة.


وتدرك ليلة القدر بالقيام وقراءة القرآن والذكر والتسبيح كلٌّ على قدر استطاعته، حتى إنه ليكفى لإدراكها الحرص على صلاة العشاء والفجر فى جماعة، لقوله - صلى الله عليه وسلم-: «من صلى العشاء فى جماعة فكأنما قام نصف ليلة، ومن صلى الصبح فى جماعة فكأنما صلى الليل كله»، ويقول- صلى الله عليه وسلم-: «من صلى العشاء فى جماعة فقد أخذ بحظه من ليلة القدر».


وفى ليلة القدر يدعو الإنسان بما شاء إلا أن يكون إثمًا أو قطيعة رحم، وأفضل ما يقول العبد فى هذه الليلة هو ما روى من قوله صلى الله عليه وسلم - لعائشة - رضى الله عنها - حين سألته عما تقول فى هذه الليلة، فقال: «قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني».


ويُحرم خير ليلة القدر أناس منهم: العاق لوالديه، وشارب الخمر، والمخاصم لأخيه المسلم، يقول رسول الله – صلى الله عليه وسلم: «إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرم خيرها فقد حُرم الخير كله، ولا يُحرم خيرها إلا محروم».. فاللهم بلِّغنا ليلة القدر وأعنا على قيامها إيمانًا واحتسابًا.