الجنيد.. سيد الطائفة طاووس العلماء

29/06/2016 - 10:28:36

بقلم - أحمد بان

فى سماء التصوف لمعت نجوم عديدة، لكن الكوكب الذى لم تخطئه عين صحيحة ولم يتخلف عن ذكره الجميع هو إمام التصوف بلا منازع، الجنيد الذى رسم طريقا خاصا للتصوف، فمن هو الجنيد؟ هو أبوالقاسم الجنيد بن محمد الجزاز القواريرى، عالم إسلامى جليل أحد أهم أعلام التصوف فى القرن الثالث الهجرى، ولد ببغداد فى نهاية القرن الثانى وعاش حتى بلغ ثمانين عاما ودفن ببغداد، أسس طريقته على حسن التقيد بكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- فقال: «الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى أثر رسول الله، من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا يقتدى به فى هذا الأمر، لأن علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة».


كان بحاله وبعلمه وسلوكه، معلما ومؤسسا لطريقة فى التصوف عرفت باسمه وانتظم بها ملايين الناس دون تنظيمات، يعد المغرب العربى أكثر البقاع تأثرا به، رغم نشأة الرجل بالمشرق، تعد تلك الطريقة مكونا أساسيا فى التدين المغاربى حتى اليوم.


قدم الرجل للمكتبة العربية أكثر من ثلاثين رسالة، تضمنت طريقته وأفكاره منها، السر فى أنفاس الصوفية، أدب المفتقر الى الله، دواء الأرواح، المعرفة، النظر الصحيح إلى الدنيا، رسالة الإيمان، التوحيد، عقبات الوصال، الفرق بين الإخلاص والصدق، فضلا عن العديد من الرسائل إلى إخوانه من العلماء والعارفين.


من أشهر مواعظه: «إنما اليوم إن عقلت ضيفا نزل بك وهو مرتحل عنك، فإن أحسنت نزله وقراه شهد لك وأثنى عليك بذك وصدق فيك، وإن أسأت ضيافته ولم تحسن قراه شهد عليك فلا تبع اليوم ولا تعد له بغير ثمنه واحذر الحسرة عند نزول السكرة فإن الموت آت وقد مات قبلك من مات».


«اتق الله وليكن سعيك فى دنياك لآخرتك فإنه ليس لك من دنياك شىء، فلا تدخرن مالك ولا تتبع نفسك ماعلمت أنك تاركه خلفك، ولكن تزود لبعد الشقة وأعد العدة أيام حياتك وطول مقامك قبل أن ينزل بك قضاء الله ماهو نازل، فيحول دون الذى تريد، صاحب الدنيا بجسدك وفارقها بقلبك، ولينفعك ما قد رأيت مما سلف بين يديك من العمر، وحال بين أهل الدنيا وبين ما هم فيه، فأنه عن قليل فناؤه ومخوف وباله، وليزدك أعجاب أهلها زهدا فيها وحذرا منها فإن الصالحين كانوا كذلك، اعلم يا بن آدم أن طلب الآخرة أمر عظيم لا يقصر فيه إلا المحروم الهالك، فلا تركب الغرور وأن ترى سبيله واخلص عملك، وإذا أصبحت فانتظر الموت، وإذا أمسيت فكن على ذلك ولاحول ولا قوة إلا بالله، وإن أنجى الناس من عمل بما أنزل الله فى الرخاء والبلاء.


يا أبن آدم دينك دينك، نعوذ بالله من النار فإنها نار لا تنطفىء وعذاب لا ينفذ أبدا ونفس لا تموت، يابن أدم إنك موقوف بين يدى الله ربك ومرتهن لعملك، فخذ مما فى يديك لما بين يديك، عند الموت يأتيك الخبر إنك مسئول، ولا تجد جوابا إنك ما تزال بخير مادمت واعظا لنفسك محاسبا لها وإلا فلا تلومن إلا نفسك.


وتحددت طريقة الرجل كما حددها على ثمانية شروط دوام الوضوء، والخلوة، ونية الاختلاء والمداومة على الذكر، ودوام الصيام، وترك الخاطر، ودوام ارتباط القلوب، ودوام الرضا بقضاء الله وترك الاعتراض على الله.


من أقوال معاصريه عنه:


سمعت أبا على الدقاق يقول رؤى فى يد الجنيد مسبحة فقيل له أنت مع شرفك تأخذ بيدك سبحة، فقال طريق وصلت به إلى ربى تبارك وتعالى لا أفارقه أبدا، وقال إسماعيل بن نجيد كان الجنيد يجىء كل يوم إلى السوق فيفتح باب حانوته فيدخله ويسبل الستر ويصلى أربعمائة ركعة ثم يرجع إلى بيته، ودخل عليه ابن عطاء وهو فى النزع الأخير فسلم عليه فلم يرد عليه، ثم رد عليه بعد ساعة فقال اعذرنى فأنى كنت فى وردى، ثم حول وجهه إلى القبلة وكبر ومات وقال أبوسعيد بن الأعرابى سمعت أبا بكر العطار يقول حضرت أبالقاسم الجنيد أنا وجماعة من أصحابنا فكان قاعدا يصلى ويثنى رجله إذا أراد أن يسجد، فلم يزل كذلك حتى خرجت الروح من رجليه فثقلت عليه حركتها وكانتا قد تورمتا، فقال له بعض أصحابه ما هذا يا أبالقاسم! فقال هذه نعم الله، الله أكبر فلما فرغ من صلاته قال له أبو محمد الجريرى يا أبا القاسم لو اضطجعت؟ فقال يا أبا محمد هذا وقت يأخذ فيه الله أكبر فلم يزل ذلك حاله حتى مات رحمه الله.


ودخل عليه شاب وهو فى مرضه الذى مات فيه وقد تورم وجهه وبين يديه مخدة يصلى إليها، فقال وفى هذه الساعة لا تترك الصلاة؟ فلما سلم دعاه وقال شيء وصلت به إلى الله فلا أدعه ومات بعد ساعة رحمة الله عليه، وقال أبو محمد الجريرى كنت واقفا على رأس الجنيد فى وقت وفاته وكان يوم جمعة ويوم نيروز وهو يقرأ القرآن، فقلت له يا أبا القاسم أرفق بنفسك فقال يا أبا محمد أرأيت أحدا أحوج إليه منى فى مثل هذا الوقت وهو ذا تطوى صحيفتى، وقال أبو بكر العطوى كنت عند الجنيد حين مات فختم القرآن ثم ابتدأ فى ختمة أخرى فقرأ من البقرة سبعين آية ثم مات، وقال محمد بن إبراهيم رأيت الجنيد فى النوم فقلت ما فعل الله بك؟ فقال طاحت تلك الإشارات وغابت تلك العبارات وفنيت تلك العلوم ونفدت تلك الرسوم وما نفعنا إلا ركعات كنا نركعها فى الأسحار، وتذاكروا بين يديه أهل المعرفة وما استهانوا به من الأوراد والعبادات بعد ما وصلوا إليه، فقال الجنيد العبادة على العارفين أحسن من التيجان على رؤوس الملوك، وقال الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر الرسول واتبع سنته ولزم طريقته، فإن طرق الخيرات كلها مفتوحة عليه، وقال من ظن أنه يصل ببذل المجهود فمتعن، ومن ظن أنه يصل بغير بذل المجهود فمتمن، وقال أبو نعيم سمعت أبى يقول سمعت أحمد بن جعفر بن هانىء يقول سألت الجنيد ما علامة الإيمان؟ فقال علامته طاعة من آمنت به والعمل بما يحبه ويرضاه وترك التشاغل عنه بما ينقضى ويزول، فرحمة الله على أبى القاسم الجنيد -رضى الله- عنه ما اتبعه لسنة الرسول الكريم.


المتأمل فى تلك الأقول السابقة يتعرف فيها أخلاق العارفين والصالحين، اقتبسوها من مشكاة النبوة المستمدة من الوحى الألهى، والنور الربانى حققوا الكمالات الخلقية والمراتب السامية بحسن الاقتداء، وصحة الأخذ من الشرع الكريم وما أبدع ما قاله أبونعيم الحافظ الأصفهانى عندما وصف التصوف بالقول «أحوال قاهرة وأخلاق طاهرة تقهرهم الأحوال فتأسرهم ويستعملون الأخلاق فتظهرهم، تحلوا بخالص الخدمة فكفوا طوارق الحيرة وعصموا من الانقطاع والفترة، ولا يأنسون إلا به ولا يستريحون إلا إليه فهم أرباب القلوب المتسورين بصائب فراستهم على الغيوب، المراقبون للمحبوب التاركون للمسلوب المحاربون للمحروب سلكوا مسلك الصحابة والتابعين ومن نحا نحوهم من المتقشفين والمتحققين، العالمين بالبقاء والفناء المميزين بين الإخلاص والرياء، والعارفين بالخطرة والهمة والعزيمة والنية المحاسبين للضمائر والمحافظين للسرائر، المخالفين للنفوس والمحازرين من الخنوس بدائم التفكر وقائم التذكر طلبا للتدانى وهربا من التوانى، ولا يستهين برحمتهم إلا مارق ولا يدعى أحوالهم إلا مائق، ولا يعتقد عقيدتهم إلا فائق ولا يحن إلى موالتهم إلا تائق، فهم سرج الآفاق والممدود إلى رؤيتهم بالإعناق بهم نقتدى وإياهم نوالى إلى يوم التلاق، اللهم ألزمنا طريقتهم واحشرنا مع الصالحين منهم بفضلك إنك نعم المولى ونعم النصير.