الاقتصاد الأوربى أكبر الخاسرين

29/06/2016 - 10:10:01

تقرير: عزة صبحي

ارتفاع أسعار الذهب وانخفاض أسعار البترول وهبوط الجنيه الاسترلينى أمام اليورو ليست سوى ردود أفعال سريعة لصدمة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربى


النتائج الحقيقية التى ستترتب على هذا الخروج اقتصاديا وسياسيا لن تظهر قبل شهور قليلة قادمة


خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي قد يستغرق عمليا عدة شهور الاتحاد الأوربي على لسان رئيس المفوضية جون كلود يونكر الذى طالب بريطانيا بسرعة إدخال قرار الشعب البريطاني حيز التنفيذ رغم القسوة التي يمكن أن تكون عليها هذه العملية وأشار أيضاً إلي أن أي تأجيل سوف يطيل حالة الغموض غير الضرورية التي تسيطر الآن علي الأوساط السياسية والاقتصادية وأيضاً علي الرأي العام الأوربي بل والعالمي أيضاً مما سيكون له تأثير علي سلامة كيان الاتحاد الأوربي، أما بريطانيا فلا يعتقد أنها ستقدم طلب الانسحاب رسميا قبل أكتوبر القادم وهو موعد استقالة ديفيد كاميرون رئيس الوزراء ويرجح أنها ستعمل حتي هذا الموعد في ترتيب أوضاعها الاقتصادية والسياسية كذلك عقد اتفاقات ثنائية بينها وبين كل الأطراف التي ستتأثر علاقاتها بها بسبب قرار الخروج وأولهم طبعا الاتحاد الأوربي من محاولة لتقليل حجم الخسائر المتوقعة.


وفي الوقت الذي تنتشر فيه الدراسات والتحليلات حول وجود آثار سلبية أو إيجابية أياً كانت شدتها علي الاقتصاد الأوربي بسبب قرار خروج بريطانيا من الاتحاد وذلك طبقاً لوجهات نظر المحللين فإن معظم المسئولين في الدول الأوربية أعربوا عن وجود آثار سلبية مؤكدة علي الاقتصاد الأوربي، ذلك أن بريطانيا تمثل مكانة متقدمة علي مستوي العالم في أغلب مجالات الحياة وخاصة الاقتصادية، ويعد الاقتصاد البريطاني من أكبر الاقتصادات في العالم بناء علي بيانات البنك الدولي إذ يمثل المركز السابع اقتصاديا في عام ٢٠١١ بعد اقتصاد كل الولايات المتحدة والصين واليابان وألمانيا وفرنسا والبرازيل، كما استطاع التقدم إلي المرتبة الخامسة من أعوام ٢٠١٤ - ٢٠١٥ . وهذا يعني أنه اقتصاد متقدم ومستمر بالتقدم وتمثل بريطانيا ١٦٪ من القوة الاقتصادية للاتحاد الأوربي، كما أن سكان بريطانيا يشكلون ١٣٪ من سكان الاتحاد الأوربي ويفيد عدد السكان في توفير الأيدي العاملة للاتحاد خاصة وأن العمالة البريطانية تتميز بالمهارة، ويعمل الآن في دول الاتحاد الأوربي حوالي مليوني مواطن بريطاني، كما أن معدلات نمو الاقتصاد البريطاني تعد هي الأعلي بين اقتصاديات دول الاتحاد الأوربي حيث بلغت ٢.٥٪ العام الماضي وهي بذلك تنمو أكثر من ثلاثة أضعاف معدلات نمو منطقة اليورو.


إن زيادة النمو الاقتصادي الأوربي تعني زيادة في إنتاج السلع والخدمات مما يتطلب إلي جانب الأيدي العاملة مزيداً من الأسواق لتصريف هذا الإنتاج، خاصة وأن السوق البريطاني يمثل المرتبة الثانية بعد ألمانيا فهو يبلغ ٦٤.٩٦ مليون نسمة أي حوالي ١٣٪ من سكان الاتحاد الأوربي البالغ ٥٠٨.٥ مليون نسمة في عام ٢٠١٥. وجود بريطانيا في الاتحاد يضمن إنسيابية في حركة السلع والأيدي العاملة منها وإليها وخروجها يعني خسارة للاقتصاد الأوربي للسوق البريطاني.


تعد بريطانيا شريكا تجاريا مهما للاتحاد الأوربي إذ تشكل الصادرات الأوربية لبريطانيا ٣٪ من الناتج المحلي الإجمالي في أعوام ٢٠١٠ إلي ٢٠١٤ كما أن ٥٠٪ من الصادرات البريطانية تذهب إلي دول أوربا، والمعروف أن الميزان التجاري يتمتع بفائض تجاري لصالح الاتحاد الأوربي أي أن الاتحاد الأوربي يصدر لبريطانيا أكثر مما يستورد منها ويقدر حجم الفائض ٥٦ مليار جنيه استرليني.


من المتوقع أن تخسر موازنة الاتحاد الأوربي ٩ مليارات جنيه استرليني سنوياً عند خروج بريطانيا من الاتحاد إذ إن بريطانيا تساهم سنويا بـ ١٩ مليار جنيه وتحصل علي ١٠ مليارات جنيه عبر قنوات مثل دعم الزراعة وغيرها، وبالتالي سيكون علي الدول الأخري الأعضاء في الاتحاد تقاسم هذه المبالغ مما يشكل عبئاً إضافياً علي بعض دوله التي تعاني أصلاً من مشاكل اقتصادية.


ويؤكد بعض الخبراء الألمان أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي يعني حرمان الاقتصاد الأوربي من الصدارة علي مستوي العالم وفقدان هيبته. كما يعني زيادة القيود علي انتقال السلع والأشخاص. فعلي سبيل المثال ألمانيا لا تستفيد من السوق الموحدة عندما تبيع السيارات إلي بريطانيا بل تستفيد فقط أيضاً عندما تصنع السيارات، ذلك أن الصناعة الألمانية تعتمد بشكل تام علي الحدود المفتوحة وحرية تنقل الأشخاص والسلع والخدمات وتؤكد دراسة ألمانية أن الاقتصاد الألماني سيتكبد خسائر ما بين ٦.٢ مليار استرليني و٤١ مليار استرليني بعد خروج بريطانيا.


من أهم أمثلة الدول التي ستتأثر بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي الولايات المتحدة ممثلة في شركاتها، فالمعروف أن هناك مجموعة واسعة من الشركات الأمريكية في عدة مجالات مثل الملابس والسيارات والخدمات المالية وغيرها تركز أنشطتها في بريطانيا بسبب نظامها الضريبي المناسب فضلا عن الثقافة واللغة المشتركة. كما أن بريطانيا كانت تعتبر نافذة هذه الشركات الأمريكية للعبور إلي باقي دول الاتحاد الأوربي، ويقول رئيس غرفة التجارة الأمريكية إن الاستثمارات الأمريكية في بريطانيا تزيد قيمتها الإجمالية علي ٥٠٠ مليار دولار. كما أن للخدمات المالية الأمريكية لها حضور واسع في حي المال والأعمال في لندن حيث توظف شركات وول ستريت العملاقة عشرات الآلاف في بريطانيا.


وتأمل الشركات الأمريكية في أن تحرص بريطانيا في حال خروجها من الاتحاد علي عقد اتفاقيات جديدة لحرية تنقل السلع والخدمات والأشخاص داخل الاتحاد لأن دون ذلك ستتكبد الشركات الأمريكية خسائر باهظة. شركة فورد علي سبيل المثال توظف ١٤ ألف شخص في بريطانيا وتحقق فيها ٢٠٪ من إيراداتها وهي لا تستبعد تغييراً استراتيجياً في حال لم تعد تجني نفس الأرباح. كذلك شركة جنرال موتورز أكبر شركة سيارات في الولايات المتحدة. إنه من المهم أن تستمر الاستفادة من حرية نقل البضائع والأشخاص حتي تبقي في بريطانيا. كما أكدت شركات كبري أخري مثل بنسكس للمواصلات أنها تتوقع تراجع إيراداتها في بريطانيا والتي تمثل ثلث دخلها العام، كذلك شركة زيروكس التي أكدت أنها ستراجع موقفها خلال الشهور القليلة القادمة من بقائها في بريطانيا.


وفي مقابل هذه المخاوف فإن قطاعاً صغيراً في الولايات المتحدة قد يجني أرباحاً من القرار البريطاني وهو القطاع العقاري حيث يتوقع أن يهرب الكثير من الأثرياء من بريطانيا ويبيعوا أملاكهم هناك ويرغبوا في الاستثمار في العقارات في الولايات المتحدة.


وفي نطاق الدول المستفيدة من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي تبرز لكسمبورج في المقدمة التي تؤكد رسمياً رغبتها في بقاء بريطانيا لكن في الكواليس لا تخفي سعادتها بخروج بريطانيا، ويعتبر الكثير من العاملين في الأسواق المالية أن خروج بريطانيا ستكبح السوق المالية لأوربا والعالم، ويستبعد بالفعل القطاع المصرفي في لكسمبورج الذي يضم ١٤٣ مؤسسة لاستقبال مصارف جديدة تنتقل من لندن وهي تابعة لدول من خارج الاتحاد مثل الولايات المتحدة واستراليا وكندا وسويسرا وتركيا، ستحاول لكسمبورج توفير مقار رئيسية مناسبة ودعوة المجموعات العالمية الكبري إلي نقل مقارهم الأوربية إلي لكسمبورج. كما تسعي لكسمبورج للفوز باحتضان المقر الأوربي للبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية بدلاً لندن التي كانت المنافسة الأولي لها في هذا المجال.