بريطانيا تحول حلم الوحدة الأوربية إلى كابوس بفرنسا

29/06/2016 - 10:06:08

  مشهد قبل الانفصال.. فرنسا وألمانيا وبينهما بريطانيا.. ثلاثة أطراف أوروبية بارزة تقرأ المصير مشهد قبل الانفصال.. فرنسا وألمانيا وبينهما بريطانيا.. ثلاثة أطراف أوروبية بارزة تقرأ المصير

رسالة باريس ماهيتاب عبد الرؤوف

عقب تصويت البريطانيين لصالح خروج بلادهم من الاتحاد الأوربى، انتابت حالة من الصدمة جميع أنحاء فرنسا، حيث إن انفصال بريطانيا - أحد أكبر وأهم دول الاتحاد -يعد بمثابة أكبر انتكاسة يشهدها الاتحاد الأوربى ومؤيدو الوحدة الأوربية ويمثل انتصارا للتيارات المتطرفة.


وفور أن استيقظت أوربا على هذا الخبر الحزين، خرج الرئيس الفرنسى ليعرب عن أسفه العميق للخيار المؤلم الذى أسفر عنه استفتاء البريطانيين، وليحذر من خطر تصاعد الشعبوية والتيارات المتطرفة، مؤكدا أن هذا الخيار يضع أوربا أمام اختبار خطير وأن على أوربا إظهار قوتها.


وعبر الرئيس الفرنسى فى اتصال هاتفى برئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون عن حزنه وإحباطه وعقد اجتماع أزمة مرتين فى نفس اليوم مع أعضاء الحكومة الفرنسية والتقى بمختلف السياسيين بالبلاد فى محاولة لتهدئة هذا الزلزال ولبحث الخطوات المستقبلية وتداعيات خروج بريطانيا، كما توجه أولاند إلى برلين للقاء المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل وكذلك رئيس وزراء إيطاليا ماتيو رينزى وذلك قبل المشاركة فى الاجتماع الطارئ للمجلس الأوربى لمناقشة العواقب المترتبة على انفصال بريطانيا واتخاذ القرارات المناسبة لذلك.


وفى المؤتمر الصحفى الذى عقد عقب الاجتماع الوزارى الطارئ الذى ترأسه أولاند، وصف المتحدث باسم الحكومة ستيفان لوفول خروج بريطانيا بالصدمة التى لا بد من معرفة احتوائها وتوضيحها، ويتعين اتخاذ القرارات بطريقة شفافة وواضحة لكل أوربا.


وأكد لوفول أن إرادة فرنسا التى عبرت عنها هى احترام تصويت البريطانيين وتفعيل القرارات على وجه السرعة وبشكل واضح حتى تدرك كافة الأطراف أين نذهب وكيف نفعل ذلك، وشدد المتحدث باسم الحكومة على أن خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوربى لن يغير فى الاتفاقيات الثنائية حول الهجرة.


قلق من أزمة اللاجئين على الحدود بين البلدين.


الاتفاق حول قضية اللاجئين والمهاجيرن غير الشرعيين يعد أحد أهم الاتفاقات بين البلدين، حيث يتدفق المهاجرون على مدينة كاليه شمال فرنسا المطلة على بحر المانش الذى يفصل بين فرنسا وبريطانيا، وخروج المملكة المتحدة من أوربا يثير مخاوف حول مصير الاتفاق الموقع فى هذا الشأن، ويقضى اتفاق «توكيه» الذى يرجع للعام ٢٠٠٣ بأن تقوم بريطانيا بإجراء المراقبة الحدودية فى كاليه لوقف المهاجرين الراغبين فى الوصول إلى أراضيها عبر الحدود مع فرنسا.


وقد طالبت ناتاشا بوشار عمدة مدينة كاليه بإعادة التفاوض مع بريطانيا على اتفاقات توكيه فى ضوء استمرار تدفق المهاجرين الذين يحاولون الذهاب إلى المملكة المتحدة، وصرحت بوشار بأنه على البريطانيين تحمل عواقب اختيارهم فى إشارة منها إلى ضرورة تعديل الاتفاق بالرغم من كونه اتافقا ثنائيا بين فرنسا وبريطانيا.


وقالت: نحن اليوم فى موقع قوة لدعم مطلب مراجعة الاتفاقات ونطالب رئيس الجمهورية بالضغط بكل ثقله، مشيرة إلى ما تتحمله بلادها من عبء تدفق المهاجرين الراغبين فى التوجه إلى المملكة المتحدة خلال الأعوام العشرين الماضية.


انكماش استراتيجى


كما تتخوف فرنسا كذلك بعد خروج بريطانيا من مصير التعاون الثنائى فى المجال الدفاعي، حيث تقضى اتفاقات لانكسترهاوس العسكرية المبرمة بين فرنسا وبريطانيا فى العام ٢٠١٠ بتشكيل قوة مشتركة من الآلاف من الجنود وحشد وسائل مشتركة فى الصناعات الدفاعية، وقد شدد وزير الدفاع الفرنسى جون ايف لودريان على ضرورة أن تظل المملكة المتحدة شريكا مرجعيا فى مجال الدفاع رغم خروجها من الاتحاد الأوربى وألا تستسلم للانكماش الاستراتيجى.


وقال لودريان لدينا شريك مرجعى فى المسائل الأمنية وهو المملكة المتحدة.. ومن مصلحتنا أن يظل كذلك، وأضاف لودريان أن بريطانيا هى أحد الشركاء الأوربيين الوحيدين مع فرنسا التى تمتلك القدرات والإرادة معا للحفاظ على جهاز أمنى ذى مصداقية وفعال على المستوى الدولى.


وتابع أن المملكة المتحدة هى الشريك الأكثر قدرة على الانتشار فى الخارج عند الاقتضاء وكذلك على تنمية علاقات تعاون صناعية على أعلى مستوى، مذكرا بالمشروعات المشتركة بين البلدين فى مجالات الصواريخ والطائرات بدون طيار المستقبلية وأكد وزير الدفاع أن كلها أسباب لمواصلة العمل سويًا لتفادى الانكماش الاستراتيجى الذى يمكن التخوف منه عقب هذا الاستفتاء.


أوربا جديدة


وفى ظل مخاوف السياسيين الفرنسيين على حلم أوربا الموحدة طالب الرئيس الفرنسى السابق نيكولا ساركوزى رئيس حزب الجمهوريين بتأسيس أوربا جديدة معتبرا أن خروج بريطانيا سببه رفض الشعوب لأوربا كما تعمل حاليا، واقترح إعادة تأسيس الاتحاد وبلورة معاهدة جديدة تشدد على خمس أولويات: هى الإبقاء على الحدود وليس إلغاءها كما هو الحال حاليا، والبحث فى اتفاقية شنجن رقم ٢، ورفض حرية التنقل لغير الأوربيين داخل الاتحاد ما يعنى العودة إلى التأشيرات التقليدية وانتهاء تأشيرة شنجن، وإنشاء سلطة اقتصادية لمنطقة اليورو مع رئيس دائم تكون مهمته الأساسية توفير استقلالية أوربا وإعادة الصلاحيات السيادية إلى الحكومات الوطنية، إلى جانب وقف توسيع الاتحاد ورفض انضمام تركيا إليه.


عدوى بريطانية


ما تريده فرنسا حاليا هو خروج سريع ومنظم لبريطانيا من التكتل الأوربى حتى لا تغرق أوربا فى مأزق وتبدأ فورا فى إعادة ترتيب الأوراق ولم شمل الاتحاد. وقد طالب وزراء خارجية الدول الست المؤسسة للاتحاد الأوربى عقب اجتماع طارئ لهم ببرلين - بريطانيا بالمشروع فى أسرع وقت ممكن فى آلية الخروج من الاتحاد الأوربى، ودعا وزير الخارجية الفرنسى جان مارك إيرولت إلى تعيين رئيس وزراء بريطانى جديد فى غضون أيام خلفا لديفيد كاميرون، الذى استقال إثر قرار البريطانيين الانسحاب من الاتحاد الأوربى، وقال إيرولت : بالتأكيد يجب تعيين رئيس وزراء جديد، الأمر سيستغرق على الأرجح بضعة أيام لكنه ملح.. نطلب احترام المادة ٥٠ وتطبيقها، الأمر ملح ويخدم مصلحة البريطانيين والأوربيين على حد سواء، نطلب احترام الدول الـ٢٧ الأخرى.


ووسط هذا الانزعاج الكبير والصدمة القوية بفرنسا لانفصال أكبر أعضاء الاتحاد الأوربى، تعالت أصوات فرنسية مرحبة ومطالبة بانهاء هذا التكتل وبعودة كل بلد أوربى إلى حريته واستقلاليته وهذه الأصوات قد تمثل عائقا أمام فرنسا والدول المؤسسة للاتحاد التى تسعى لطى صفحة بريطانيا سريعا تخوفا من عدوى بريطانية بين دول أوربا وكذلك من استقواء اليمين المتطرف الذى يرفض الاتحاد الأوربى والشنجن والعملة الموحدة ويطالب بإعادة فرض السيادة على الحدود الداخلية. كان من أبرز هذه الأصوات هو صوت مارين لوبان، زعيمة الجبهة الوطنية اليمين المتطرف والتى وصفت خروج بريطانيا من أوربا بأنه انتصار للحرية، مذكرة بمطالبتها بخطوة مماثلة منذ سنوات، وإلى وجوب تنظيم استفتاء مماثل فى فرنسا وباقى دول الاتحاد الأوربى.


وقالت لقد حان الوقت لإجراء استفتاء فى فرنسا وغيرها من دول أوربا، ومن جهته صرح فلوريان فيليب نائب رئيس الجبهة بأن حرية الشعوب تفوز دوما فى النهاية! برافو للملكة المتحدة.. الدور علينا الآن.


كما أعلنت ماريون مارشال لوبان، ابنة شقيق مارين لوبان والقيادية أيضًا فى الجبهة - التى حققت نتائج جيدة فى الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة - أن هذا سيكون الموضوع الرئيسي للانتخابات الرئاسية الفرنسية المرتقبة أبريل المقبل.