بريطانيا والعالم .. من المعلوم إلى المجهول

29/06/2016 - 10:03:13

د. حسن أبوطالب

يشكل الخروج البريطانى من الاتحاد الأوربى حدثا تاريخيا بكل معنى الكلمة، ليس فقط لأنها المرة الأولى التى تقرر فيها دولة عضو الخروج من منظومة اقتصادية قانونية اقتصادية دفاعية معقدة وحسب. ولكن لأن بلدا بحجم بريطانيا، قررت تلك الخطوة، فهى خامس أكبر اقتصاد فى العالم والقوة النووية الثالثة فى العالم وأعرق النظم الديمقراطية، والقوة الاستعمارية السابقة والتى ما زال لها تأثير معنوى ومادى كبير على الكثير من مستعمراتها السابقة من خلال منظومة دول الكومنولث ذات السبعة وعشرين بلدا فى ثلاث قارات كبرى، فضلا عن أن دورها فى شئون الاتحاد الأوربى كان رئيسيا على مدار ٤٣ عاما، ويشكل فى حد ذاته محورا يوازن محور باريس برلين لوكسمبورج معا، ناهيك عن العلاقة الخاصة التى تجمع بريطانيا والولايات المتحدة، والتى من خلالها كان يتسرب الكثير من التأثير الأمريكى إلى الجسد الأوربى كله.


تاريخية الحدث لا تتوقف على أوربا وحدها، بل تمتد إلى العالم كله، فثمة توازن جديد على قمة النظام الدولى غير معروف التوجه، والذين أشاروا إلى أن نتيجة الاستفتاء الصدمة تصب فى صالح روسيا بوتين لم يبالغوا كثيرا، فالاتحاد الأوربى فقد أحد أعضائه المهمين، ورغم أن عملية الخروج قد لا تظهر نتائجها الكلية قبل عامين، ففى كل الأحوال سيكون على بريطانيا الجديدة غير الأوربية، سواء استمرت كاتحاد بريطانى أم تعرضت للتفكك، أن تتفاوض لاحقا مع الدب الروسى لتنظيم العلاقات بينهما فى شتى المجالات، وحينها سيكون تفاوضا ثنائيا أقل وطأة مقارنة بالتفاوض مع اتحاد يضم ٢٧ دولة وله مكانته الكبرى فى الاقتصاد والأمن العالميين.


التداعيات والنتائج لهذا الخروج كثيرة، بعضها يمكن توقعه، لكن الكثير منه يصعب ترجيحه على وجه الدقة، وهنا تبدو التحليلات التى تدور حول فكرة الدوامة والآثار غير المضمونة وغير المأمونة والمفاجآت والمطبات التى يصعب تصورها الآن هى الأكثر يقينا. ولعل ذلك يجعل من قرار رئيس الوزراء البريطانى بالاستقالة بعد ثلاثة أشهر نوعا من محاولة استيعاب الصدمة ولكن بهدوء وتدرج، وفى الوقت نفسه دفع البلاد إلى قدر من الاستقرار النسبى بعيدا عن المبالغات والتطلعات غير المحسوبة، وبحيث يمكن التفكير الهادئ والمحسوب فى الطريقة التى يجب أن تُدار بها عملية الخروج، والتى قد تمتد إلى عامين وفقا للمادة ٥٠ من اتفاقية لشبونة، وهى المادة الوحيدة التى تتحدث عن عملية تفاوض مع الدولة الراغبة فى الخروج من مظلة الاتحاد وقوانينه والتزاماته، ولكن دون وضع معايير محددة أو ضوابط، بل ترك الأمر كله للتفاوض بين الاتحاد والدولة الراغبة فى الخروج. وهو أمر يمثل عبئا على الطرفين معا، ولكن لا مفر منه.


خروج بلا تصور


لقد تبين أن دعاة الخروج البريطانى أنفسهم، والذين انتشوا بانتصارهم ليس لديهم تصور متكامل لتنظيم هذا الخروج، بل إن الرئيس التنفيذي لحملة خروج بريطانيا ماثيو إليوت، يرى لا ضرورة لسرعة التفاوض من أجل الخروج، بل ويزعم أن رئيس الوزراء الحالى كاميرون هو المنوط به أن يقود هذا التفاوض، فيما يعكس حجم الورطة التى تواجه أنصار الخروج لتحويل الأمر إلى واقع معاش بأقل التكاليف الممكنة، خاصة أن التداعيات المباشرة لقرار الخروج كانت سلبية، سواء انخفاض قيمة العملة بنسبة ١٠٪ ومحتمل أن ترتفع نسبة الانخفاض لاحقا، وتخفيض المؤسسات المالية تصنيف الاقتصاد البريطانى من مستقر إلى سلبى، وقيام بعض المؤسسات المالية والبنكية الكبرى بسحب عدد من موظفيها من لندن، وإعلان مؤسسات أخرى نيتها خفض أعداد الموظفين البريطانيين لديها، بل والانتقال من لندن، وهى العاصمة المالية الأوربية والعالمية المؤثرة، إلى مدن أوربية أخرى، والغموض بشأن حريات الانتقال والسفر والعمل فى البلدان الأوربية السبعة والعشرين.


ما يراه أنصار الخروج من أنه تحقق لهم استقلال بريطانيا وحريتها مقابل قيود العضوية فى الاتحاد، لا يعنى إطلاقا فوز بلا ثمن، فالاتحاد البريطانى نفسه الآن يواجه اختبارا قويا، إنه اختبار البقاء والاستمرارية بين أربعة مكونات عاشت معا منذ عام ١٧٠٧، بيد أن مُكونين كبيرين فى الاتحاد البريطانى وهما أسكتلندا وأيرلندا، يعتبران قرار الخروج هو ضد مصالحهما المباشرة، فهما يريدان الاستمرار فى الفضاء الأوربى لما يوفره لهم من هوية جماعية تغنيهم عن مواجهة الكثير من المشكلات المعقدة بصورة منفردة، فضلا عن المكاسب الاقتصادية والتجارية والتبادلات السياحية السلسة, الآن كل شئ معرض للاختفاء مقابل مجهول لا يمكن التنبؤ به، ولعدم الخوض فى المجهول غير المقبول، بدأ التصريح على لسان رئيسة وزراء أسكتلندا نيكولا ستارغنبنية إعادة النظر فى البقاء فى الاتحاد البريطانى نفسه، من خلال الدعوة إلى استفتاء جديد يقول فيه الشعب اختياره، فإما اتحاد أوربى وإما اتحاد بريطانى، أو بمعنى آخر استفتاء للخروج من اتحاد لم يعد يواكب تطلعات الأسكتلنديين. والأمر نفسه ألمحت إليه رئيسة وزراء أيرلندا، وهكذا يرد الاستفتاء المنتظر فى كل من أسكتلندا وأيرلندا على استفتاء الصدمة والمجهول، وإذا كان أنصار الخروج البريطانى قد حققوا هدفهم، فعليهم أن يدفعوا الثمن فى صورة تفكك بلدهم الأم، والنزول بها إلى مجرد بلد لا يتجاوز الجزر البريطانية التقليدية مخصوما منها قدرات وإمكانيات بلدين آخرين لهما أيضا إسهاماتهما الكبرى فى الناتج القومى الإجمالى للاتحاد البريطانى. وعندها فإن الذين يتحدثون عن أمة عظيمة وخامس أكبر اقتصاد فى العالم ومنظومة فعالة من العلوم والاختراعات والإبداعات والصناعات المدنية والعسكرية، عليهم أن يعيدوا النظر فى كل هذه الأمور. ولا شك أن هذا ثمن كبير لا يمكن تبريره للأجيال المقبلة.


مزيد من التبعية


والأكثر ترجيحا أن ما سيتبقى من المملكة المتحدة لن يكون بالقدر نفسه من التأثير العالمى، فثمة عزلة مٌرجحة ستحيط بهذا البلد، وهى عزلة جزء منها مقصود، ستكون بمثابة درس لمن يتعالى عن منظومة اقتصادية وسياسية وأمنية لعبت دورا مهما فى الحفاظ على السلام الأوربى والعالمى لمدة ستة عقود، وأتاحت لبريطانيا رغم بعض المشكلات وزنا عالميا سيكون من الصعب تحقيقه مستقبلا. والغالب أن ما سيتبقى من المملكة المتحدة بافتراض خروج كل من أسكتلندا وأيرلندا فى غضون أقل من عام، سيجد التعويض فى مزيد من الارتماء فى الأحضان الأمريكية، والمرجح سواء جاء الجمهوريون وفاز دونالد ترامب الذى رحب بخروج بريطانيا ومتمنيا انهيار أوربا، أو استمر الديمقراطيون فى البيت الأبيض بافتراض فوز هيلارى كلينتون، فكلاهما سيجد أنه يتعامل مع بريطانيا جديدة، بلا تأثير فى السياسات الأوربية، ومعزولة عن قارتها الأم وبحاجة إلى فك تلك العزلة بشتى الوسائل، وتبحث عن مصير جديد، ودور جديد بأدوات ونفوذ أقل، ولا شئ منتظر فى ظل هذه المعادلات سوى مزيد من خضوع بريطانيا أو ما يتبقى منها للنفوذ الأمريكى. وبدلا من علاقة تزاوج سياسية واستراتيجية على قدر من الندية، سنكون أمام علاقة تبعية كاملة. وعندها سيصعب على هؤلاء الذين وصفوا يوم الخروج من المنظومة الأوربية بأنه عيد للاستقلال، أن يرددوا هذا الوصف مرة أخرى، إنه بداية التفكك والخضوع والتبعية والعزلة الدولية، فأى استقلال هذا؟


التحدى الأوربى .. الفكرة والمؤسسات


وبقدر ما يشكل الخروج البريطانى تحديا عظيما للبريطانيين أنفسهم، نخبة وعامة، فهو تحد للمنظومة الأوربية نفسها من حيث الفكرة وفعالية المؤسسات والقدرة على استرداد الزخم وابتداع حلول غير تقليدية للمشكلات (الأمن والجماعات الإرهابية وفعالية منطقة اليورو ولجوء المهاجرين والتباطؤ الاقتصادى) و التى تفاقمت فى السنوات الست الماضية وشكلت بؤرا للخلاف والتراشق بين القادة الأوربيين أنفسهم. والظاهر من ردود الفعل الأولى للقادة الأوربيين، خاصة قادة الدول الست المؤسسة للاتحاد الأوربى (ألمانيا وفرنسا وهولندا وإيطاليا وبلجيكا ولوكسمبورج) أنهم جميعا باتوا يدركون أن الرأى العام لا يمكن الاستهانة به خاصة إذا تعرض لتأثيرات شعبوية تستند إلى الأوهام، وأنه قادر على تحويل الدفة إلى اتجاهات صعبة بكل المقاييس، وأن الحل لذلك هو فى إعادة إحياء أوربا عبر زيادة فعالية المؤسسات الأوربية، وعدم السماح للاتجاهات اليمينية الساعية إلى تفكيك العقد الأوربى بأن تحدد بوصلة الاتحاد فى السنوات المقبلة، والأهم البحث عن حلول غير تقليدية للمشكلات الجوهرية وبما يجعل جاذبية الاتحاد فى أعلى درجاتها لاسيما لدى الأجيال الجديدة التى نشأت فى ظل الاتحاد الأوربى وما شكله من سلام للقارة العجوز ولم تعرف من قبل كوارث الحروب والصراعات الأوربية.


زيادة جاذبية الاتحاد والحلول غير التقيدية ورفع مستوى الفعالة تحديات كبرى فى حد ذاتها، ولكن لا بديل عنها. ولعل الاجتماعات الأوربية لعدد من القادة الأوربيين التى أعلن عنها بمبادرة ألمانية وفرنسية ستبحث فى العمق مثل هذا الأمر، من أجل بلورة استراتيجيات تتحول بعد ذلك إلى سياسات أوربية تحظى بالإجماع. لكن الأمر لن يقف عند هذا الحد، فهناك نزوع أوربى إلى سرعة إتمام مفاوضات الخروج البريطانى وبحيث تبدأ التداعيات السلبية فى الظهور لكل من يريد النكوص عن عضوية الاتحاد، وبالتالى يتشكل نوع من الردع المعنوى. والغالب أن الأوربيين وبعد إتمام الخروج البريطانى سيضعون شروطا قاسية أمام بريطانيا الجديدة والمعزولة فى علاقاتهم الجديدة معها، سيكون خروجا بلا رجعة، فضلا عن أن كثيرا من الدول الأوربية منفردة ستدخل فى مفاوضات من نوع آخر مع لندن لتنظيم علاقاتهما الثنائية، أو بالأحرى لتكثيف الضغوط على ما يتبقى من بريطانيا، وبالتالى يصبح الخروج البريطانى درسا شديد الوطأة لمن يرغب أو قد يفكر فى خطوة خروج أخرى.


لقد عاش العالم وعشنا معه طويلا ونحن نتحدث عن حالة الاتحاد الأوربى كنموذج للتعاون الإقليمى بين عدة دول كل منها له لغته وتراثه وتاريخه وهويته الذاتية، ولكنهم وبدوافع اقتصادية وأمنية وحضارية باتوا يصيغون رغم كل الصعوبات والتحديات هوية أوربية جديدة تنخرط فيها الدول وإن بدرجات مختلفة ولكنها متقاربة، وكان يُنتظر من عامل الزمن أن يتكفل بتذويب ما يتبقى من خلافات، وبحيث ينتهى الأمر بعد عقد أو اثنين إلى أوربا موحدة أكبر، أو قطب دولى بالمعنى الاصطلاحى أكبر من أن تكون منطقة للتبادل التجارى الحر أو منطقة لعملة مشتركة. وهنا تبدو المعضلة الفكرية والسياسية التى يشكلها الخروج البريطانى، فنحن أمام ضربة فى الصميم للفكرة الأوربية ذاتها، وضربة أخرى لفكرة أن الاقتصاد ووحدة المخاوف والتهديدات يمكنهما أن يلعبا الدور الأكبر فى إعادة بناء الهويات الجماعية فوق الهويات الذاتية والفردية. كل ذلك الآن محل إعادة نظر. وليس أمام أوربا سوى إعادة الإحياء بكل ما تعنيه الكلمة من مضمون وسياسات وإجراءات وحوارات فكرية. فإما أن تبقى المنظومة قابلة للتطور والتجديد الذاتى أو تتحول إلى مجرد ذكريات تاريخية، وعندها سيكون على العالم بأسره أن يبحث عن أمنه وآمانه وسلامه وفق مفاهيم ومضامين غير تلك التى نعرفها.