مراهنات «صقر التنظيم»

29/06/2016 - 9:47:20

  ائتلاف دعم الشرعية.. الفاقد لأى شرعية ائتلاف دعم الشرعية.. الفاقد لأى شرعية

بقلم - العميد:خالد عكاشة رئيس المركز الوطنى للدراسات الأمنية

فى الحلقة السابقة من هذه الدراسة ذكرنا أنه كان لدى «محمود عزت» مجموعة من المراهنات سيدفع بمهاراته التنظيمية عليها، من أجل خلق واقع جديد يمكنه من العمل على جمع شتات جماعة الإخوان ودفعا أيضا لمسيرة استهداف نظام ٣٠ يونيه، واستعرضنا فى الحلقة السابقة مراهنته على التصعيد الإرهابى من خلال العلاقة الوطيدة ما بين «جماعة الإخوان» و»تنظيم أنصار بيت المقدس» بسيناء، وقيام الأخير بالعديد من العمليات لصالح الإخوان فيما سمى بـ”الإرهاب بالوكالة” فى أكثر من موجة تصعيد بمحطات مشتركة سابقة، المفتاح الذهبى الذى يمتلكه «محمود عزت» فى هذا الأمر هو علاقاته الصلبة بالصف القيادى الأول لـ”حركة حماس” الذى يمتلك قرار دعم الإرهاب فى سيناء، و»حركة حماس» الإخوانية والتى تعد الفرع الفلسطينى للجماعة لديها الخبرات التكتيكية واللوجيستية فى تقديم الدعم المطلوب منها، بنفسها أو عبر تنظيمات أخرى بقطاع غزة


فهناك العديد من التنظيمات المسلحة بداخل قطاع غزة تبدو فى العلن ومن خلال اسمها أنها لا تتبع حركة حماس، لكنها فى حقيقتها هى أحد الأجنحة المختصة بالعمل السرى المظلم، هذا النوع من الأعمال التى لا تستطيع حماس الاعتراف به علانية أو انكشاف أنها تقف وراءه قبل ثلاثة من الأجهزة الأمنية ترقب عن كثب ما يدور بقطاع غزة، الأول هو الجهاز الأمنى للسلطة الفلسطينية الموجودة برام الله والتابع لمنظمة فتح، وهؤلاء من انقلبت عليهم «حركة حماس» فى العام ٢٠٠٦م، الجهاز الثانى هو الأمن الإسرائيلى الذى يمتلك عبر “جهاز الشاباك» وهو جهاز استخبارات الداخل سبل مراقبة ما يدور بداخل القطاع، فضلا عن امتلاكه لعدد كبير من العملاء الذين يعملون لحسابه من بين سكان القطاع، والجهاز الأمنى الثالث هو الأمن المصرى الذى يستطيع عبر العديد من الوسائل تكوين صورة أقرب لحقيقة ما يدور بداخل قطاع غزة، لذلك فأمام تلك الأجهزة الثلاثة تحتاج «حركة حماس» لمجموعة من التنظيمات الأخرى التى تلعب دور «الدوبلير» التى يمكن للحركة سرعة التنصل من أفعالة بمجرد انكشافها أمام أحد من هؤلاء المذكورين، وقد ذكرنا سابقا تنظيم «جيش الإسلام» بقيادة «ممتاز دغمش»، وهو بالفعل أحد أشهر التنظيمات الدوبلير التى تم الإشارة إليها، وتعد عملية «اختطاف الجندي/ جلعاد شاليط» أحد أشهر العمليات التى نفذها «جيش الإسلام» لصالح حركة حماس التى تفاوضت هى مع الجانب المصرى فى “صفقة إطلاق سراحه”، المفتاح الذهبى المقصود هنا هو امتلاك حماس لمجموعة هامة من خطوط التواصل مع تنظيمات سيناء يجعل تعاونهما موجودا على الساحة دوما، وما لا تستطيع القيام به بنفسها فى هذا الارتباط يمكن إسناده إلى تنظيمات أخرى لها أيضا أدوار هامة فى دعم الإرهاب المسلح فى سيناء، «محمود عزت» صقر التنظيم وذو الشعبية الكبيرة بين قيادات غزة يعلم تلك التركيبة المعقدة من خطوط الاتصال والتعاون، ويستطيع أن يدخل على ساحتها مخططا وآمرا وحاصدا لما يسفر عنه هذا العمل المشترك.


المراهنة الثانية لـ”محمود عزت” لها وجه مقارب لأعمال “الدوبلير”، لكنها ليست فى العمل الإرهابى المسلح، إنما هى واجهة سياسية يمكن من خلالها تمرير الرسائل ومخاطبة الإعلام والرأى العام، هذه الواجهة ظهرت مبكرا فيما بعد ثورة ٣٠ يونيه ٢٠١٣م وها هى تعود للمشهد مرة أخرى، فالأجندة الإخوانية تكاد لا تتغير خططيا أو تكتيكيا، المقصود هنا هو «التحالف الوطنى لدعم الشرعية» الذى كان كيانا هلاميا فى أول ظهوره كشف الجميع أن صوته إخوانيا تاما، وظل هلاميا مشوشا، حتى خرج منه كافة عناصره من أحزاب دينية وشخصيات غير مؤثرة الواحد تلو الآخر واتفق جميعهم أن عناصر الإخوان العامله خلف ستاره، هم من مارسوا ديكتاتورية التخطيط والقرار، مما دفعهم للانسحاب تباعا وهذا التكوين كان مما أداره «محمود عزت» فى الفصول الأولى للمجابهة، وبعد هذا السقوط الذريع لهذا التكوين السياسى وتهافت أطروحاته وعمله وتأثيره على مشهد مجابهة ثورة يونيه يعود «صقر التنظيم» لمحاولة بعثه من موات كامل، وهذا ما دفع التحالف لأن يخرج بالتزامن مع الشريط الصوتى لـ”محمود عزت” ليتحدث بنفس لهجته القديمة فى بيان منسوب إليه، “واقع مخيف تعيشه مصر، مع أعداد فقراء تتزايد، ومظلومين قابعين فى السجون بالآلاف، وعمال تشرد، واقتصاد ينهار، ومشروعات وهمية لولا تضليل الإعلام، وفشل فى مواجهة الأزمة لتسريبات امتحانات الثانوية العامة، وانتشار الحرائق، أو العثور على الطائرة المنكوبة»، هكذا بدأ التحالف بيانه بتلك اللهجة والعناوين التى تضرب الاتهامات هنا وهناك وتجمع المشاهد التى حظيت بمتابعة جماهيرية لتضمنها إلى البيان، قبل أن تعلن عن توجيه الحديث للخارج الذى يشكل البوصلة والدعم، مما يدفع هذا التحالف لاستخدام التكتيك الإخوانى المعتاد، وهو يتمثل على مدار تاريخ الجماعة وعلى كافة ساحات العمل التنظيمية فى مصر وغيرها من الفروع المماثلة الموجودة بالإقليم، وذلك باستثارة أطراف خارجية لمساندتها أو بإلقاء اتهامات عليها من أجل خلق حالة قلق ما يمكن استثماره، “إن التحالف الوطنى لدعم الشرعية ورفض الانقلاب، إذ يؤكد على أهمية نصرة الفقراء والمظلومين برفع مطالبهم فى كل مكان بالداخل والخارج، وفضح مخططات لصوص النظام الفاشل، وكشف الفساد الذى يتستر عليه الانقلاب، فإنه يدعو لإسبوع غاضب ينطلق من غد تحت عنوان (انصروا الفقراء والمظلومين) ضمن موجته الثورية»، وهذه الفقرة من البيان تقدم نشرة واضحة لكروت العمل، خاصة مع ذكر العمل بالداخل والخارج واستحضار توصيف الانقلاب الذى لم يستخدمه سوى الإخوان وأطراف الخارج المشار إليهم، ولهؤلاء مجموعة من التهديدات والوعيد وتارة أخرى الترغيب فى إمكانية دخولهم على المعادلة ولعب بعض الأدوار لصالح من يستثيره البيان ويرغب فى استثماره، “إنه استعادة للربيع العربى واستقرار للخليج، ونهاية لحكم المجرم بشار، وهزيمة للثورة المضادة باليمن، واستعادة لليبيا دولة قوية متماسكة، فالثورة المضادة فى مصر هى سبب انتكاسة ثورات الربيع العربى وتهديد الخليج، وهى التى تبيع المنطقة، بل تقدمها قربانا للكيان الصهيوني»، وجاء ختام البيان كسائر فقراته إخوانيا محضا يتخفى خلف هذا التكوين الذى يزعم ويروج على غير الحقيقة أنه يمثل طيفا واسعا من الأحزاب والقوى السياسية، “ويقينا إنه سيكتب النصر لمصر، وستفرح عما قريب إرادة آلاف المعتقلين فى السجون، والمنتفضين فى الشوارع، والمغتربين ظلما فى الخارج، وملايين الفقراء الذين تلهب ظهورهم جنون أسعار واقتصاد ينهار، والمهمشين والعمال المتضررين.. ستفرح مصر، ويومها يفرح كل مصرى حر، رمضان كريم على كل المصريين .. على الرئيس الشرعى محمد مرسي.. على آلاف المعتقلين.. على ذكرى آلاف الشهداء والجرحى”.


هذه هى خدعة صقر التنظيم «محمود عزت» التى راهن عليها قبلا ومنى بالفشل الذريع، وكان مكشوفا لعموم المصريين بأنه ستار إخوانى لم يحصد من وراءه شيئا، ويعود اليوم مجددا لنفس الرهان ليسوق منتجه الفاسد رغم ما إصابته من تصدع سريع متزامن مع بيان عزت وبيان التحالف، فبعد تصريحات “إبراهيم منير” القيادى بالجماعة والذراع الأقرب اليوم لـ»محمود عزت»، فى جلسة له أمام مجلس العموم البريطانى اتهم فيها “الجماعة الإسلامية” بانتهاج العنف والإرهاب خلال فترة التسعينيات، مما دفع قيادات الجماعة إلى الاتفاق على الانسحاب من “تحالف دعم الشرعية” وتجميد العلاقة مع الإخوان، فأعلنت الجماعة الإسلامية قبل أيام الانفصال عن تحالف دعم الشرعية وتجميد علاقتها بالإخوان عقب تصريحات منير، فرغم إقصاء جماعة الإخوان لكل قوى الإسلام السياسى قبل ٣٠ يونيه إبان حكم «محمد مرسي»، إلا أن هذه القوى لم تدر ظهرها للإخوان بعد عزله ودعمتهم بكل ما أوتيت من قوة، حيث تم تدشين ما سمى بـ”تحالف دعم الشرعية” وانضم إليه كل من “حزب الوسط، والوطن، والبناء والتنمية الذراع السياسية للجماعة الإسلامية، والجبهة السلفية، وحزب الاستقلال، وحزب الأصالة والفضيلة”، وكما أسلفنا تعرض هذا التحالف لمجموعة من الانسحابات، حيث لم يبق فيه سوى “الجماعة الإسلامية” وذراعها السياسية “حزب البناء والتنمية”، وكان الهدف من ذلك رغبة الجماعة فى الحفاظ على أعضائها الموجودين فى الخارج، الذين كانوا يعيشون ويعملون فى كنف الإخوان بتركيا وقطر، لكن سرعان ما تعكر صفو علاقة الجماعة الإسلامية مع الإخوان بعد هذه التصريحات العلنية الأخيرة فى هذا المحفل الدولي، وربما كان هذا المشهد هو فصل أخير لسلسلة من الاحتقانات الداخلية استمرت طوال فترة مضت، حيث بدأت أول فصوله عندما طالب شباب الجماعة “أسامة حافظ، رئيس مجلس شورى الجماعة الإسلامية” بالانفصال عن الإخوان، بسبب عدم اهتمام الإخوان وقنواتهم الإعلامية بنقل حادث وفاة “الشيخ عصام دربالة، رئيس مجلس شورى الجماعة السابق” فى السجن بعد صراع مع المرض، مما أثار غضب كبير لدى شباب الجماعة، إلا أن أسامة حافظ طالب شباب الجماعة بالهدوء والتريث فى هذا الأمر، وشهد الفصل الثانى من الاحتقان والتهديد والتمهيد للانفصال بعد رفض الإخوان مساعدة أعضاء “الجماعة الإسلامية” فى الخارج لتجديد جوازات سفرهم، وأبرزهم “الشيخ محمد الصغير، عضو مجلس الشعب السابق عن حزب البناء والتنمية”، لكن للمرة الثانية رأت الأغلبية داخل الجماعة أن ترغم الشباب على الصمت، حتى جاء هذا الفصل الأحدث الذى لم يكن هناك مفر من الانصياع لهذا الخيار، وعنه عبر «ربيع شلبي، مؤسس جبهة أحرار الجماعة الإسلامية قائلا: «إن قرار الجماعة بالانسحاب من تحالف دعم الشرعية أمر طبيعي، فالإخوان أصبحت جماعة تأكل نفسها، وليس باستطاعتها توفيق أوضاعها، وبهذا فلا حاجة لاستمرار الجماعة الإسلامية في التحالف، وأن تصريحات منير الأخيرة عن الجماعة الإسلامية قطعت الطريق على أسامة حافظ ومن معه من قيادات داخل الجماعة بالاستمرار داخل التحالف، واتفق معه فى الرأى «عوض الحطاب، عضو جبهة إصلاح الجماعة الإسلامية» مؤكدا أن انسحاب الجماعة الإسلامية جاء متأخرا، فكان على الجماعة الابتعاد عن هذا التحالف والعودة للعمل السياسى أو الدعوى، لأن الإخوان لم ولن تكون تعتد بالجماعة الإسلامية أو تأخذ رأيها فى أى شيء، ولطالما كانت جماعة الإخوان ومازالت تحمل الجماعة الإسلامية تهم انتهاج العنف والإرهاب لكى تظهر بمظهر الممثل للإسلام الوسطى وما دونها فهم إرهابيون، وأنا لا أعفى الجماعة من انتهاجها العنف والإرهاب، فى الوقت الذى ظلت فيه الجماعة الإسلامية مجرد لعبة فى أيدى الإخوان تحركها كيفما تشاء وليست شريكة للإخوان فى القرار.


مثل هذا المشهد الأخير الذى دارت فصوله جميعا بشهر يونيه الحالى النموذج الأبرز للتصدع الكبير الذى حاول «محمود عزت» أن يراهن مجددا على مكوناته، ولكنه لم يكن التصدع والانشقاق الوحيد الذى ضرب مستقبل الإخوان والمرشد الجديد، بل إن الأخطر منه والأكثر تعقيدا هو مجابهة التصدع الداخلى للتنظيم، فهناك جولات محمومة من الانشقاقات اتخذت عنوان صراع حاد للأجيال داخل صفوف الجماعة ومراكز القيادة فيها.. هذا ما سنتناوله فى الحلقة القادمة إن شاء الله.