«ونـــوس»

27/06/2016 - 9:48:00

عاطف بشاي عاطف بشاي

بقلم : عاطف بشاي

يقفز "يحيي الفخراني" بأدائه المبهر لشخصية "ونوس" فوق الجميع في السباق الرمضاني المثير .. ويؤكد مجدداً موهبته الكبيرة في تجسيد الشخصيات الدرامية بأبعادها المختلفة .. الاجتماعية والنفسية .. ثم أخيراً الفلسفية من خلال سيناريوهات الشاب المبدع "عبد الرحيم كمال" والذي سبق أن تعاون معه في مسلسلي "الخواجة عبد القادر" و "دهشة" ومن إخراج ابنه الموهوب "شادي الفخراني" فأعمال "عبد الرحيم كمال" تلك تتخطى الإلحاحات الواقعية المؤقتة .. والحواديت الاجتماعية المعتادة .. وتسعى لبناء عالم خاص يحفل بأجواء فلسفية وميتافيزيقية وصوفية ورمزية .. تعيد صياغة الواقع من جديد وتطرح رؤى تتجاوز الزمان والمكان في تشابك ذكي بمفردات الواقع المعاصر دون أن تتجاهله أو تتعالى عليه أو تخسر المتلقي المحدود الفكر والثقافة .. وهذا ما يجعل لمتعة المشاهدة تأثيراً طاغياً .. إن روح الفن الحقيقي تتجلى في طريقة رسم الشخصية الرئيسية في مسلسل "ونوس" الذي يخلق لنفسه وجوداً غامضاً ومحيراً لا يفصح لك عن حقائق مؤكدة أو تصور واضح فهو يظهر فجأة في حياة العائلة ليحدث من خلال احتكاكه بهم انقلاباً درامياً مصيرياً بدت بوادره في الحلقات الأولى التي شاهدتها .. والتي سوف تمتد قطعاً بالتدريج عبر بقية الحلقات ومن خلال تفاعلهم معه بالرفض أو القبول أو الإدانة أو الدهشة أو الحيرة فتثار الأسئلة ويتبلور جوهر الصراع.


هل يبدو "ونوس" تجسيداً لمعان مطلقة وأفكار مجردة أم تجسيداً لماهية محددة أو أبعاد حقيقية تكشف عن أحداث آنية ترتبط بزمان ومكان محددين .. إن الحيرة في تأمل وفك ضفائر الشفرات والرموز التي أتى بها من خلال ملامح صعلوك أو شخصية حكيم أو مبعوث للقدر أو شيطان يلعب بحاضر ومستقبل بؤساء يستسلمون له حيث يظهر للشخصيات ومن ثم للمتلقي أينما تواجدوا ولا يعنيه ولا يعني "عبد الرحيم كمال" كيف ظهر ولماذا؟


هذه الحيرة الوجودية التعامل معها يستلزم موقفاً مماثلاً من الرؤية لدى المتلقي يقابل رؤية الفنان المبدع ولا يتوقف عند مجرد متابعة الحدوتة بمعناها الاجتماعي البسيط الضيق .. وهي حدوتة سوف تجذبه في البداية لاختلافها عن السائد والمطروح من الأعمال الدرامية فتهز وعيه هزاً وترج نفسه رجاً وتحدث صدمة في وعيه وطريقة تفكيره .. لكنها لن تشبعه في النهاية ولن تخلق لديه متعة الفرجة والتسلية مع أكياس الفيشار اللذيذة