يموت الزمار وصباعه بيلعب

18/09/2014 - 9:47:52

إقبال بركة إقبال بركة

كتبت - إقبال بركة

لا أبالغ إذا قلت أن حادث الهجوم على برجى التجارة العالمى تسبب فى تغيير حياتى, واليوم بعد ما يقرب من  ثلاثة عشر عاما،  مازالت أحداثه فى ذاكرتى لم تبرحها, كثيرا ما ألحت على الرغبة فى الهرب من دوامة العمل الصحفى والاعتكاف فى باحة الأدب، فأنا من الذين دخلوا الصحافة من بوابة الأدب وليس العكس, وفى مساء الإثنين العاشر من سبتمبر 2001 حزمت أمرى وقررت تقديم استقالتى من حواء والتفرغ التام لكتابة الرواية والقصص القصيرة, حيث شغفى وأحلامى وأمنياتى, كنت جادة تماما فى اتخاذ هذا القرار الذى وصلت إليه بعد طول تفكير وتدبر، فقد أمضيت فى منصب رئيس التحرير أكثر من فترتين قفزت فيهما حواء إلى أعلى معدلات الشهرة والنجاح، كما رغبت فى إعطاء الفرصة لكفاءات شابة يمكن أن تضيف الجديد, وفى اليوم التالى جمعت الزملاء المحررين بالمجلة وأنهيت إليهم الخبر، ومبرراتى له ولكنهم لم يقتنعوا وراحو يحاولون إثنائى عن قرارى, وبينما نحن وسط هذه اللحظة العاطفية رن جرس التليفون وسمعت من يطلب منى أن أفتح التليفزيون لأشاهد حادثا جللا, لم أصدق عينى وأنا أتابع مع الزملاء حادث تدمير برجى التجارة العالمى والمشاهد المتتالية, وقيل فى الأخبار أن طائرتين  أقلعتا من مطار بوسطن فى حوالي الساعة 8:46 صباحا حسب التوقيت الأمريكى فى طريقهما إلى لوس أنجيلوس, لكن إحداهما ارتطمت بالبرج الشمالي لمبنى مركز التجارة العالمي، والثانية بعدها بـ 18 دقيقة ارتطمت بالبرج الجنوبي للمركز, وبعد حوالي ساعة ارتطمت طائرة بالجانب الغربي لمبنى البنتاجون (وزارة الدفاع الأمريكية), وسقطت الطائرة الرابعة قرب بيتسبرج ببنسلفانيا!


رحت مع الزملاء والزميلات نضرب أخماسا فى أسداس، وكل منا يعطى تفسيرا وتبريرا للحادث, حتى أعلن أسامة بن لادن مسؤولية تنظيم القاعدة عن الهجوم، أما الصدمة الكبرى فكانت إعلان مكتب التحقيقات الفيدرالي أن الشخص المسؤول عن الحادث والمخطط الرئيسي للعمليات مصرى يدعى  محمد عطا، أصبنا بذهول ورحت أتجول بين المحطات الفضائية بحثا عن أى أخبار جديدة، وأحاول الاتصال بكل من أعرفهم فى نيويورك. كانت زيارة البرجين وقضاء بعض الوقت فيهما وتناول وجبة فى أحد مطاعمهما جزءا رئيسيا من برنامج زياراتى لنيويورك، فهما  أعلى بنايتين في العالم منذ عام 1970والطلة  من نوافذهما تدل على  شموخ أمريكا وعظمة ما وصلت إليه  من تقدم، ورغم فداحة الكارثة فقد ظل البرجان التوأمان منتصبين وصمدا لأكثر من ساعة بعد اختراق الطائرتين لهما، مما أتاح الفرصة لخروج ونجاة الآلاف الذين كانوا في الطوابق السفلية.


وفى الأيام التالية لذلك الحادث الرهيب كانت مهمتنا متابعة الأحداث وحل اللغز الكبير الذى ملأ العالم بالتكهنات وتصارعت وكالات الأنباء فى ضخ المزيد من المعلومات والتفسيرات، وازدحمت شاشات التليفزيون بمن يطلق عليهم لقب"خبير استراتيجى" وسط موجة من التشكك فى الأنباء التى أذاعتها الجهات الأمريكية المسئولة، شغلنى هذا الموضوع بشدة ولعدة أسابيع تبينت بعدها صعوبة أن يكف الزمار عن العزف بل لعله يموت و"صباعه بيلعب" كما يقول المثل العامى . وهأنذا بعد ثلاثة عشر عاما من ذلك اليوم مازلت أساهم بمقالاتى فى العديد من الصحف، ومازلت أحلم بالاعتزال