غاندى فى رمضان

27/06/2016 - 9:25:24

للنجم فريد شوقي

كنت في مستهل أيام شبابي أقيم مع أسرتي في حي الحلمية..حي الارستقراطية القديمة والبيوتات الكبيرة، وكان الاحتفال بشهر رمضان في هذا الحي يأخذ أبهج مظاهره الدينية في بيوت الفقراء والأغنياء علي السواء.


وما زلت أذكر حلقات الذكر التي كانت تقام في بيت المرحوم محمد توفيق نسيم «باشا» رئيس الوزارة المصرية في ذلك الحين، والتي كان يتوسطها صديقه وزميله المرحوم عبدالعزيز محمد «باشا»، وكذلك السهرات التي كانت تقام في بيوت محمود «باشا» حسين وتيمور «باشا» وعيسوي زايد «باشا» والشيخ الببلاوي وغيرهم، وكان كل بيت يتنافس علي الاتفاق مع مشاهير المقرئين لاحياء سهرات رمضان، وكانت هذه البيوت تفتح أبوابها علي مصاريعها لاستقبال الجيران والاصدقاء ولقضاء أمتع سهرات رمضان.. وكان يحلو لي الطواف علي هذه البيوت مع بعض الأصدقاء لنمتع أنفسنا بالاستماع إلي مشاهير المقرئين، وإلي الأحاديث الدينية الممتعة التي كان يشترك فيها الساهرون..


صداقة قوية


وفي إحدي هذه السهرات عرفته.. وتوطدت بيننا صلة الصداقة القوية.. كان ابن أسرة عريقة الأصل من عائلات الحلمية، وقد عرف بين أصدقائه بالتقوي.. وكنت أراه قبل ذلك يسير في شوارع الحلمية لا يتحدث إلي أحد ولا يكلمه أحد.. وكان الناس يعجبون به ويقدرونه ويحترمونه، فقد كان رغم ثراء أسرته زاهدا في الدنيا كارها لمظاهرها، يعيش عيشة بسيطة في غرفة متواضعة ومنعزلة في قصر أسرته المنيف.. وقد توطدت بيننا صلة الصداقة منذ اللقاء الأول التالي، ودعاني إلي تناول طعام الإفطار معه في اليوم التالي، فذهبت إليه، وعندما قادني بواب البيت إلي الحجرة التي يعيش فيها أحد سادة البيت فوجئت بصديقي جالسا فوق حصيرة بالية، بجوار سرير قديم عليه فراش متواضع وبعد تبادل التحية دعاني صديقي إلي الجلوس فوق السرير فلم يكن في الحجرة كرسي واحد.. ولاحظ دهشتي لمظهر الغرفة المتواضع فقال: «لا تدهش فقد ألفت هذه الحياة بعد أن شبعت من حياة الرفاهية..»


بلح أبريمى


وانطلق مدفع الافطار، وقام صديقي وأدي صلاة المغرب، ثم قام بنفسه يعد مائدة الافطار ولم تكن تزيد علي طبق به «بلح ابريمي» واناء مملوء باللبن.. كان هذا هو الافطار الذي تناولناه معا.. وبعد ذلك أخرج كتابا عن حياة غاندي وراح يقرأه ويشرح لي فلسفة غاندي في السياسة والمجتمع، وإيمانه الشديد بإخلاص هذا الرجل لقضية بلاده وفلسفته ونظراته إلي الحياة..


ولا أخفي عليكم أنني لم أكن أعرف عن غاندي إلا ما كانت تنشره الصحف، ولكني بدأت أحس بميل لدراسة حياة هذا الزعيم الهندي، فطلبت من صديقي أن يقرضني كتابا عن حياة غاندي، فوافق بشرط أن أقرأ هذا الكتاب تحت إشرافه وخرجنا في تلك الليلة نطوق بيوت الحي لقضاء سهرة رمضان.. وفي السحور دعاني إلي تناول الوجبة معه، وكان الجوع قد استبد بي، إذ لم يكفني كوبا اللبن والبلح الابريمي اللذان قدما إلينا في الإفطار، وحاولت الاعتذار ولكنه أصر، فقلت لنفسي ربما يكون سحوره من الطعام الدسم، ولكني فوجئت به يقدم علي المائدة اللبن وحده. اللبن من غير بلح.. وامتدت سهرتنا حتي أذان الفجر، وانصرفت إلي البيت وقد امتلأت نفسي إعجابا بحياة هذا الزاهد الذي يعيش علي اللبن طول شهر رمضان..


دليل الإعجاب!


وفي اليوم التالي وجدت قدما تسوقانني إلي بيت هذا الصديق.. ولما رآني هلل مرحبا وهو يسألني كيف قضيت يومي بعد أن عشت علي اللبن في اليوم السابق.. فقلت إن حضور اليوم هو دليل إعجابي به واعتزامي النسج علي منواله!


فقال : «أخشي أن لا تحتمل هذه الحياة بعد أن تعودت حياة الرفاهية، وأن تصاب بالضعف إذا عجز جسمك عن مقاومة الجوع..»


وعشت طوال شهر رمضان مع هذا الزاهد علي اللبن والبلح الابريمي، وفلسفة غاندي الذي درسته دراسة عميقة بفضل إرشادات صديقي الذي اقتبس من فلسفة الزعيم الهندي ما يفيده ويتناسب مع الدين الإسلامي..


خوف شديد


وكنت أحرص بعد ذلك علي أن أقضي شهر رمضان من كل عام مع صديقي هذا، نعيش علي اللبن ونقرأ.. ونطوف ليلا ببيوت الحي نستمع إلي المقرئين ونسمر من السامرين.. ثم شاءت ظروفي في الحياة أن أنتقل إلي خارج القاهرة في أيام رمضان.. ثم انقطعت صلتي بهذا الصديق بعد أن شغلت بالكفاح في دنيا الفن.. ولكني كنت أحرص علي أن أعيش في رمضان علي اللبن والبلح الابريمي وأن أرفض غيرهما من الطعام.. إلي أن فوجئت ذات يوم بأحد أصدقائي ينقل إلي نبأ وفاة صديقي الزاهد، وتقرير الأطباء أن وفاته ترجع إلي الضعف الشديد الذي أصاب جسمه بسبب نقص في المواد الغذائية.


وعلمت أن صديقي الزاهد كان يعيش أغلب شهور السنة علي اللبن فقط مما سبب له هذا الضعف.


وأصابني الخوف الشديد، وكفرت بفوائد اللبن حتي أنني منذ وفاة صديقي قاطعت اللبن مقاطعة تامة.