المتسولين .. والمعركة بين الطربوش والقبعة .. مصر زمان .. زمان يا مصر

27/06/2016 - 9:14:52

كتب - يحيي تادرس

مشاهد متفرقة من ماضينا القريب يربط بينها جميعا نفس النهر العملاق الذي يمدنا بالحياة عبر آلاف السنين


هل شاهدت ياعزيزي القارئ فيلم إضراب الشحاتين «لبني عبدالعزيز وكرم مطاوع» أو فيلم لو كنت غني «عبدالفتاح القصري وبشارة واكيم» أو غيرهما من الأفلام التي كان الشحاذون أبطالا فيها.


الشحاذون - آفة مصر من عشرات السنين - وتعالوا معا نقرأ انطباعات المصريين نحوهم عام 1929.


يكتب أ. عبدالله حسين - في جريدة الأهرام الواقعة التالية ملحوظة لو استبدلت عام 1929 بعام 2016 أو ما بعده من أعوام - لما اختلف الامر كثيرا.


... ذهبت «أ. عبدالله» إلي المحطة لتوديع صديق فإذا بشاب طويل القامة حسن الهندام جميل المنظر باسم المحيا ينتظرني ولكني نظرت إليه حائرا إذ أنني لا أذكر هذا الإنسان «كان بيني وبينه ود أو حضر معي مجلسا لكني قلت لعلي لست ذكورا أو لعله يعرفني ولا أعرفه أو لعل أحدا من الناس ندبه إلىّ لأمر يهم «النادب أو المندوب».


سألته:


خير فيه حاجة


فقال: أرجوك أن تتفضل معي قليلاً لأهمس في أذنكم بكلمة


... فشككت في الأمر وقلت لعل نبأ مريعا يحمله سواء فيما يتعلق بالاصدقاء أو بالمشاكل العامة... وعلي كل حال فلم أتردد وسألته


- هل سعادتك تعرف سعادتي؟


- كيف لا


- وما اسم سعادتي


- سعادتك أشهر من نار علي علم


- وما هو اسمي


- ومن الذي لا يعرف اسم سعادتك.. عيب إنني لا أعرف اسم سعادتك


- وما أعرفوش إزاي؟


- ما علينا وما هو طلبك


- بقي الآن أنا أريد أن أعود إلي الإسكندرية ولا اكتمك سري وهو إنني بقيت طول اليوم من غير أكل أو شرب وأريد أن أعود إلي الإسكندرية - فهل لسيدي «البك» أن يسمح باعطائي أجرة سفر الدرجة الثالثة لأعود إلي الإسكندرية بصفة قرض وأنا مستعد أن أكتب ايصالا بالمبلغ وأن أرده وإذا كان لديك شك - فها هي ساعتي ضماناً..


....


هذه الواقعة أذكرها لأن الشحاذين يتضاعفون خلال شهر رمضان ... ولأن هذه الظاهرة انتقلت إلي بعض سائقي التاكسي.


يخرج أحدهم كيسا ممتلأ بالدماء ويبكي لأن زوجته تحتاج إلي عدة أكياس وهو لا يملك ثمنها...


.. أو أن اقساط التاكسي تراكمت عليه إلي درجة الحجز علي بيته أو ......


وتتعدد صور الشحاذة التي تصل إلي حد النصب ومن هنا بدأ بعض الركاب يضيق بهذه النوعية من السائقين.


...


.... والآن - نقلة مفاجئة لما كان في البداية عام 29 بدعة مدهشة لما أصبح الآن ظاهرة لا تلفت النظر رغم أن أفلام تلك المرحلة وما تلاها تعرضت لها من بعيد.. المقاهي


وبالمناسبة هل شاهدت أفلام «المعلمة بلبل «هاجر حمدي» والمعلمة توحة وسمارة «تحية كاريوكا» و.... حيث كان المقهي الذي تديره سيدة هو العنصر الاساسي للفيلم


...


إبراهيم بسيوني أفندي انتشار المقاهي في انحاء القاهرة والمدن الكبري - مما دفعه إلي القاء محاضرة في دار نقابة موظفي الحكومة...


...


في أفلام مثل المبروك «محمود المليجي - أنا وخالتي - أمين الهنيدي والتعويذة - محمود ياسين» كان البطل هو طغيان الخرافة علي بعض صفات العقول.. وقد وصفت جريدة الأهرام بعض هؤلاء الدجالين الذين يدعون القدرة علي فك السحر وتزويج العوانس وشفاء الأمراض بل وشفاء العقم .....و صفتهم الأهرام بالدجاجلة «جمع دجال»


وفي هذا الصدد تحكي الجريدة قصة أحدهم:


كان بين إحدي السيدات وزوجها نفور تخاف الزوجة من تحوله إلي طلاق أو زواج من أخري:


وتتصل الزوجة بأحد هؤلاء الدجالين ليمحو هذا النفور لتحل بينهما المحبة ويشترط عليها الدجال لنجاح مهمته إحضار سبيكة ذهبية للكتابة عليها ولم تكن معها مثل هذه السبيكة وكان قد لمح خاتمها الماسي فقد طلبه وتناوله وأخذ يتمتم ويعزم ثم وضعه في صحن واستمر في تعزيمه وبعد برهة ناولها قطعة ملفوفة من القماش وأوهمها أن الخاتم بداخلها وطلب إليها أن تبقيها بحالتها اسبوعا تحت وسادة نومها ثم تفتحها وتضع الخاتم في أصبعها فيكون لها ما تتمناه من الصفاء والحب


...


وبعد انقضاء المدة المحددة - تفتح صاحبتنا قطعة القماش فلا تجد بها سوي قطعة من «الملح رشيد»...


ويبحث زوجها عن الرجل لكنه كان «فص ملح وذاب»


...


وتدفع حوادث الدجالين أحد مدرسي المعهد الأزهري بالزقازيق ليكتب مقالا طويلا اجتزئ منه حديثا للرسول صلي الله عليه وسلم «من أتي عرافا فسأله عن الشئ فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوما ومنها من أتي عرافا أو كاهنا فصدقه بالقول فقد كفر بما أنزل علي «محمد»


....


والآن كيف واجه المجتمع «29» كل هذه الظواهر؟


نبدأ بالمتسولين


في البداية يجب تصنيفهم:


أقوياء البنية وهؤلاء يمثلون رأس مال ضائع لانهم كانوا يستطيعون العمل وبدلا منه يتحولون إلي عالة علي المجتمع


وتذكر الأهرام: أن البلاد الراقية قد انشأت مستعمرات لمرضي الجذام والسل ويداوي هؤلاء المداواة اللازمة فلا تظل حياتهم عبئا عليهم.


ويشير بعض القراء إلي المتسولين باعتبارهم هذا الجيش الذي يهاجم الجمهور من كل الجهات.


ملحوظة: جربت بعض البلاد مثل «جاوة والفلبين هذه الطريقة «مستعمرات للشحاذين» وأتت بثمار جيدة حيث يقبض البوليس عليهم ويعرضهم علي لجنة طبية وفي حالة القادرين تقرر اللجنة إرسالهم إلي مزرعة حكومية حيث يتعلمون الزراعة أو ترسلهم إلي مدرسة صناعة فيصنعون القبعات والشباشب والسلال.


ملحوظة اعتقد أن مصر قد أقامت مثل هذه المستعمرات حيث قمت في برنامج وكاميرا 9 مع الراحلة شديدة التألق أماني ناشد بالتسجيل في إحداها ولكن مثل كل مشروع اجتماعي يتلاشي الحماس وتتلاشي تلك المستعمرات ..


إلي جانب تلك الاقتراحات فقد نشر في جرائد ذلك العصر هذا الإعلان:


يوم الفقير


مأثر جديدة لجلالة الملك «فاروق الأول ملك مصر والسودان» عرف القراء ما كان من مشروع يوم الفقير الذي صحت النية علي قيامه في 28 أبريل لمناسبة ذكري وفاة المغفور له الملك فؤاد الذي عرف بعطفه علي الفقراء..


وقد بلغت التبرعات التي جمعت في أول اجتماع الذي عقد في دار صاحب المقام الرفيع علي ماهر بك 1800 جنيه وكذلك تبرعات صاحبة الجلالة - الملكة نازلي وصاحبات السمو الملكي الأميرات بمبلغ خمسمائة جنيه


....


وقد علمنا أن الحكومة قررت أن تتولي هذا المشروع.


ملحوظة : لم أعثر علي أي تصنيف لمن هو الفقير أساسا ولا أين ذهبت هذه التبرعات أو غيرها ولكن كما يقال فإن «الأعمال بالنيات فليس المهم أن تفعل ولكن الأهم - أن تنوي!


....


في أفلام الأبيض والأسود أرجوك أن تتوقف عند أغطية رأس ممثلينا العظام «يوسف بك وهبي وسليمان بك نجيب وغيرهما من رواد فن السينما....»


كان الغطاء هو الطربوش


والطربوش كان له هيبة إذ كان يمثل نوعاً من التاج فوق كل رءوس الموظفين والأفندية بل والتلاميذ.


....


كانت مصر تستورد معظم خاماته من النمسا حتي يقيم محمد علي باشا أول مصنع مصري لصناعته في مدينة «فوة»


المهم ليس مقالي هذا عن الطرابيش ولكن عن أطرف معركة دارت في القرن الماضي بين الطربوش والقبعة والعمامة ..


مصر 1926 - كلية دار العلوم


يطالب الطلبة بالتخلي عن الزي الأزهري المكون من الجبة والقفطان والعمامة وارتداء البدلة والطربوش كغطاء للرأس


.....


وتدخل القبعة المعركة - لماذا


لأنه ولعدة قرون كان رمزا للسيادة التركية - التي تخلصت منها مصر - للأبد من فضلك - بعد سقوط الخلافة العثمانية 1924 ثم إن الطربوش من وجهة نظر البعض يرمز إلي العنجهية التركية - التي كانت مثارا لسخرية المصريين سنوات طويلة وأن مصطفي كمال قائد الثورة الكمالية فرض علي الاتراك لبس القبعة لازالة كل آثار الخلافة العثمانية.


فلماذا نتمسك به في مصر


... هل ينهزم انصار الطربوش مطلقا إذا قالوا- إن الطربوش- اكتسب من طول استعماله صفة الوطنية وصار رمزا لمصر والانتماء للوطن في مواجهة الغرب التي تمثلها القبعة أو البرنيطة.


.....


وتدخل وزارة المعارف العمومية المعركة - وتصدر قرارا بإلزام طلبة كلية دار العلوم وكذلك اساتذة اللغة العربية بلبس العمامة والزي الأزهري لأن هذا زيهم وقد أصبحوا معروفين به..


... ولم يستسلم طلبة كلية دار العلوم وبدأوا يحملون الفتاوي والآراء الفقهية التي تثبت أن الزي ليس من جوهر الدين...


وتحمي المعركة ويدخل فيها كبار الكتاب والأدباء يكتب أ. فكري أباظة فى المصور تحت عنوان «الحرب الطاحنة»


أن لهيب هذه الحرب سوف يمتد إلي الأرياف وقراها في القريب العاجل وستصل العدوي من دار العلوم إلي القضاء الشرعي فالأزهر فالجامع الأحمدي فالمعهد الدسوقي فمعهد الزقازيق..


....


إن الزي الذي يريد الثائرون أن يتحرروا منه هو في الواقع عقبة في طريق المستقبل لم تشهد «طلبة دار العلوم» وزيرا بعمة ولا بدون عمة ولا رئيس مصلحة بعمة .. حكمدار بوليس بعمة .. فلم لا يكون عندهم أمل الوصول إلي هذه المراكز؟


....


وتدخل القبعة المعركة


... وكان من رأي الأديب الكبير مصطفي صادق الرافعي:


لا تسأل ما الطربوش ولكن من لابسه ولا ما القبعة ولكن من حاملها...


ويستكمل حديثه قائلا:


إن القبعة علي رأس المصري منفردا بها دون قومه بأننا من جملتهم - إنما هي مظهر من مظاهر التملك الاجتماعي ولايهولنك ما أقرر لك من أن القبعة علي رأس المصري في مصر تهتك أخلاقي.. فإنك لتعلم أن الذين لبسوها لم يلبسوها إلا منذ قريب بعد أن تهتكت الأخلاق الشرقية الكريمة..


فإن الطربوش لم يضيق وإنما ضاقت العقول..


يقولون إن الطربوش يوناني معرب - فهو في ألفاظ الحياة كألفاظ مثله في اللغة وقد أصبح رمزا من رموزنا..


....


وتتعدد الآراء ويحمي وطيس المعركة ولم تقتصر المعركة علي المطالبة بتغيير غطاء الرأس وإنما تطرقت إلي مراجعة كل القضايا الاجتماعية مثل تعدد الزوجات والطلاق والزواج من أجنبيات وحفلات الزار..


.....


ويضيق الجمهور ذرعاً بالمعركة ويرسل أحد القراء إلي المصور..


ألم توجد قضية تشغل الرأي العام - غيرقضية غطاء الرأس..


إن كل واحد «حُرُّ» في أن يضع علي رأسه الغطاء الذي يريد.. اللي عايز يلبس طربوش أو برنيطة أو كوفية أو عقال يلبس.. واللي عايز يمشي عاري الرأس.. يمشي عاري الرأس وبصراحة.. وجعتوا دماغنا.


«ملحوظة: لك كل الحق أيها القارئ»


لكن القضية لم تحسم إلي الأبد - إلا بعد قيام ثورة 52 التي قضت عليه بالضربة القاضية، بل وخففت من قيود لبس «البِدَلْ» الكاملة في العمل وقضت علي لبس الجلباب - بما كان يسمي وقتها بالبدلة الشعبية.


..


في كل رمضان - كان سكانها ينتظرون منحة الحكومة - أي حكومة - بالسكر والزيت والأرز والدقيق و ..


إنها واحة «الجارة» - وسميِّت بهذا الاسم لأنها جارة لواحة سيوة .. كنا «برنامج حكاوي القهاوي» - أول من صورها والواحة تعتبرأغرب مكان ومجتمع في مصر.


سكانها تقول الموسوعات التي تنشر عن هذه الأماكن الغريبة التي تمتلئ بالأساطير - أن سكانها لا يزيدون أو ينقصون عن عدد معين «283» - وأن مولودا يولد - لابد وأن يقابله أحدا من سكانها .. «يرحل» وأن سرب من الغربان يرافقه الغريب من لحظة وصوله حتي رحيله..!


..


أهلها يتحدثون «الأمازيغية» التي يغني بها الشاب أحمد لا توجد بها أي نوع من الصناعات.


...


الأهل يمارسون الزراعة بوسائل غاية في البدائية، ورغم فقرهم فهم في غاية الكرم تجاه أي غريب.


..


وحين زرناها - لم تكن هناك أجهزة راديو أو T.V أو صحف ومجلات.


.. وكانوا - وهذا أثار حيرتي - مجتمعا رغم بساطته - يشعربالاكنفاء والسعادة وبأنه لا ينتقصه أي شيء.


..


في أحد الأفلام الحديثة «كريم عبدالعزيز و .....» يختبيء البطلان، في واحة سيوة القريبة منها ويرقصان إحدي الرقصات المخلة، وكان هذا من محاسن الفيلم.


...


عزيزي القارئ


نحن نعيش بالفعل في عام 2016 - ولكننا مثل ثمارشجرة عملاقة لا نكاد نعرف شيئاً عن جذورها وما كتبت وسأكتب يمثل جهداً متواضعاً مني لإلقاء الضوء علي مشاهد من :


مصر زمان


زمان يا مصر