هل أتاك حديث المصالحة؟!

22/06/2016 - 12:15:19

بقلم - يوسف القعيد

ما كنت أحب أن تكون هناك أى صلة بين مجلس النواب وهذا الكلام الدائر الآن عن المصالحة، ومجلس النواب لا علاقة له بالأمر. ولكن من تكلم عن المصالحة سواء المستشار مجدى العجاتى، الوزير الذى يشكل الصلة بين الحكومة ومجلس النواب، أو اللواء سعد الجمال، وهو من يتولى تسيير شئون ائتلاف دعم مصر لحين انتخاب رئيس جديد له بعد أن تكتمل ستين يوماً على رحيل رئيسه السابق اللواء سامح سيف اليزل.


عموماً ليس من حق أحد الكلام باسم مجلس النواب سوى رئيسه الدكتور على عبد العال، والرجل لم ينطق بكلمة واحدة منذ ستة أشهر قضاها رئيساً للبرلمان، لم يتحدث للإعلام المرئى أو المسموع أو المقروء. وصام صوماً حقيقياً عن التعاطى مع الإعلام. أما أن ينسب كلام لهذا أو لذاك فهو يخص من يقوله ولا علاقة للبرلمان به.


أقول قولى هذا وأتصور أن هناك من سيحاول إلصاق ما قيل بالبرلمان. والبرلمان برىء منه براءة الذئب من دم ابن يعقوب.


بدأ الأمر بكلام قاله المستشار مجدى العجاتى عن المصالحة مع الجماعة إياها، ولن أكتب اسمها أبداً حتى لو تصالحوا معها، بل أمعن فى القول أنهم يدرسون الآن تجارب دول مرت بنفس الظروف وتصالحت مع خصومها حتى يستفيدوا من تلك التجارب عندما يقتربون من فكرة المصالحة.


قبل كلام المستشار مجدى العجاتى سمعت من أكثر من زميل فى البرلمان أن قانون العدالة الانتقالية وهو من القوانين المكملة للدستور. والتى لا بد أن تصدر خلال دور الانعقاد الحالى للبرلمان. هذا القانون – الذى لم أطلع عليه للأسف الشديد وبمعنى أدق لم أطلع على مشروعه – ينص على المصالحة. ولأننى أكتب عن كلام سمعته. فلا أستطيع أن أحدد هل مشروع القانون هذا الذى تحدث عنه الدستور يتكلم عن المصالحة مع الإخوان؟ أم أنها المصالحة بشكل عام؟.


ولا أعرف متى سيعرض هذا القانون على البرلمان؟ وإن كنت أعتقد أنه بدعة من البدع. فالعدالة هى العدالة. لا توجد عدالة انتقالية ولا عدالة دائمة. والعدالة إما أن تتحقق كاملة أو لا تتحقق. أما القول بعدالة انتقالية، فهى حالة تأتى بعد الثورات. تواكب المجتمعات فى انتقالها من حال إلى حال. وخلال عملية الانتقال هذه ربما كانت هناك مواءمات وقتية ليس من الضرورة أن ينص عليها قانون.


ربما جاءتنا فكرة العدالة الانتقالية من تجربة جنوب إفريقيا. وقد سمعت كلاماً كثيراً عن تجربة العدالة الانتقالية كما تمت وجرى تطبيقها فى جنوب إفريقيا. وإن كان الأمر يحتاج لمتابعة دقيقة ومقارنة بين الحالة المصرية والوضع الجنوب إفريقى.


أعود لجوهر الموضوع وهو المصالحة التى يتحدثون عنها. وأقول لهم مصالحة مع من؟! بين من ومن؟! ومن الذى يملك الحق فى أن يبرمها؟! أوشك أن أتهم نفسى أننى أكتب بديهيات أو أموراً تجاوزت فكرة الاجتهاد. فمن يتكلمون عن المصالحة إنما يقصدون المصالحة مع الجماعة الإرهابية. ولا أدرى من الذى فوضهم ليقولوا هذا الكلام.


صحيح أننى عرفت عندما كنت أكتب هذا الكلام أن اللواء سعد الجمال أعلن أنه لم يدلِ بالكلام الذى نسب إليه فى جريدة الشروق. ولكن الذى يبدو مصمماً على ما قاله هو المستشار مجدى العجاتى لأنه نشر منذ فترة ولم يتم لا تعديله ولا تصويبه ولا الإقرار بأنه قاله ولا نفى أنه تحدث عنه.


الشعب المصرى أعلن موقفه أكثر من مرة أنه ضد الجماعة لسبب شديد البساطة أن ممارستها خلال السنة التى اغتصبوا فيها حكم مصر أكدت للمصريين جميعاً أنهم جاءوا إما لنهب الوطن أو لتدميره والقضاء عليه، خلت ممارساتهم من الحس الوطنى ومن مراعاة مستقبل الوطن ومن الوقوف أمام ما يحتاجه المواطن العادى. كل ما كان يعنيهم يمكن تلخيصه فى كلمة واحدة هى: التمكين.


ومن تابع الحيثيات التى نطق بها القاضى محمد شيرين فهمى فى قضية التخابر مع قطر يدرك أن من كانوا يحكمون البلاد أقرب لفكرة العصابة منهم إلى المسئولين عن دولة لها تاريخ وحضارة ومنجز إنسانى مثل مصر. ثم إن من يخن وطنه يمكن أن يخون أى شىء آخر. حتى ما يؤمن به. إن كان مستعداً للإيمان بأى فكرة ما على وجه الأرض.


خلال ثلاثة أعوام من عمر مصر بعد أن تمت إزاحتهم من الحكم. هل تغيروا؟ لا أعتقد أنهم تغيروا على الإطلاق. ما زالوا ينهجون نفس النهج. لا يملكون سوى القتل والتدمير والاغتيالات ومحاولة تدمير أسس الدولة المصرية. وعندما يتنبه الشعب لما يقومون به فهم لا يتوقفون. ولكنهم يغيرون الطريقة ويستبدلون الوسيلة. وفى كل الأحوال فهم مستمرون استمراراً مخيفاً فى محاولة القضاء على الدولة المصرية.


لا جديد. الجديد الوحيد الذى وقع أنهم بدأوا فى التآكل وحدثت بينهم خلافات كثيرة. وتأكد لهم أن الشعب المصرى عرف طريقه والتف حول قيادته ويريد بناء دولته بعيداً عن مغامرات المغامرين وخسة المتآمرين. حتى معدل مظاهراتهم بعد أن انصرفت الناس عنها ولم تعد تتابعها ولو حتى بالفرجة عليها تباعدت ثم انتهت إلى غير رجعة.


ثم جاءت اغتيالاتهم الكثيرة لرجال قواتنا المسلحة وشرطتنا، لقد قال الرئيس عبد الفتاح السيسى إن الجهد الذى قامت به القوات المسلحة والشرطة والمجتمع المصرى كله لمواجهة التطرف والإرهاب خلال العامين الماضيين لا يقل عما قدمته مصر فى حرب السادس من أكتوبر سنة ١٩٧٣، وهو قول دقيق. ولأن هذه الاغتيالات لم تقلل من حماس وجهد من يقومون بواجبهم تجاه الوطن. فهم يجربون آخر ما وجدوه فى جراب الحاوى. ألا وهى تلك الحرائق التى بدأت من أماكن عامة، ثم مرت على ممتلكات خاصة. وها هى تتركز فى دور العبادة التى تخص أشقاءنا المسيحيين.


وعلينا أن نستعد لفصول أخرى قد تكون قادمة. لكن هذا الإصرار على الدمار والدماء والأشلاء والشهداء يؤكد للإنسان أنهم لا يريدون سوى نفس الشعار الذى أطلقوه فى السنة التى اغتصبوا فيها حكم مصر. إما كل شىء أو لا شىء. إما أن يستولوا على مصر أو أن يتركوها بعد أن لا يبقى فيها ولا حتى اسمها.


مع افتراض أنهم أوقفوا العمليات الإرهابية لأنهم تعبوا أو أن مصادر تمويلهم ليست بالوفرة الراهنة. أو أنهم اختلفوا. أو أن من يقفون وراءهم تخلوا عنهم. هل يعد هذا مبرراً للتصالح معهم؟ إن توقفهم – لو حدث – لا يخرج عن كونه توقف الضرورة. وليس توقف الاختيار. وكل ما تفرضه الضرورة يمكن أن يعود عنه الإنسان إذا زالت أسباب وظروف الضرورة.


سمعت كلاماً كثيراً عن الأسباب التى يمكن أن تؤدى للمصالحة. ولعل أكثرها إثارة وربما سذاجة، القول بأنه من المحتمل أن تفوز فى الانتخابات الأمريكية هيلارى كلينتون. وباعتبار أن حزبها له تراث فى الوقوف معهم. ومحاولة تمكينهم من حكم مصر. وأن الرئيس المنصرف باراك أوباما ما زال يردد أنه يريدون تجريب الإسلام السياسى باعتبارهم جربوا كل الاتجاهات السياسية والاجتهادات الإنسانية فى المنطقة إلا الإسلام السياسى.


وأن الولايات المتحدة الأمريكية تريد خلق اصطفاف سنى يواجه الاصطفاف الشيعى. وبالتالى تحدث المعركة بينهما وهم يكتفون بالفرجة. على أمل أن يكون الصراع السنى الشيعى - الذى يمكن وصفه بالفتنة الكبرى الجديدة - بديلاً للصراع العربى الإسرائيلى. وهو غاية المراد بالنسبة للعدو الصهيونى وحليفه الأول والأخير الولايات المتحدة الأمريكية.


حتى لو كان هذا صحيحاً ودقيقاً. وحتى لو جاءت هيلارى كلينتون رئيسة لأمريكا بعد هذه الانتخابات. فلتفعل فى بلادها ما تشاء. ولتقرر ما تود. ولتتصرف بالطريقة التى تحبها. أما نحن فلنا بلادنا ونحن أحرار فيما نريد أن نفعله بها. بصرف النظر إن كان صواباً أو خطأ. وأعتقد أن أول مفردات الوطنية أن ينبع قرارنا منا وأن نتصرف باعتبارها بلدنا ونحن أصحاب الحق والكلمة الأولى والأخيرة فى مصيرها.


ثم هل أصل لختام المطاف وأقول ما لم أكن أحب أن أقوله. لكنى سأكتبه وأمرى إلى الله. إن أى حكم فى الدنيا لا بد له من شرعية. وشرعية الحكم الراهن فى مصر هى موقفه الوطنى والعظيم والباسل ضد الجماعة إياها. وإن بدد هذا الرصيد فعليه أن يبحث عن رصيد آخر غيره. أيضاً لا بد أن نتنبه أن أى شعب لا يستطيع استبدال شرعية بشرعية. ولا تغيير أعداء بأعداء، لأن الشرعية صناعة تاريخية لا يمكن خلقها ولا استبدالها ولا القصد لصناعتها، إنها حكمة التاريخ ومكره. وإنها إبداع الشعوب وتجلياتها. لا أحد يملك هذا الذى يتكلمون عنه سوى ٩٠ مليون مصرى مرة واحدة، أقول هذا ولا أحب أن أسمع من أحد أكثر منه لأنها أكثر التخريجات التى يمكن أن يخرج علينا بها من يحاولون استغلال الأزمات وتحويلها إلى سلع يومية