المصالحة المستحيلة مع تنظيم الإخوان .. درس من التاريخ!

22/06/2016 - 12:11:39

بقلم - د. صفوت حاتم باحث وكاتب سياسى

قام إعلامى مصرى شهير فى الأيام الأخيرة بالترويج فى برنامجه لاحتمال قيام الدولة « بمصالحة « مع تنظيم الإخوان الإرهابي، وقد تسبب كلام هذا الاعلامى فى بث مناخ من القلق والرفض فى أوساط كثير من المصريين داخل وخارج البلاد. نظرا إلى ما يشاهده المصريون يوميا من إصرار تنظيم الإخوان على العنف وتهديد استقرار الدولة.


وللأسف يلجأ هذا « الإعلامي» فى ترويج « بضاعته « إلى الاعتماد على معلومة منقوصة.. أو شائعة.منثورة.. هنا أو هناك على صفحات التواصل الاجتماعى كالفيس بوك..ليصنع منها « موضوعا ساخنا « لبرنامجه واستنتاجاته « الفهلوية « التى يحرص على إصباغها بأساليب من السخرية والحركات المسرحية.. فيضفى بها تشويقا للمشاهد « الغلبان « الذى لا يطالع المعلومات فى مصادرها الحقيقية.


وبهذا الأسلوب من التشكيك والنيل من الدولة المصرية ، فقد كشف هذا الإعلامى عن القناع عن وجهه الحقيقي.. وانضم إلى جملة « أراجوزات التوك شو « السياسي.. الذين غادروا المسرح الإعلام.. واحدا بعد الآخر.. مجللين بسخط واحتقار غالبية المصريين بعد أن كشفوا.. واكتشفوا.. كمية العداء التى يكنها هؤلاء الإعلاميون للنظام الجديد الذى أسقط حكم الإخوان الإرهابى وتنظيمه السياسى السري.


وقد قام هذا « الإعلامى « باستغلال تصريح لوزير العدالة الانتقالية والشؤون القانونية لمجلس الوزراء « مجدى العجاتى « للترويج لفكرة إمكانية عقد مصالحة سياسية بين الدولة من جهة..وتنظيم الإخوان الإرهابي..من جهة أخرى.


والهدف من هذه المناورة الإعلامية لا يخرج عن أحد احتمالين.


الأول : نشر مناخ من التشكيك حول تصميم السلطة السياسية على تفكيك الأسس المادية لتنظيم الإخوان وإسقاط دعائمه المادية من أجنحة عسكرية واستخباراتية ومالية وإعلامية.


الإحتمال الثانى : أن تكون هذه الشائعات هى محض مناورة مدفوعة الثمن يقوم بها هذا الإعلامى لصالح «التنظيم الإخواني» الذى يدفع بسخاء لكثير من الصحفيين فى الداخل والخارج لتحقيق أغراضه الملتوية.


وواقع الأمر أن تصريح الوزير «العجاتي»..والذى راجعته فى أكثر من مصدر صحفي.. لا يتضمن بالمرة فكرة مصالحة سياسية مع «تنظيم الإخوان» من حيث كونه تنظيما مؤسساتيا له قيادة وقواعد.


فحديث وزير الشئون القانونية لمجلس ااوزراء كان مقصورا على إمكانية عودة الأفراد الذين لم يرتكبوا جرائم قتل أو حرق أو تخريب لحياتهم الطبيعية بشرط إعلان توبتهم عن أفعال التنظيم الإرهابية والتخلى عن قادته المخربين.


فقد قال الوزير العجاتى بالنص إن : «الدستور يريد إنهاء تلك المسألة الخلافية، وأن نعود نسيجا واحدا، ليس هناك إخوان وغير إخوان، ومرسى وغير مرسى، هذا هو هدف المُشرع، لكن ممكن نتصالح مع الإخوانى إذا لم تُلوث يده بالدم، لأنه مواطن فى النهاية، ما دام لم يُنسب إليه أى فعل إجرامي، فلماذا لا نتصالح معه ويدخل ضمن نسيج الشعب المصرى».


وتصريح الوزير لا يترك مجالا للشك أن الدولة حريصة على تفريغ التنظيم من أفراده الذين يودون العودة للحياة العامة والاندماج فى المجتمع الجديد دون مطاردة أو سلب لحرياتهم الشخصية والاجتماعية.. وتشجيعهم على الخروج من « التنظيم « دون خوف من الانتقام فى السجون أو الملاحقة القضائية.


فى هذه الحدود السابقة..يبدو التصريح مقبولا...لماذا؟؟!!


أولا : ﻷن « تنظيم الإخوان « هو تنظيم كبير وضخم من حيث عدد العضوية..حيث تصل التقديرات الأمنية لعدد أعضائه الفعليين ما بين ٣٠٠ ألف و ٤٥٠ ألف شخص.


وقد يكون المعروف منهم لدى دوائر الأمن نصف أو ربع هذا العدد...وهو رقم سيربو.. فى هذه الحالة.. على ما يقرب من ٢٠٠ ألف عضو فعال أو منتسب.


ولو افترضنا أن المعروف منهم لدى أجهزة الأمن عدد يقارب المائة ألف..فمن الصعب سجن كل هؤلاء..أو وضعهم رهن الاعتقال دون تهم جنائية.. أو لمجرد الانتماء لتنظيم الإخوان..أو حتى لمجرد الاشتباه فى الانتماء للتنظيم.


وثانيا : ﻷن تنظيم الإخوان أصبح تنظيما محظورا ومتهما بالضلوع فى عمليات الإرهاب.. وهذا الحظر لم يعد مقصورا على مصر وبعد البلدان العربية القليلة.. ولكنه أصبح توجها عاما فى بعض البلدان الأوروبية وفى أمريكا أيضا.


وهذا يعنى عودة تنظيم الإخوان للنشاط السرى تحت الأرض. ومن المعروف أن عضوية وانتشار هذا التنظيم تتأثر وتتناقص فى ظل العمل السري.. وينفض عنه كثير من أعضائه بمجرد عودته للاختفاء تحت الأرض.


ولعل « قادة التنظيم يعانون فى أعماقهم وفى « اللاوعى الجماعى لهم « عقدة العداء للدولة المصرية « والتى أدى الصدام معها إلى كل ويلات وكوارث ومآسى تنظيم الإخوان.


وهذا يفسر الترويج للمصالحة.. والتى أظنها مبادرات تأتى من الصفوف الثانية والثالثة فى «التنظيم «......... ومن بعض القوى الخارجية التى تحاول إنقاذ الإخوان من المصير البائس الذى تعرض له « التنظيم « خلال سنتين.. تم خلالهما سحق قواعده الناشطة..ووضع قياداته العلنية فى السجون بتهم مختلفة.


إن الضعف الشديد الذى يتعرض له التنظيم الآن لا يسمح له بفرض شروط على الدولة.. فما تم رفضه والإخوان فى السلطة وأوج قوتهم..لا يمكن قبوله الآن وهم فى قمة ضعفهم.


وعودة سريعة للتاريخ تبين لنا كيف انهزم التنظيم فى كل المواجهات مع الدولة منذ العصر الملكى وحتى الآن.


وفى أعقاب كل هزيمة يلجأ التنظيم لكل السبل من أجل العودة للعلنية والشرعية.


وعودة لتاريخ تنظيم الإخوان تعطى فهما واضحا للفكر التنظيمى على مر الحقب.


ولنأخذ مثلا ما حدث فى العصر الملكى من أحداث تبين حرص قادة التنظيم على بقائه والتبرؤ من كل تهم العنف وإلصاقها بالأفراد الصغار والسعى إلى المصالحة مع النظام القائم والعودة للعلنية والحياة الطبيعية.


فلنأخذ.. مثلا.. ما رواه كريم ثابت المستشار الصحفى للملك فاروق.. عن هذه الحقبة حيث نراه يقول : « إن مرشد الإخوان حسن البنا طلب منى التوسط لدى النقراشى باشا لإيقاف تدابير حل ومصادرة جماعة الإخوان.. مذكرا كريم ثابت بضرورة عدم حل الجماعة لأنها ستكون عونا كبيرا للملك والعرش فى مقاومة الشيوعية « !!


وفى نفس الاتجاه يروى الأستاذ « مرتضى المراغى « ( آخر وزير للداخلية قبل ثورة يوليو ) : «إن مرشد الإخوان حسن البنا ذهب إليه فى مسكنه فى حلوان..حينما كان مديرا للأمن.. وطلب منه أن يبلغ الملك أن رئيس الحكومة « النقراشى باشا « يريد حل الجماعة.. وأنه بذلك يؤلب الملك عليهم بما يرسله إليه من تقارير وضعها وكيل الداخلية عبد الرحمن عمار.. زاعما للملك أن الإخوان يريدون قتله.. وقال له - أى لمرتضى المراغى - إننا نستطيع أن نصبر على رئيس الحكومة النقراشى باشا ﻷنه سيترك منصبه فى أى وقت.. أما الملك فهو باق..لذلك أرجوك احمل إليه هذه الرسالة » ( مرتضى المراغى ، غرائب من عهد فاروق وبداية الثورة المصرية ).


وهكذا نرى كيف حاول مرشد الإخوان الأول «حسن البنا» حماية التنظيم من الحل من خلال طلب « الأمان» من الملك ذاته..وإعلان ولائه للعرش.


ورغم تلك المناورة السياسية من مرشد الإخوان، إلا أن قرارا بحل « التنظيم « قد صدر عام ١٩٤٨.


وقد كان رد تنظيم الإخوان سريعا فبعد عشرين يوما فقط من قرار « الحل «.. وتحديدا يوم ٢٨ ديسمبر.. كان رئيس الوزراء « محمود فهمى النقراشى» يتجه إلى المصعد الذى يوصله إلى مكتبه فى وزارة الداخلية..عندما أطلق عليه طالب يرتدى زى ضابط بوليس ثلاث رصاصات فى ظهره..فقضت عليه فورا.


والغريب أن الشخص الذى أطلق عليه النار هو الطالب « عبد الحميد أحمد حسين» ..كان من ضمن المطلوب اعتقالهم من شباب « التنظيم ».. ولكن النقراشى باشا رفض ذلك على حد قول المؤرخ عبد الرحمن الرافعي.. ﻷن والد الطالب كان موظفا بوزارة الداخلية.. ومات فقيرا..فقام النقراشى باشا بتعليم ابنه بالمجان.. وكان هو نفسه الذى قتله!!


الإخوان وثورة يوليو ١٩٥٢


وعلى الرغم مما كان بين تنظيم الضباط الأحرار والإخوان من تعاون فى بداية الثورة ، إلا أنهم.. كعادتهم.. توهموا أنه يمكن فرض سيطرتهم على الشبان الصغار من قادة الثورة.


وسولت لهم خيالاتهم ومظاهر قوة تنظيمهم وحجم عضويته أنهم مؤهلون لحكم البلاد خصوصا بعد حل الأحزاب القديمة.. وبقائهم وحدهم متمتعين بالشرعية وحق العمل العلني.


وسرعان ما حدث الصدام مع القادة الجدد ومشروعهم الثورى لتغيير البلاد.


ومرة ثانية يعود قادة تنظيم الإخوان لسياسة العمل بوجهين.


فبعد محاولة اغتيال عبد الناصر الفاشلة.. سارعت قيادة التنظيم بنفى أى علاقة لها بالمؤامرة والمتآمرين.


فأرسل مرشد الإخوان الثانى « حسن الهضيبى « خطابا لجمال عبد الناصر ينفى فيها علمه بالمؤامرة على حياته.. وأنهم قد ناقشوا مع شباب « التنظيم» فكرة الاغتيالات عند توليه زمام الأمور بالجماعة وانتهوا أنها «تؤخر حركة الإسلام والمسلمين ويؤخر مصر».


وأرسل الأستاذ عبد القادر عودة أيضا خطابا آخر لجمال عبد الناصر ينفى أى علاقة له بالمحامى هنداوى دوير المخطط الرئيسى لمحاولة الاغتيال، والذى كان تدرب فى بمكتبه للمحاماة آنذاك.


وفى هذا الخطاب يقول الأستاذ عبد القادر عودة لجمال عبد الناصر : أهنئك وأهنئ نفسى بنجاتك من تلك المحاولة الآثمة..وهنيئا لك رعاية الله التى تظلك وتحوطك.


ثم يضيف : ولقد استطعت يا أخى بما منحك الله من حكمة واسعة وأفق أن تضع حدا للعداء دام بيننا وبين الإنجليز أكثر من سبعين عاما... وأنه ﻷولى بك بعد ذلك أن تضع حدا للخصومة القائمة بين الإخوان ورجال الجيش... وإن فيك من سعة الصدر وسعة الأفق والتسامح ما يجعلك قادرا على أن تهيئ جو مودة وتعاون بين رجال هذا البلد وهيئاته وبين الحاكمين والمحكومين «.


وقدم الأستاذ عبد القادر عودة.. رحمه الله.. مبادرة لجمال عبد الناصر تقوم على البنود التالية :


أ- حل التنظيم المسلح وتسليم أسلحته خلال أسبوعين.


ب- ابتعاد الجماعة عن العمل السياسى والانصراف إلى الدعوة الإسلامية والتربية فقط.. على أن يتم تنظيم الجماعة فى ظرف أسبوعين أيضا.


ج- توقف الجماعة حملات الإخوان فى الخارج ضد مصر خلال أسبوعين..ولو اقتضى الأمر إرسال مندوبين للخارج لتنفيذ هذا التعهد.


بالمقابل يطلب من جمال عبد الناصر الآتى :


أ - إصدار قرار بوقف العمل بقانون الأسلحة والذخائر ليمكن تسليم ماقد يكون موجودا من الأسلحة والذخائر لدى الأعضاء دون خشية المحاكمة.


ب- إطلاق سراح جميع الإخوان المعتقلين بمجرد تنفيذ التعهد الأول.. حتى نفتح عهدا جديدا خاليا من الشوائب.


ج- السماح له..أى عبد القادر عودة.. بالاجتماع مع الإخوان الموجودين بالسجن الحربى وسجن القلعة.. كذلك السماح بعقد اجتماعات بالخارج بين الإخوان لإقناعهم بهذه المقترحات.


ورغم نفى الأستاذ « عبد القادر عودة « علمه بالمؤامرة..إلا أن هانى دوير..المخطط لمحاولة الاغتيال.. اعترف أنه تلقى تعليمات مكتوبة من رئاسة التنظيم السرى تطلب منه قتل البكباشى جمال عبد الناصر.


وكان قتل عبد الناصر هو إشارة البدء لتنفيذ معلومات موجودة لدى التنظيم السرى للإخوان للتخلص من جميع أعضاء مجلس قيادة الثورة..عدا اللواء محمد نجيب.


كانت خطة الإخوان تقضى بالتخلص من عدد من ضباط الجيش يبلغ عددهم ١٦٠ من قادة وضباط بالقتل أو الخطف.. وذلك بأن يهجم عليهم فى منازلهم بواسطة رجال التنظيم القاطنين فى نفس المناطق التى يقطن بها هؤلاء الضباط.


وعقب ذلك تقوم تنظيمات وشعب الإخوان فى كل القطر بحركة شعبية..يعقبها تكليف الأستاذ محمد العشماوى وزير المعارف الأسبق..ومعه الأستاذ عبد الرحمن عزام ليحلا محل مجلس قيادة الثورة.


وكانت تلك مجمل اعترافات المحامى هنداوى دوير..


وتمت محاكمات واسعة للمتآمرين من قيادات التنظيم.. حيث حكمت بإعدام ستة من قيادات تنظيم الإخوان.. والحكم بالسجن المؤبد وبمدد أخرى لعشرات من رجال التنظيم..خصوصا من أعضاء التنظيم المسلح.


وبعد سنوات قليلة قامت الدولة بالعفو عن كثير من المعتقلين من الإخوان وإعادتهم لوظائفهم.


ولعله من الطريف والمفيد أن نقرأ ما قاله الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بخصوص تلك الفترة فى الحوار الذى دار بينه وبين الأستاذ « خالد محمد خالد « رحمه الله.. أثناء مناقشات اللجنة التحضيرية للمؤتمر القومى لتقرير الميثاق فى نهاية عام ١٩٦١.


وكان الأستاذ خالد محمد خالد قد ناقش الرئيس الراحل فى قرارات العزل السياسى التى شملت الذين طبقت عليهم قوانين الثورة.. ورجال الأحزاب السابقين.. وقال إنه لا يطلب الرحمة..ولكنه يطلب لهم العدل.


ويبدو أن الرئيس جمال عبد الناصر فهم أنه يقصد اعتقال الإخوان ومحاكمتهم.


ولم يدع جمال عبد الناصر الأمر يمر بسهولة.. ولكنه تكلم فى صراحة.. وأعاد إلى الأذهان الموقف من الإخوان.


الغريب أن ما قاله جمال عبد الناصر عام ١٩٦١ يكاد يتطابق مع الوضع الحالى الذى حشر الإخوان المسلمون أنفسهم فيه.


ماذا قال جمال عبد الناصر؟


قال : « أنا أتكلم عن العدل.. فأنا مسئول عن العدل فى هذا البلد.. مسئول أمام الله.. ومسئول أمام الناس..ومسئول أمام نفسي.. ﻷنى مسئول عن كل ما يحدث.. ومسئول عن كل عملية تحصل باعتبارى رئيس الجمهورية الذى انتخبه الشعب فى فترات حرجة.. وفى مرحلة تطور كبيرة من مراحل حياته».


وأضاف جمال عبد الناصر : « نحن لم نظلم.. حاكمنا.. من هم الذين حاكمناهم.. حاكمنا الإخوان المسلمين.. نتكلم إذن على المفتوح.. ولماذا؟ هل حاكمناهم افتراء..أم كان يوجد جيش مسلح ليستخدم للانقضاض على هذا الشعب؟


ويضيف الرئيس جمال عبد الناصر :


«ألم يحدث هذا فى سنة ١٩٥٤؟ هل بدأنا بالعدوان؟ وهل تركناهم فى السجون؟ خرجوا من السجون.. وأكثرهم أفرج عنه قبل أن تنتهى مده العقوبة.. وأكثرهم ممن كانوا فى وظائف وفصلوا منها.. ووضعنا لهم قانونا خاصا لكى يعودوا لوظائفهم.. هذا هو العدل الذى كنا نتبعه ونسير عليه.. لم نقل أبدا إن هذه فرصة ليبقوا فى السجون.. وأمامهم عشر سنوات أو ١٥ سنة.. ونتخلص منهم.. أنا لا أريد أن أتخلص من أى شخص فى هذا البلد.. أريد أن أجمع كل أبناء هذا البلد..وقد خرج منهم ناس بعد سنتين..وبعد ثلاث أو أربع.. عدد كبير جدا من الذين هداهم الله.. وأرجو أن يهديهم الله».


كانت تلك كلمات جمال عبد الناصر فى بداية الستينات.. بعد سبع سنوات من حادث المنشية.. وفى حوار علنى سمعه كل الشعب المصري.


لقد أخرج عبد الناصر معظم المحكوم عليهم بعد قضاء فترة قصيرة من قضاء العقوبة. وأعاد المفصولين إلى أعمالهم بقانون خاص.


فهل اهتدى الإخوان كما تمنى عبد الناصر.. وهل ارتدع تنظيمهم الإرهابى؟؟!!


أبدا !!!


وهنا نعود إلى منتصف الستينات.. وتحديا عام ١٩٦٥.


كانت مصر قد أنهت بنجاح خطة التنمية الاقتصادية.. وحققت أعلى معدل تنمية لبلدان العالم الثالث ( ٧.٣ ٪ ).


وفى تلك الأثناء ، تم بالصدفة اكتشاف تنظيم جديد للإخوان المسلمين.. وتم اكتشاف محاولة جديدة لقلب نظام الحكم وزعزعة استقرار البلد..


واحتوت خطة الإخوان للاستيلاء على الحكم ، خطة لاغتيال جمال عبد الناصر وبعض كبار المسئولين.. و خطة أخرى لاغتيالات واسعة لعدد من الكتاب والفنانين على نحو ما أظهرت التحقيقات.


كما كانت الخطة تتضمن خططا أخرى للنسف والتفجير والتدمير لمحطات كهرباء والكبارى وغيرها من المرافق.. وكان هناك خطة لتفجير القناطر الخيرية وإغراق الدلتا.. وهذه الفكرة كانت بناء على اقتراح من المرشد الجديد الأستاذ سيد قطب !!


وتم اكتشاف المؤامرة الكبيرة.. وقدم أعضاء التنظيم للمحاكمات..فحكمت بإعدام سبعة فقط..ونفذ الحكم فى ثلاثة منهم فقط : سيد قطب.. عبد الفتاح إسماعيل..محمد يوسف هواش.


وتم تخفيف الإعدام عن أربعة منهم لصغر سنهم.


وحكم على ٢٥ بالأشغال الشاقة المؤبدة.. وعلى ١١ بالأشغال الشاقة مددا تتراوح بين ١٠ سنوات و ١٥ سنة..


وحكم على الهضيبى المرشد العام بالسجن ٣ سنوات.


كما أصدرت المحاكم أحكاما أخرى على ٨٣ متهما. وصدرت أحكام بالسجن على ١١٢ آخرين.. وبرأت المحكمة ٣ أشخاص.


وكان هناك معتقلون من الذين كانت لهم صلة بالجماعة..أو الذين لم تثبت إدانتهم فى جرائم..لكن تم اعتقالهم كإجراء وقائي.


ومرة ثانية يقوم عبد الناصر بالإفراج عن المعتقلين.


وقد يكون مفيدا للمرة الثانية قراءة ما قاله عبد الناصر بعدها بسنتين عن وضع الإخوان ومؤامرتهم الثانية ضد الدولة.. وهى تبين مآلات أى مصالحة مع «تنظيم الإخوان».


ففى يوم ٢٣ نوفمبر ١٩٦٧.. بعد النكسة.. وفى افتتاح مجلس الأمة.. تحدث جمال عبد الناصر عن أمر هؤلاء المعتقلين.. فقال : «احنا اعتقلنا عددا من الإخوان بعد عمليات الإرهاب التى كانت موجودة من سنتين.. طبعا ماكنشى المفروض إن إحنا حانعتقل هؤلاء الناس إلى الأبد.. ولكن كان حتى المفروض إن إحنا سننظر فى هذه الاعتقالات.. وكانت فيه بعض تقارير موجودة للإفراج قبل العدوان.. وقبل النكسة.. ولكن طبعا الظروف اللى اتحطينا فيها..خلتنا نوقف أى إفراج.. ماكنش ممكن إنا إحنا نفرج.. ولكن أشعر النهاردة إن وضعنا الداخلى يمكننا إن إحنا نفرج.. وعلى هذا تصدق على الإفراج عن عدد كبير من المعتقلين..ومش هايفضل من المعتقلين إلا الناس اللى كانوا أعضاء فى الجهاز السرى والتنظيمات السرية المسلحة.. وهؤلاء الناس كان عليهم أحكام..شلت عنهم هذه الأحكام.. إما عفوا صحيا.. أو عفوا عاما.. وعملنا لهم قانونا بأنهم يرجعوا إلى وظائفهم».


ويضيف جمال عبد الناصر «هؤلاء الناس بنفرج عنهم بالتدريج.. ولكن عددهم مش هو العدد الكبير..عددهم أقل من ألف».


وهكذا فتح عبد الناصر الباب للإخوان. للمرة الثانية... للعودة إلى حضن الوطن..وعودتهم لوظائفهم.. حتى لا تتشرد أسرهم.


ولكنهم يعودون دوما بعقدهم وكراهيتهم.. ونزعتهم الثأرية..


فما إن خرجوا من السجون وعادوا للشرعية والعمل العلنى بعد الإفراج عنهم عام ١٩٧٤ ، مالبثوا أن عادوا لعقليتهم التآمرية وتشويه صورة جمال عبد الناصر بالأكاذيب عن التعذيب والظلم والقهر ونفى أى علاقة لهم بالعنف والإرهاب.


ورغم أن الرئيس السادات أخرجهم من السجون.. وأفسح لهم حق العمل العلنى والدعوي.. وقام بتدريب شبابهم من الجماعات الإسلامية فى المعسكرات الشبابية المملوكة للدولة لمواجهة الناصريين والماركسيين فى الجامعات.. إلا أن كل ذلك لم يمنعهم من الوثوب عليه واغتياله من خلال أحد التنظيمات التى خرجت من عباءتهم.. وهو تنظيم الجماعات الإسلامية التى صار قادتها أعضاء فى تنظيم الإخوان كعبد المنعم أبو الفتوح وعصام العريان وأبو العلا ماضي..وغيرهم.


ونستخلص من كل هذا العرض الآتى :


أ - أن تنظيم الإخوان هو مؤسسة عالمية متواجدة فى أكثر من ٨٨ دولة.. وقد أصبح يحكم منفردا فى بعض البلدان (السودان)..أو شريكا فى الحكم فى بلدان أخرى (تونس).


وهو ما يعنى أنه تنظيم أخطبوطي.. فقطع أحد أذرعه..لا يعنى موته..بل يستعيض عن ذلك بأذرع أخرى كثيرة للوصول ﻷهدافه..أو إيذاء خصومه.


ب - أن التنظيم نجح مع الوقت فى تكوين إمبراطورية مالية من الشركات والبنوك المعتمدة على نفسها دون حاجة إلى دعم خارجي.


ت - أن التنظيم ومؤسساته صار أيقونة مقدسة يجب الحفاظ عليها بكل الطرق.


ث- أن التنظيم لا يغير وسائله من استهداف السلطة السياسية واستخدام العنف لتحقيق مآربه.


ج - أن التنظيم لم يتعلم أبدا من تاريخه البعيد فى استعجال الصدام مع السلطة السياسية القائمة.. واحتكارها لنفسه.. مما يؤدى إلى تحطم التنظيم وتشتت عضويته.


د- أن الجهاز الدعوى «للتنظيم» ليس سوى مرحلة تكتيكية للوصول إلى هدفه المقدس، وهو احتكار السلطة السياسية.


أن أى مصالحة مع « التنظيم» هى مصالحة مستحيلة على المدى المتوسط والبعيد.. ولا يستفيد منها سوى التنظيم لالتقاط أنفاسه ثم معاودة العمل بالأساليب العنيفة من قتل وتفجير وتدمير.


إن المصالحة مع « تنظيم الإخوان» ليست سوى تقدم على طريق مسدود.. مسدود.. مسدود.