محمود عزت صقر التنظيم

22/06/2016 - 12:05:49

بقلم - العميد:خالد عكاشة رئيس المركز الوطنى للدراسات الأمنية

في نفس التوقيت الذي خرج فيه التسجيل الصوتي لـ «محمود عزت»، وهو الأسبوع الماضي تزامنا مع بداية شهر رمضان الكريم، والذي دعا فيه إلى ضرورة الاصطفاف من جديد محاولا في كلمات وصياغات ثعبانية أن يمرر وضعا جديدا، يقفز فيه ويتسلل ويتجاوز المأزق العميق الذي يضرب أوصال التنظيم عالميا وداخليا والشواهد على ذلك بأكثر مما يمكن تفصيلها، فهي تمتد من الفرع التونسي غربا وبعدها ليبيا ثم جنوبا في السودان مرورا بالأردن ومنها إلى سوريا حتى الوصول إلى معقل التنظيم الدولي بتركيا، وفي القلب منها مصر بالطبع لكن ربما لكل محطة جغرافية من تلك المحطات سيناريو خاص بها إنما المشترك اليقيني بأن جميعها تعيش واقعا كارثيا،


لسنا هنا في مجال تفصيل لكل سيناريو منهم على حده لكن ما يخصنا تحديدا في هذا أن من وسط المشتركات المهمة المتداولة في تلك الفروع والمركز الدولي، أن هذا التسونامي الكابوسي قد بدأ من مصر درة تاج التنظيم والجماعة ومؤسسها الأول والأكبر بكوادرها ومرجعياتها، وانطلق بأمواجه المدمرة منذ السقوط الهائل لحكم الإخوان في ٣٠ يونيه ٢٠١٣م ليضرب بقسوة كافة تلك المحطات ويدفعها لسيناريوهات المأزق المشترك، هذا ما يتم تداوله بداخل التنظيم الدولي وبداخل تلك الفروع المشار إليها في المناطق الأكثر سرية وغير القابلة للنشر حتى لأعضاء التنظيم، بعيدا عن التبريرات والذرائع الصاخبة التي يملأ بها التنظيم صفحاته ومواقعه الإلكترونية حفاظا على تماسك الأعضاء ونسجا لخطاب مضاد يمكن التمترس خلفه أمام فصل الانكشاف الكبير .


المنتجات التي خطط «صقر التنظيم» محمود عزت لدفعها إلى ساحة العمل التنظيمي تزامنا مع ما أعلنه هو في خطابه المذاع، لم تخرج عن نفس مراهناته السابقة التي كان يراهن عليها غداة ثورة يونيه ٢٠١٣م، لا سيما بعد القبض على قيادات مكتب الإرشاد ومنهم المرشد «محمد بديع»، الأول إرهابيا وهو «تنظيم أنصار بيت المقدس» الذي دعا في نفس التوقيت كالعادة إلى موجة تصعيد عملياتي استثمارا هو الآخر لشهر رمضان، واستعادة للأيام الخوالي التي تلت ثورة يناير ٢٠١١م، وامتدت إلى ما بعد ثورة يونيه ٢٠١٣م، عندما كان ينفذ عملياته الإرهابية بالتنسيق ولصالح تنظيم الإخوان. بدأها التنظيم الإرهابي بتنفيذ «مذبحة رفح الأولى» في افتتاحية لعهد «محمد مرسي» في منصب الرئاسة ضد وحدة عسكرية حدودية، استثمرها تنظيم الإخوان على الفور كما كان مرتبا لها في الإطاحة بالمجلس العسكري القوي وقائد المخابرات العامة وقائد قوات الحرس الجمهوري حينئذ، وهذه كانت العملية الإرهابية الوحيدة التي نفذت في عام من حكم الإخوان قبل أن تصمت بنادق ومفخخات الإرهاب لعام كامل بالتمام، قبل أن تستأنف نشاطها وتفتح النيران مرة أخرى بمجرد أن تمت الاطاحة بهم ومبكرا جدا في تاريخ الثاني من يوليو ٢٠١٣م، حيث نفذت عملية تفجير كبيرة لخط الغاز الطبيعي الممتد في سيناء، والتبكير هنا في استعادة زمام المبادأة الإرهابية بسيناء كان ضغطا على الثورة الشعبية الكاملة التي كانت تجتاح كافة محافظات الجمهورية، والثاني من يوليو كتاريخ دال حيث لم يكن حينها قد ظهر الخيط الأبيض من الأسود بالنسبة لتلك الثورة الشعبية، ولهذه العملية الإرهابية وما تبعها من ست هجمات إرهابية مسلحة على أهداف متنوعة تمت خلال ٤٨ ساعة في سيناء هي أيام ٢ ـ ٣ / يوليو جاء التعليق الشهير لـ «محمد البلتاجي»، والذي صرخ فيه لوسائل الإعلام التي كانت لاتزال تلاحقه لتستقي منه التصريحات الرسمية للتنظيم من على أرض اعتصام «رابعة العدوية» بأن إرهاب سيناء يتوقف في نفس لحظة الرجوع عن بيان ٣ يوليو وعودة «محمد مرسي» لقصر الرئاسة، ومنذ هذا التاريخ وتلك المحطة وما تلاها من أحداث إرهابية وعنف دامى، لم يتوقف التنظيم الإرهابي في سيناء حتى اليوم عن تنفيذ مهام الإرهاب بالوكالة لصالح تنظيم الإخوان، فاعتبارا من يوليو ٢٠١٣م وحتى صدور بيان «محمود عزت» الآخير لم يتخلف التنظيم بسيناء عن التنسيق مع موجات تصعيد الإخوان المعلنة وغير المعلنة، فجريمة اغتيال الشهيد المستشار «النائب العام/ هشام بركات» عدو الإخوان الأول بتكليف وتخطيط إخواني، ونفذ العملية عناصر إخوانية تلقت تأهيلها في سيناء على أيدي التنظيم الإرهابي وبمساعدة قيادات من «حماس/ فرع الإخوان بغزة» وتشارك معهم عناصر من أنصار بيت المقدس في التنفيذ هذه أكبر عملية اغتيال لشخصية قضائية رفيعة نفذت في رمضان الماضي، لكن في كافة محطات القضايا المنظورة أمام القضاء، لم يترك «تنظيم أنصار بيت المقدس» جلسة فاصلة أو حكما صادرا أو إحالة ما لقيادات الإخوان إلا وصاحبها عمل إرهابي بمبدأ «وكالة» رد الفعل، منها ثلاثة من رجال النيابة تم اغتيالهم على طريق العريش في مايو ٢٠١٥م، بعد ساعات من صدور حكم بإحالة أوراق «محمد مرسي» و٣٥ من قيادات تنظيم الإخوان إلى فضيلة المفتي في قضية التخابر مع جهات أجنبية، هذا على سبيل المثال والوقائع أطول مما يمكن حصرها جميعا بتواريخها وارتباطاتها بدوافع إخوانية مباشرة لا تخطئها العين فضلا عما قدم من أدلة مادية بشأنها أمام جهات التحقيق والقضاء .


لكن أين موقع «محمود عزت» من كافة تلك الترتيبات خاصة بعدما ذكرنا أن هذا الشق التنسيقي يعتبر أحد مراهنات صقر التنظيم في المرحلة القادم. فضلا عن اضطلاع «خيرت الشاطر» رجل مكتب الإرشاد القوي بهذا الدور طوال الفترة ما بين يناير ٢٠١١م وحتى القبض عليه فيما بعد ثورة يونيه ٢٠١٣م، لاسيما وهذه المهمة المسندة إلى الشاطر بتكليف من مكتب الإرشاد الذي كان يضم «محمود عزت» حينها، كان يمارسها الشاطر عبر مجموعة من الوسطاء والسفراء الذين لم تنقطع زياراتهم السرية إلى مدينة «العريش» وما حولها طوال فترة حكم «محمد مرسي» وما سبقها من مرحلة انتقالية، في تلك الزيارات كان سفراء مكتب الإرشاد ينقلون تعليمات الجماعة إلى التنظيمات الإرهابية ويتلقون من هؤلاء طلباتهم من الإخوان، وظل الشاطر ينسق معادلات التعاون والتحالف فيما بينهم من خلال سفرائه الذين كانوا الأشهر منهم والمعروف إعلاميا كلا من «صفوت حجازي» و»محمد الظواهري»، وقد جاء في اعترافات الآخير أمام «شادي البرقوقي ـ وكيل نيابة أمن الدولة العلياـ في جلسة التحقيق الأول ما يؤكد بعضا من هذه المشاهد والأدوار، حيث أقر محمد الظواهري بأنه قد تلقى «١٥ مليون دولار» من «خيرت الشاطر» نائب المرشد العام لجماعة الإخوان قبل القبض عليه في أغسطس ٢٠١٣م، هذا المبلغ كان نظيرا لشراء أسلحة للجماعات الإرهابية في سيناء وأنه سلم هذه الأموال إلى «الدكتور. رمزي موافي» المعروف بطبيب ابن لادن، وكانت هذه المهمة التي أنفذ الظواهري موافي لتنفيذها في سيناء في إطار تصعيد النشاط المسلح في مواجهة عناصر الجيش والشرطة فيما بعد ثورة يونيه، وأضاف الظواهري في التحقيقات المسجلة بأقواله أن عملية شراء الأسلحة تمت بالفعل من ليبيا واليمن، حيث اعترف الظواهري أنه قد أعطى «صلاح شحاتة ـ أمين عام تنظيم القاعدة في ليبيا» جزءا من هذه الأموال، ليقوم بعدها شحاتة بتهريب الأسلحة إلى مصر وتخزينها في أحد المخازن التابعة لـ «ممتاز دغمش ـ قائد تنظيم جيش الإسلام الفلسطيني» وتم استخدام تلك الأسلحة فيما بعد في عمليات إرهابية .. لم يقتصر اعتراف الظواهري في التحقيق على تلك المعلومات، بل استطرد إلى مجموعة من الوقائع الاخرى التي دارت معظمها فيما يخص العام والشهور الأخيرة قبيل اندلاع ثورة يونيه، ثبت الظواهري خلالها طبيعة العلاقة الوثيقة والرعاية التي كان مكتب الإرشاد يسبغها على تنظيمات سيناء المسلحة رغم انتمائها «للسلفية الجهادية» التي في طبيعتها التنظيمية والمرجعيات لا علاقة لها بالإخوان، لكن التنسيق وفرض الرعاية الإخوانية جاءت بتنسيق أعلى مع قيادة تنظيم القاعدة «أيمن الظواهري» الذي يشكل المرجعية الرسمية لتنظيمات سيناء، ولذلك كان حرص مكتب الإرشاد و»خيرت الشاطر» على أن يكون «محمد الظواهري» شقيق القائد أحد أبرز السفراء المعتمدين لما يحوزه من ثقة لدى التنظيمات الموجودة بسيناء، وهو بالفعل كان استقطابا واختيارا ذكيا من قبل الإخوان استطاعوا من خلاله ابتلاع تنظيمات سيناء المسلحة القوية في جعبتهم .


هذا المخزن المشار إليه في اعترافات الظواهري والذي تم إرسال الأسلحة إليه موجود على أرض سيناء رغم أن «ممتاز دغمش» مقيم بتنظيمه في قطاع غزة، وهذه صورة أخرى لطبيعة العلاقات ما بين التنظيمات بعضها ببعض في مسرح عمليات مشترك كسيناء ومتجاور كقطاع غزة، فالسلاح يتم نقله وتخزينه عبر مهربين محترفين إلى مخازن في سيناء يدبرها ويحرسها عناصر التنظيمات الإرهابية، رغم أن ما فيها من سلاح يخص تنظيم فلسطيني يقوم بذلك هربا من ملاحقة الجانب الإسرائيلي لتدفق الأسلحة إليه عبر الأنفاق في طريق من سيناء إلى رفح الفلسطينية، فهو يحتال على ذلك بتخزين أسلحته وخاصة الثقيلة منها بأرض سيناء في عهدة تنظيمات إرهابية تتلقى من «ممتاز دغمش» أثمانا وخدمات لوجيستية مقابل هذه المهمة الثمينة. وفي الوقت الذي استمر «خيرت الشاطر» يدير تلك المنظومة حتى إلقاء القبض عليه بعدها استلام صقر التنظيم «محمود عزت» طرف هذا الخيط الثمين، ليدير ويستثمر من خلاله القوة الضاربة المسلحة الأقوى في مواجهة الدولة فيما بعد ٣٠ يونيه ٢٠١٣م، حتى أنه تردد بقوة حينها أن عزت قد تم تهريبه إلى غزة عبر الأنفاق ويدير تلك المنظومة الإرهابية في سيناء من “فندق الشاطئ” الشهير بغزة بمساعدة عناصر القسام التابعة لـ «حركة حماس»، ولم يخرج ما ينفي هذا الطرح الذي تم تداوله عن المرشد الجديد الهارب ومكان اختبائه، بل يكاد يكون قد تأكد من أكثر من مصدر فلسطيني حينئذ ..............


منظومة الإرهاب المسلح هي التي اعتبرت مراهنة «محمود عزت» الأولى في مجابهته ولملمته لشتات التنظيم في مواجهة سقوط تنظيمي مدوي مني به بغتة، فماذا عن مراهنته الثانية التي كان يعدها على نار هادئة استعدادا لدفعها إلى الساحة للقيام بأدوار ثمينة وعديدة هي الأخرى، .... هذا ما سنتناوله في الحلقة الثالثة الأسبوع القادم بمشيئة الله تعالى .