القضاء بين رسالته وأحماله

22/06/2016 - 12:02:37

بقلم - رجائى عطية

لا أعرف فترةً فى تاريخ مصر حَمَل قضاؤها أو تَحمَّلَ ما يحمله ويتحمله القضاء المصرى الآن من أحمال وأعباء جسام، وهو يحملها ويتحملها فى ظروف عسيرة ومعاندة لم تقتصر على نوعية وأعداد ما صارت الأحداث الجسيمة تدفعه إليه من قضايا ومعضلات، وإنما امتدت إلى استهدافه والحرب المرتبة لتفريغه توطئةً لأخونته التى بدأ السعى إليها على الواسع من قبل العام الذى قفز فيه الإخوان إلى سدة الحكم.. وتزامن هذا الهجوم الممنهج مع ممارسات عمياء أعطت لنفسها حق التدخل فى أعمال القضاء، والتعقيب على أحكامه، وفرض رؤيتها على نظام الدعوى والهيئة التى تنظرها، وأسلوب نظرها، وما يحسن فى نظر المتداخلين أن يصدر فى كل منها من أحكام، والاعتراض بجهالة على من يتنحى من القضاة لاستشعار الحرج، مع أن التنحى هنا آمن للدعوى ولم يتنح لأن البديل احتمال الميل الذى يريد القاضى أن يتّقيه أو يبتعد عن أى شبهة فيه. بينما ذات المعترضين يملأون الدنيا صياحًا بتوفير الضمانات والظروف لاستقلال القضاء واستقلال القاضى، غير دارين أن التنحى الذى يعترضون عليه هو حماية أساسية لهذا الاستقلال، حين يستشعر القاضى حرجًا يقدره هو ـ لا سواه ـ يمكن أن يمس هذا الاستقلال أو يثير أى مظنة أو اشتباه فيه.


منذ يناير ٢٠١١، تزايدت أعباء القضاء، بين ما يحمله أصلاً، وبين ما زاد عليه من واقع مساءلات انفجرت عن أخطاء جرت خلال النظام الغارب، ومساءلات يفرضها القانون وتفرضها العدالة التى صارت ممتحنة بالفرز الواجب بين البلاغات الصادقة، وبين الأكاذيب والأغراض والانتقامات وتصفية الحسابات. والعدالة يجب أن تفرز وأن تمحص لتقضى بالحق لا سواه.


وسيلٌ آخر من قضايا دَفَعت بها الفوضى إلى الساحة، وممارسات أخطأت السبيل عن قصد أو عن قلة دراية أو عن اندفاع غير متبصر، مست أرواحًا وحقوقًا عامة وخاصة جديرة بالحماية، زاد عليها هجمات الإرهاب الذى انتهز الفرصة، وأعمل الضرب فى كل اتجاه، بسفك الدماء وإزهاق الأرواح، وتحريق الزرع والضرع، ونشر الدمار والهلاك، وتخريب الديار والمرافق العامة والممتلكات الخاصة، والقضاء على الأخضر واليابس.


التربص المقصود !


ومنذ يناير ٢٠١١، وخطة استهداف وضرب القضاء قد ظهرت معالمها، وبدت خطواتها واضحة، وراء مزاعم للإخوان بتطهير واجب، وخلط مريب مقصود بين مثالب أو انحرافات فى النظام الآفل، وبين القضاء بتعلة أنه مسئول عن عدم التصدى لها فى أوانها، وكأنه طرف فى الحياة السياسية التى تحرص ولا تزال على تنحية القضاء عنها، وتحريم الاشتغال بها على رجال القضاء ضمانًا لاستقلالهم، وتجنيبًا لهم عن دنيا السياسة وأغراضها، وتتابعت داخل البرلمان وخارجه موجات الهجوم المنظم على القضاء، ما بين حصار وتحريق دور المحاكم ومقار النيابات، أو حصارها بالجنازير والحشود، أو التهديدات السافرة للقضاة أثناء نظر الدعاوى، وبين اغتيالات متتابعة لرجال القضاء وأعضاء النيابة، وصلت أخيرا للنائب العام الذى اغتيل جهارًا نهارًا فى قلب القاهرة، وهو اغتيال سبقه ومنذ البدايات الإصرار الجهول على عزل النائب العام، ومعاودة الكرَّة بعد إخفاق المحاولة الأولى، والإعداد بليلٍ لقانون للسلطة القضائية يفرغها من أعز خبراتها، ويصفيها توطئة للأرتال التى طفق حكم الإخوان يدفع بها إلى القضاء من الأبواب والنوافذ، بتعلة الفراغ الذى يصطنعه بتآمره اللحوح المصرّ على هدم صرح القضاء وتوظيف الأهل والعشيرة للعمل وفق المطلوب والمرام !


المحيط الخانق!


وبالتوازى مع هذا التربص والضرب المقصود، اندفعت ممارسات عمياء، بسوء النية أحيانًا، وبالجهل الضرير أو حب الاستعراض والظهور أحيانا أخرى، لتشكل هذه وتلك محيطا خانقًا يعرقل مسار العدالة. البعض يدفع إلى عجلة غير متبصرة يريد فرضها على قضاة الدعوى المسئولين عن حكمهم أمام الله، بذريعة طول الشوق إلى الإنصاف، والبعض يشغب على المحاكم والنيابات أثناء نظر الدعاوى أو إجراء التحقيقات، والبعض يعقب على الأحكام، وصحف مشبوهة تحمل مانشيتات تقـول : « أحكـام القضاء على الثورة » !!، وأخرى تقول : « انتبهوا !!.. الثورة ترجع إلى الخلف !! ». ويقترح البعض تشكيل « دوائر خاصة » تحال إليها قضايا بعينها، عن علم أو عن جهل بأن هذا هو عين ضرب استقلال القضاء، والزج به فى مواطن الشبهات، فسوف يكون حكمه فى الحالين سببًا للملامة من هذا أو ذاك، وامتدت هذه الممارسات الجانحة إلى أهالى تجار المخدرات، وذابحى الحمير والكلاب، فقام أهالى أحد تجار المخدرات عقب الحكم بإدانته فى دار القضاء العالى، بأعمال شغب وإتلاف طالت سراى المحكمة العريقة، وسيارات القضاة والمستشارين الواقفة فى حرمها، ولم يتوان أهالى جزارى الحمير والكلاب عن اقتحام الساحة باعتراضاتهم وشغبهم فيما عرف به القاصى والدانى !


ويقتحم الساحة طلاب الاستعراض والظهور، فيعترض أحدهم على قرار حظر النشر فى هذه القضية أو تلك، ويبادر مع أنه من العاملين بالقانون ويعرف ما يجوز وما لا يجوزـ يبادر برفع دعوى أمام القضاء الإدارى للحكم بإلغاء قرار النائب العام بحظر النشر، مع أنه قرار قضائى لا يجوز الطعن عليه أمام القضاء الإدارى المختص بالقرارات الإدارية، وهو فضلاً عن ذلك قرار يستهدف الصالح العام مراعاة لمقتضيات السرية ـ وهى الأصل فى التحقيق ـ لعدم عرقلة سعى التحقيق للكشف عن الأدلة وعن مرتكبى الجرائم والمدبرين لها !


وتتعدد صور التداخل فى أعمال القضاء ومسار العدالة بغير حدود، لتشكل ضغطًا ربما لا يقصده بعض المتداخلين بغير فهم، وتزيد المحيط اختناقًا، وتعرقل واعية أو جاهلة رسالة العدالة فى سعيها لإرساء العدل !


القضاء والسياسة


من عشرات السنين، لم تفترض السلطة القضائية، ولا افترض المشرع المصرى، أن القضاة ملائكة ليسوا من طينة البشر، ولا افترضت لهم قداسة تغفل وجوب ضمان الاستقلال والحيدة من ناحية، أو تصادر على المراجعة بل وعلى الحساب إذا لزم الأمر ، فى إطار ما يجب أن يتحقق لرجل القضاء من مكانة تحفظ له ذات الاستقلال والحيدة التى سعت السلطتان التشريعية والقضائية لتحقيقهما له.


وقد كان العمل بالسياسة، وبحورها عميقة واتجاهاتها متشعبة، فى مقدمة المحرمات التى اتفقت السلطتان القضائية والتشريعية على النص عليها فى قانون السلطة القضائية.. وتأتى مخاطر السياسة فى أن تأثيرات العمل بها قد تتسلل إلى القاضى فى منطقة اللاوعى، وهى منطقة تختلف عن منطقة الوعى التى يستطيع بها أن يعصم نفسه من تأثير المال أو الصلات أو القرابات أو الصداقات أو المحبات أو الخواطر أو الكراهات.. فهذه الدوائر ظاهرة ملموسة، تشرئب بذاتها فتحذر من احتمالات التأثر بها مهما كانت المناعة أو الحصانة البشرية.. بيد أن السياسة قد تؤدى إلى معتقدات تتسلل إلى وجدان القاضى وتحدث تأثيرات ربما لا يراها أو لا يراها بوضوح، فتؤثر على استقلاليته أمام المجتمع والمتقاضين من جهة، وتحمل احتمالات التأثير الواعى أو غير الواعى على رأيه واتجاهه، أو تؤثر على قراراته وعلى قضائه..


ولذلك كان تحريم العمل بالسياسة تحريمًا حازمًا، بلغ من من حرصه أنه لم يكتف فقط بتحريم الانضمام إلى الأحزاب، وإنما حرص على تحريم كثير من الأعمال العامة كمجالس إدارات الأندية والاتحادات والهيئات، وعضوية المجالس النيابية والشعبية، أو الكيانات الصحفية والإعلامية، إلى غير ذلك مما قد يتماس مع السياسة ولو من بعيد، ولو بأسلوب غير مباشر، بل وبلغ من حزم الحظر ـ تحريم إبداء الآراء السياسية بكل صورها، لضمان ابتعاد رجال القضاء والنيابة العامة ابتعادًا تامًّا عن غمار السياسة وما يمكن أن تؤدى إليه من مساس بصورة القاضى وحياده واستقلاليته.


ولم يترخص مجلس القضاء الأعلى قط فى تطبيق هذه القواعد، وقد رأينا قرارات صدرت باستبعاد من خاضوا غمار السياسة أو اعتنقوها أو أبدوا آراء فيها، من صفوف القضاء، ورأينا كيف قضت المحاكم بقبول ردّ أحد كبار القضاة أكثر من مرة، لأنه أبدى رأيًا فيه مسحة أو رؤية سياسية، أقلقت المتقاضين أمامه فى بعض الدعاوى التى تحمل هذه المسحة !


والواقع أنه مع أهمية هذا التحريم للاشتغال أو الانشغال بالسياسة فى كل وقت، فإن هذا التحريم يزداد أهمية، بل وقصوى فى السنوات الأخيرة، مردّ ذلك إلى أن نسبة غير قليلة إن لم تكن كثيرة من القضايا المتداولة تحمل مسحة سياسية، أو اعتناقًا سياسيًّا فى ثناياها أو فى موضوعها أو فى دوافعها أو بواعثها أو أغراضها ، بحيث صار الاشتغال أو الانشغال بالسياسة، أو اعتناق أى منظور فيها، يهدد مسار العدالة تهديدًا حقيقيًّا، استبان بوضوح تقدير مجلس القضاء الأعلى لأهميته فيما قضى به أخيرًا من استبعاد عدد غير قليل اشتغلوا بالسياسة أو اعتنقوا بعض توجهاتها أو أبدوا آراءً فيها تؤثر على استقلاليتهم والحياد الواجب لهم ، مثلما تجلى ذلك فى ردّ المحاكم لأحد كبار رجال القضاء ـ عن نظر أكثر من قضية لرأىٍ سبق أن أبداه فيه رؤية سياسية.


تحريم عام


وهذا التحريم تحريم عام، لقضاة المنصة، وأيضًا لأعضاء النيابة العامة، لاتحاد العلة والحكمة معًا ، وليس ذلك اشتباهًا فى معدن أو نوايا أحدٍ من هؤلاء وأولاء، وإنما سدًّا للذرائع، وضمانًا لصورة رجل القضاء والنيابة العامة فى نظر المجتمع، وضمانًا لاستقلاليته وحيدته، ودفعًا لأى مظنة بسبب مبدأ عدم تجزئة النيابة العامة واستمدادها من سلطتها الأعلى ممثلةً فى النائب العام، وتقويةً للقاضى ذاته، ولعضو النيابة العامة، على النهوض برسالته وهو مطمئن تمام الاطمئنان إلى أنه يعمل فى سلطة قضائية مستقلة ، وأن استقلالها منعكس عليه، يضمن له الحصانة والاستقلال أمام كافة السلطات، بما فيها السلطة الأعلى فى القضاء ذاته.


دوائر تأثير أخرى


من صنعنا ومن صنع المقادير!


على أن دوائر التأثير المحتمل ـ لا تقتصر على السياسة وبحورها، واتجاهاتها وأغراضها، وإنما هناك دوائر تأثير بعضها قديم، وبعضها استحدثته الظروف الطارئة الثقيلة التى يتعرض لها الوطن والشعب من سنوات، ولها انعكاساتها بالتأكيد على رجل القضاء الذى هو بشر، يرد عليه ما يرد على البشر، وكيف يخرج عن هذه البشرية التى لم يستثن صفى السماء ـ عليه الصلاة والسلام ـ نفسه منها ؟!


عُرض عليه ـ صلى الله عليه وسلم ـ نزاعٌ فى مسألة مواريث تقادم العهد بها، واستعصى حلها، فخاطب المتخاصمين بعبارة مأثورة، قال فيها : « إنكم تختصمون إلىّ، وإنما أنا بشر مثلكم فيما لم يُنَزل علىّ فيه وحى، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ( أى أقدر على عرضها والإقناع بها )، فأقضى له على نحوٍ مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه بشىء (وهذا إقرار صريح باحتمال الخطأ) فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعةً من نار!».


والسلطتان التشريعية والقضائية قررتا فيما تملكانه ـ إقامة نظام التقاضى على درجات، على تفصيل ليس موضوعنا هنا، لغايةٍ واحدة هى تدارك الدرجة الأعلى ما عساه يكون من خطأ للدرجة الأدنى.


بيد أن هذه أيسر العوارض التى قد تعترض مسار العدالة، وإذا كنت أتحدث هنا عن دوائر التأثير المتزايدة الآن، وبعضها من صنعنا والبعض من صنع المقادير، فإن غايتى من قرع الأجراس ـ أن نتنبه إلى أننا نحاصر قضاتنا بمؤثرات تضيف همومًا إلى الهم الثقيل الذى يحملونه ويتحملونه.


إن القاضى، وكذلك عضو النيابة العامة ونائبها العام، مطالبون جميعًا بوأد كل عوامل التأثير الإنسانى، وتنحيتها جانبًا، ليخلص لكل منهم إرادته وحياده وعدله، محكومين بالضمير اليقظ الذى لا يجامل، وإنما يقى نفسه من كل عوامل التأثير المحيطة به مهما كانت قوية وثقيلة الوطأة تستعصى مقاومتها حتى على الجبال الرواسى !


قد يكون أبسط هذه المؤثرات، خطابات وبرقيات التهديد، والمكالمات المجهولة المتوعدة، ولكننا نرى أن التهديد والوعيد قد اقترنا بالتنفيذ، ويكاد لا يمضى شهر إلا ويتم اغتيال بعض رجال القضاء والنيابة العامة، فى خسّة ووضاعة، وصلت إلى حد اغتيال النائب العام فى واضحة النهار فى قلب القاهرة.


ولم يقتصر إرهاب القضاة والنيابة العامة على الضربات المخططة، فهناك قنابل عشوائية تُزرع فى طريقهم أو من حولهم هنا هناك، وهناك إلى جانب ذلك حصار وبالسلاح رأيناه يحيط بمجلس الدولة، وبالمحكمة الدستورية العليا، وهناك من يتطاولون على القضاة بالجلسات، ويمارسون الشغب عليهم فى أحط وأسوأ صورة.


ونحن نسمع من وقت لآخر تصريحات القضاة بأنهم لا يخافون ولا يرتاعون، وأن اغتيال القضاة وأعضاء النيابة العامة والنائب العام لن يخيفهم أو يؤثر فيهم، وأن شيئًا ـ مهما بلغ ـ لن يزحزحهم عن العدل الذى ينشدونه. وهذا كلام جميل ورائع، ولكن هل هو يُعبر فى كل الأحوال عن خفايا ما فى النفوس من قلق، وإذا كنا نطمئن إلى أن قضاتنا فدائيون، لا شىء يخيفهم أو يرعبهم أو يؤثر فى قراراتهم وأحكامهم، فهل يكفينا هذا المعتقد المريح لضمائرنا ـ كيما نغسل أيدينا من القضية برمتها وندع قضاتنا لمصيرهم !


إننا لم ندعهم ولا ندعهم، وإنما نلاحقهم للحكم بالعدل، وبعضنا يتزيّد فيفرض عليهم أن يحكموا بما يراه، باعتباره هو عنوان العدل، ولا أحد سواه، ثم نسارع إلى ردّهم عن نظر القضايا، بدعوى العلاقات والصلات والمحبات بهذا أو بذاك من أطراف الخصومة، ونتنادى بأن القاضى يجب أن يكون فى محراب، لا يتأثر بقرابة ولا بصداقة ولا بمحبة ولا بكراهة ولا بخواطر ولا بتوصيات إلى آخر القائمة التى يسارع البعض إلى نقلها من دائرة القواعد الواجب الالتزام بها، إلى دائرة الاتهام فى طلبات الرد التى خرجت وتخرج فى معظم الأحوال عن الصدق وعن الموضوعية !


ومع ذلك ورغمه، نعود لنرتد رغم كل ما نتنادى به، إلى الاعتراض الغليظ على القاضى إذا تنحى استشعارًا للحرج، ونعطى أنفسنا حق التدخل فى ضميره، وننسى أو نتناسى تناقض هذا الاعتراض مع ما نطالب به من عناصر الحيدة والاستقلالية، غير مدركين ـ أو متجاهلين ـ أن هذا التنحى الذى نعترض عليه بغير فهم ولا صفة، هو ضمان الحيدة والاستقلالية اللتين نملأ الدنيا صياحًا بلزومهما.


إن تنحى القاضى لاستشعار الحرج ـ هو حاصل « مناجاة » بين القاضى وضميره، وهذه المناجاة لمطلق تقديره هو، لا لما يراه سواه، فهو المطالب بالحكم بالعدل، وهو غير مأذون له ـ لحكمةٍ معروفة ـ بالإفصاح عن سبب تنحيه، وقد يكون لازمًا واجبًا لا يدركه جهل المعقبين الذين يبيحون لأنفسهم الدخول فى ضمير القاضى.


حتى السياسة التى يتفق الرأى على تحريم العمل بها، تختلف المواقف منها حسب المعسكر الذى يقف فيه المتابع، ولو اتخذت مما جرى من البعض فى رابعة وميدان النهضة مثالاً لموقف المعقبين، لوجدت البعض فى دائرة المحبذين للتداخل فى السياسة كالإخوان ومن جرى مجراهم، ولوجدت البعض فى دائرة المعارضين ـ لما اكتووا واكتوت به مصر والمصريون مما حدث برابعة والنهضة وغيرهما من حوادث الإرهاب وإيذاء مصر والمصريين !


نحن إذن نصنع بأيدينا ما نعود وننتقده ونعترض عليه، ونحن الذين نحمل قضاتنا بما لا يتحمله بشر، ونحن الذين نتداخل تداخلاً أعمى وغير بصير فى عمل العدالة وإجراءاتها وأحكامها، ونحن الذين نضع القضاة وأعضاء النيابة العامة تحت هذه الضغوط، التى أعود فأسلم بأن بعضها من فعل المقادير، وإن تحالفت هذه وتلك فى وضع القضاء تحت هذه الضغوط المؤثرة !


الطاحونة !


إن المشهد الراهن يورى بحالة اشتباك مخيفة كفيلة بأن تأتى على الأخضر واليابس، والقضاء هو الضمان الذى لذنا ولا بديل لنا عن اللوذ به، ونحن نحتاج إلى كل الفطنة والبصيرة لنخرج من رحى هذه الطاحونة، مدركين أن مصر ستبقى بخير ما بقى قضاؤها بخير، وأن حماية القاضى وتوفير استقلاله، لا تأتى فقط مما تنص عليه القوانين من كفالات وضمانات وحصانات، أو تضعه من حدود وقيود، وإنما الكفالة الحقيقية تأتى منا حين يَلزم كلٌّ مِنَّا حدودَهُ لا يتعداها، ولينهض القاضى بأعبائه، وهى ثقيلة، ويؤدى رسالته فى استقلال وفى حيدة، قائمًا بوظيفة هى من وظائف الأنبياء، لا يغنم فيها إلاَّ من قام برسالته وأدى الحق الذى عليه فيها.