فيس بوك فـوضى تهــدد حصــن العــــدالة

22/06/2016 - 11:55:43

تقرير: إيمان كامل

فتح القرار الجمهورى الخاص بفصل شروق جنينة ابنة المستشار هشام جنينة الرئيس السابق للجهاز المركزى للمحاسبات، الباب مجددا أمام الحديث عن تسييس القضاء، ومدى استقلاليته، كذلك مدى قدرة القضاة على التعبير عن آرائهم سواء فى وسائل الإعلام أو على صفحاتهم الشخصية بموقع التواصل الاجتماعى “فيس بوك”.


وحادثة فصل شروق جنينة لإساءتها لوزير العدل السابق أحمد الزند، ليست الأولى التى يكون بطلها ضحية التعبير عن رأيه أو الكتابة عن آخرين على موقع “فيس بوك”، حيث يتم التحقيق حاليا مع ١٠ مستشارين من درجات وظيفية مختلفة لإبداء آراء سياسية عن جزيرتى تيران وصنافير عبر فيس بوك أيضا.


وعن مدى إمكانية تعبير القضاة عن آرائهم، يقول المستشار عادل الشوربجى، نائب رئيس محكمة النقض، وعضو مجلس القضاء الاعلى: إن القضاء المصرى غير مسيس قولا واحدا، والقاضى بمعزل عن النظام السياسى القائم ولا علاقة له بأى نظام سياسى على مدار تاريخ القضاء، مضيفا أن القضاء لم يحاكم محاكمات سياسية لرموز نظامى مبارك ومرسى وإنما كانت محاكمات جنائية ووقائع جنائية تحتمل البراءة او الإدانة، كما أن القاضى يحكم بالبراءة أو الإدانة وفق الأوراق، أما الرأى العام فأصبح يتدخل فى كل شيء، ولكن القاضى لا يتاثر، فهو يكتب أسباب حكمه، سواء الإدانة أو البراءة.. وأنا كقاض لم أطالب أن أوضح لماذا حكمت، فلا ننظر للرأى العام ونقول إن الحكم له أسباب معلنة، وبالفعل منعنا القضاة من إصدار بيانات عقب إصدار أحكامهم، وإنما ما عليه فقط هو توضيح أسباب حكمه وليس بيانا.


وحول إقحام النيابة العامة فى السياسة وخاصة بعد واقعة التحفظ على نقيب الصحفيين واثنين من أعضاء مجلس النقابة لحين دفع كفالة على خلفية أحداث اقتحام الشرطة لمقر النقابة، أكد الشوربجى أن النيابة العامة بمعزل عن السياسة وشعبة أصيلة من شعب القضاء، مواصلا: كنت أعمل لفترة طويلة فى النيابة وأؤكد أن النيابة لم تتاثر بأى عمل سياسى، وفيما يخص أحداث نقابة الصحفيين لا أستطيع التحدث عن قضية منظورة أمام القضاء.


ويرى الشوربجى أن القاضى عليه أن يحتفظ بآرائه الشخصية لنفسه، مضيفًا: “لا يمكن للقاضى أن يقول رأيه فى أمر سياس أو عام على حسابه الشخصى عبر مواقع التواصل الاجتماعى كالفيس بوك وتويتر، وهذا يعرضه للمساءلة القانونية، فالقاضى له صومعته، فلابد أن يكون غير مختلط بعامة الشعب ألا يتحدث بالسياسة.. ومن يريد التحدث بالسياسة يستقيل وينضم لحزب سياسى، ومن يخالف القانون سيلقى جزاء رادعا أيا كانت درجته القضائية”،، معتبرا أن “فيس بوك” محل تهديد للقضاة من قبل الجماعات الإرهابية التى تعد قوائم اغتيالات بأسماء وعناوين وأرقام هواتف القضاة من قبل الفيس.. “نحن معرضون للتهديدات بالقتل والخطف ونعيش فى حراسات مشددة ونستدرج فى الفيس، فحينما يكتب القاضى رأيه فسيجد من يحاوره ويرد عليه، لذلك ننأى بالقاضى عن كل هذه الأمور التى تضعه فى موقف المحاسبة والمساءلة”.


بدورها، قالت المستشارة تهانى الجبالى، نائب رئيس المحمكة الدستورية العليا السابق،: إن القضاء مستقل تماما، وإن القاضى لا يتلقى توجيهات من أحد، “فأتصور أن فكرة تسيس القضاء غير صحيحة وليس لها أساس.. والعدالة ضمير القاضى.. والأمر الهام أن نظامنا القضائى يمر بدرجات تقاضى تدريجية ما بين استئناف ونقض فى القضاء العادى والمحكمة الدستورية ومجلس الدولة الذى يتمتع باستقلاله الذاتى فالقضاء مستقل.. والاختراق الوحيد له هى الخلايا الإخوانية لبعض عناصر من القضاء فى عهد حكم جماعة الإخوان الإرهابية الذى لم يبلغ عددهم إلا أعدادا قليلة وتم إحالتهم للصلاحية”.


وتعتقد الجبالى أن “القضاء ظلم كثيرا فى محاكمته لرؤساء حكمين ورموز أنظمتهم فى جرائم جنائية، مما جعل الرأى العام يتصور أنها محاكمات سياسية، فى حين أن المحاكمات السياسية يتولاها قضاء خاص كما حدث فى ثورة يوليو وما طبقته من قانون الغدر، ولكن القضاء المصرى تحمل عبء محاكمات جنائية والقاضى الذى حكم على الرئيس الأسبق مبارك ألقى بيانا سياسيا يدين فيه النظام وبرأ ذمته أمام التاريخ بأنه لا يحكم بالسياسة، فكان هناك التباس فى إدارة العدالة وارتباك للوعى الجمعى بين الشعب المصرى”.


تاريخ من الاستقلال


وعن تاريخ القضاء المصرى واستقلاليته عبر أنظمة الحكم، قالت القاضية السابقة إن القضاء لم يتاثر حتى فى ظل وجود الرئيس عبد الناصر ظل القضاء مستقل وحينما قامت ثورة يوليو وتطبيق قانون الغدر وقال وقتها عبد الناصر إنه حتى لا يتلوث تاريخ القضاء المصرى بمحاكمات سياسية، لذلك قمت بتطبيق قانون الغدر ولكن ما حدث فى مذبحة القضاة فى عهد عبد الناصر كان خلاف بين بعض القضاة وقتها المعارضين لفكرة الإصلاح الزراعى سنة ٦٨ وتزامن مع لجان تصفية الإقطاع وهى مرحلة كان لها توجهاتها، أما أيام الرئيس السادات حكم القضاء فى قضايا حملت مواجهة مع الرئيس وقتها بحل مجلس نقابة المحاميين والمحكمة الدستورية وقتها حكمت بعدم دستورية نص من نصوص قانون الأحزاب، وبالتالى كان هناك صدام مع النظام إضافة إلى عشرات القضايا التى تحمى الحريات، فتاريخ القضاء المصرى فى ظل كل الأنظمة كان مشرفا وأيام عهد الرئيس مبارك تم الحكم بحل مجلس الشعب مرتين وأحكام ضد نواب التجنيد، فمن يدرس القضاء العادى والإدارى والدستورى يجدهم فى منتهى الاستقلالية.


وواصلت: الجرائم التى حدثت فى القبض على صحفيين من مقر النقابة مثلا تحمل شقا جنائيا مباشرا مثل الخيانة العظمى والتخابر واستخدام العنف المسلح وهى ذات صبغة جنائية والنيابة طرف فيها ولها دور كبير، فهى تقوم بدور محامى الشعب، أما فيما يتعلق بأحداث نقابة الصحفيين فالنيابة أكدت فى بيانها أنها اتخذت إجراء بضبط وإحضار اثنين من الصحفيين ولم تعلق هل دخول الشرطة لحرم النقابة صحيح أم لا وهنا حاولت النيابة أن تنأى بنفسها من أى تأثر إنما ما حدث مع نقيب الصحفيين فى سراى النيابة وخروجه هو واثنان من أعضاء مجلس النقابة بكفالة، فرغم أنه لا تعليق على أحكام أو تحقيقات النيابة إنما شعرت بالمرارة، فحتى لو فى قضية فهم نقباء منتخبين وهم محل معلوم.


وترى الجبالى أن السباب على صفحات فيس بوك ليس رأيًا، “إذا كانت ابنة المستشار جنينة قامت بسب المستشار الزند عبر صفحتها على فيس، فهذا لا يعد إبداء للرأى ولكنه سباب ضد شخصية تدخل فى قائمة المخالفة القانونية، فهى تعرضت لمحاكمة تأديبية أمام المجلس الخاص بهيئة النيابة الإدارية.. وبالتأكيد دخلت فى شكل السب والقذف أو كلام جارح تدخل فى دائرة العقوبة، ومن جانب آخر إذا أبدى القاضى رأيه فى أمر سياسى أيضا على الفيس بوك فمحظور عليه ذلك، فالقاضى لا يعمل بالسياسة وألا ينضم لمنصب سياسى أو حزب أو يشغل منصبا تنفيذيا، وبالتالى ارتكب بذلك مخالفة طبقا لقانون السلطة القضائية ويرتبط بأعمال القواعد المطبقة فى كل هيئة”.


وتابعت: “كل وسائل التواصل الاجتماعى لا يوجد قانون ينظمها وأى ظاهرة لم يتم تقنينها من القانون فهى مسار للفتنة والفوضى؟؟ وهناك صفحات مزورة باسمى وصورتى ويعبرون عن آراء على لسانى، وهذا أمر يزعجنى رغم أنى لا أملك أى حساب على النت أو الفيس، فالظاهرة مقلقة وفى غاية الخطورة وبها كل معانى الفوضى والاستخدام السئ، فلابد من وضع قواعد قانونية منظمة لهذه الفوضى”.


حديث فى السياسة.. بالإجبار


أما المستشار أحمد عبدالرحمن، النائب الأول لرئيس محكمة النقض، عضو مجلس القضاء الأعلى السابق، فشدد على أنه لا يمكن أن يكون القضاء مسيسا، “فعلى مدار السنوات الطويلة فى ظل عصور القهر والاستبداد استطاع القضاء أن يعبر كل هذه الفترات دون تسيسه ويحافظ على استقلاليته”، مشيرا إلى أن “القضاء فرض عليه ظروفا معينة كان يؤدى فيها عمله بمنتهى الصعوبة وأجزم بأنه لم يصدر حكما قضائيا مسيسا، لإرضاء سلطة أو نظام إنما هناك ظروف فرضت على القضاء أن يتحدث فى السياسة مثل عهد الإخوان والإعلان الدستورى وقتها فوقف القضاة ضد هذا العدوان الصارخ على القضاء للحفاظ على استقلاليته، وكذلك فى عام ١٩٦٩ فى عهد الرئيس عبدالناصر حدث ما يسمى بمذبحة القضاة.. وبطبيعة الحال القاضى لا يعمل بالسياسة ولا يمنعه ذلك من إبداء رأيه فى عمله كقاض، لكن دون مشاركة فى مظاهرات أو الانضمام لحزب، وذلك كما نص قانون السلطة القضائية”.


وأكد نائب رئيس محكمة النقض أن “العدالة عمياء، والقاضى حين يحكم لا يعرف ما هو تابع للحاكم أو ضده فهو يطبق القانون وما هو ثابت بالأوراق أمامه، والدليل ما صدر من أحكام من رموز مبارك وما انتهت إليه من براءة لعدم وجود أدلة إدانة وكذلك الأحكام الأخيرة على حسب ما توافر للقاضى من أدلة فهو أمر شائك.. والقضاء يحاول أن ينأى عن نفسه الدخول فى معارك سياسية، ولكن فرض علينا الدخول فى السياسة أحيانا”.


المستشار عادل عبدالحميد، وزير العدل الأسبق، قال إنه “إذا لم يكن لدى المجتمع ثقة فى حياد القاضى ونزاهته وفقد هذه الثقة فانهار أساس القضاء كله.. ولكن ليس للقضاء صلة بالسياسة والقضاة ليسوا سياسيين، وحين يتحدثون يتحدثون بلغة القانون وإعلاء كلمة الحق وتطبيق القانون ولم يتاثر القاضى بأى ضغوط ولا يراعى أى موائمات فى أحكامه ومصلحة الأمن القومى فى تطبيق القانون والمجتمع والبل،د سواء على كافة الأصعدة الإقليمية والدولية، كما أنه لا دخل لوزير العدل فى التأثير على القضاء والسلطة التنفيذية مستقلة تراعى مبدأ الفصل بين السلطات والسلطة القضائية مستقلة والدولة تعزز ذلك”. كما أكد أن النيابة العامة جزء من السلطة القضائية تتمتع بالاستقلالية ولا شأن لها بالسياسة ولا أحد يملى على النائب العام أو أعضاء النيابة أى توجيهات.


قانون لضبط “فيس بوك”


من جانبه، يقول المستشار عبدالفتاح السيد، رئيس محكمة استئناف بنى سويف، أن إبداء القاضى لرأيه على صفحته على الفيس بوك تعرضه للمساءلة القانونية على حسب لو كان رأيه ينحاز لفئة أو حزب معين، فما يباح للعامة قد لا يكون مباحا للقاضى، فالقاضى مقيد بتقاليد قضائية معينة يجب مراعاتها، وبالفعل يتم محاسبة من يخالف هذه التقاليد، ولا يلزم إعلان من تم محاسبته فى القضاء، “كذلك فمجلس القضاء الأعلى يقوم بالتنبيه على القضاة بعدم الحديث فى الأمور العامة وعدم ذكر أسمائهم وعناوينهم على الفيس، ولكن بعض القضاة لم يلتزموا بذلك وأنا عن نفسى ليس لدى أى حساب على الفيس بوك فأرى أنها تحدث بلبلة كبيرة”، مطالبًا باصدار قانون يقنن فوضى الفيس بوك وما يحدثه من فتن فى منتهى الخطورة.


إعلاميًا، يرى د. أبو السعود إبراهيم، الأستاذ بكلية إعلام جامعة القاهرة، رئيس مركز الوثائق والمعلومات لجريدة الأهرام سابقًا: أن موقع فيس بوك أصبح فضاء مفتوحا، ومساحة للملايين الذين من الممكن أن ينتحلوا صفة الشخصيات العامة وغيرها لارتكاب جرائم، ومن ضمن هذه الجرائم عملية الابتزاز والسطو فى البنوك، وذلك بسبب انعدام قوانين تقنن استخدام هذه التقنية الحديثة والخطيرة، فى حين أن هناك بعض الدول بدأت تبحث عن قوانين تنظم هذا الأمر كالصين التى وقفت الإنترنت للبحث عن تنظيمه.


مطلوب مواثيق وتشريعات


ويشدد “أبو السعود” على ضرورة ألا يتم تسيس كل شئ، “فلا يمكن أن يكون فصل ابنة المستشار هشام جنينة بسبب تصريحات والدها، فتصريحاته يحاسب عليها ولا يؤخذ ذنب الابنة بذنب والدها، ولكن إن كانت الابنة أبدت على فيس بوك سبابا للمستشار الزند، فهناك ميثاق داخل هيئتها القضائية للمخالفات والمحاسبة، وبالتالى هيئتها حاولت الحفاظ على هيبتها، ومن ثم حقق معها إذا كان ما قالته يشكل مخالفة فأرى أنه من يريد إبداء رأيه فى حدود عدم الخروج وفيما لا يضر بأشخاص.. وبشكل عام يجب وضع تشريعات للحد من جرائم النت والفيس بوك ووضع معايير وشروط فى ميثاق دولى لحماية الشعوب وأمن المعلومات”.


وتتفق مع د. نجوى كامل، أستاذ الصحافة بجامعة القاهرة، مع د.أبو السعود، وتقول: “الأمر بات فى منتهى الخطورة.. الفيس بوك أصبح مصدرا من وسائل الإعلام وأصبح لاعبا أساسيا للحياة فى مصر، بل ويمثل لوبى قوى جدا، رغم أنه لا يمتلك أداوات القوة، والشئ العجيب الآخر أن من يكتب على الفيس، والذى يسمى بالمواطن الذى يقوم بدور الصحفى، فهو لا يمتلك المعرفة ولا يتأكد من صدق معلوماته، والأغرب أن بعض كبار الصحفيين يقومون بنشر هذه المعلومات سواء من مواطنين عاديين أو مواقع نت مجهولة، وهنا تقع إشكالية خطيرة فأصبح الفيس بوك وسيلة خطيرة على الأمن القومى”.


وعن إبداء بعض القضاة أو رجال الشرطة والجيش وبعض الشخصيات العامة وأساتذة الجامعة آراءهم عبر مواقع التواصل الاجتماعى، قالت: الحرية مكفولة، لكن ليس هناك مايسمى بحرية الشتيمة، وعلى سبيل المثال هناك أشياء كثيرة فى الجامعة غير راضية عنها، ولكن ليس مكان انتقادها على الفيس بوك، لأن الأمر سيصل للسب والقذف، فالقاضى وأستاذ الجامعة وغيرهم فى حاجة لتعلم كيفية التعبير عن الرأى دون الإساءة للآخرين أو لنفسه، فالفيس بوك ليس وسيلة لحل صراعات أو الدخول فيها.. يجب تطبيق القانون والمتابعة الإلكترونية لكل الصفحات التى تمثل تهديدا للأمن القومى، ونحتاج إلى التربية الإعلامية لتعامل الشباب مع المضمون الذى ينشر على مواقع التواصل الاجتماعى، ووضع برامج تثقيف للتعامل مع المضمون الإعلامى الذى يظهر على وسائل التواصل الاجتماعى وهذا دور الإعلام والتعليم”.


 



آخر الأخبار