لماذا عادت حوادث الفتنة الطائفية؟!

22/06/2016 - 11:39:56

بقلم - عبدالقادر شهيب


وذات الشىء قلناه ورددناه بتباهٍ أيضاً حول اختفاء الجريمة فى مناسبات أخرى شتى عشناها، لكننا لم نمض فى القول أن الجرائم عادت لسيرتها المعتادة وربما أكثر بعد انتهاء هذه المناسبات.. ولذلك أعفينا أنفسنا من سؤال ضرورى ومهم حول أسباب ذلك، وتهربنا بالتالى من استنتاج آخر مهم حول أننا لم نتغير قيمياً وسلوكياً.. فما زالت القيم السيئة تتحكم فى سلوكنا بشكل عام، وما زالت القيم الإيجابية «قيم الحق والخير والعدال والجمال، والمواطنة والمساواة والتسامح، واحترام الآخر والعيش المشترك، لم تمد جذورها فى التربة الاجتماعية لمصر».


نعم في لحظات الخطر أو الإحساس الشديد به وفي اللحظات الحاسمة من عمر الوطن نسارع للتماسك فيما بيننا لمواجهة هذا الخطر الذى يهدد كيان وطننا هذه هى سمة مصرية أصيلة تتألق فى الحالة تيتانك، أى حالة الشجار والصدام التى تعيشها مجتمعات أخرى عندما يلحق بأهلها خطر وجودى على غرار ما حدث لركاب السفينة الشهيرة تيتانك الذين انخرطوا فى صدامات للنجاة من الغرق فأودت بهم هذه الصدامات إلى التهلكة.. وفي ظل هذا التماسك الوطنى يظهر أفضل ما فينا، وهو ما نتباهى به دوما.. ويتراجع أو يختفى أسوأ ما فينا.


ولكن بعد تراجع هذا الخطر، أو بالأصح تراجع الإحساس الجمعى به، وبعد انتهاء أو تجاوز اللحظات الحاسمة من عمر الوطن تعود ريمة لعادتها القديمة، أو نعود لقديم سلوكنا، وتعود القيم السلبية غير الطيبة المزروعة في نفوسنا لتتحكم فينا وفي أعمالنا ومواقفنا ورؤانا.. فكل ما واجهناه حتى الآن وما قمنا به سواء فى ٢٥ يناير ٢٠١١، أو ٣٠ يونيه أو ٣ يوليو أو ٢٦ يوليو ٢٠١٣ لم يغير من منظومة قيمنا الاجتماعية، وبالتالى لم يغير من سلوكنا ومواقفنا ورؤانا وآرائنا.


وهذا يفسر لنا ذلك التناقض الصارخ الذى عشناه ونعيشه حتي اليوم بين ظواهر شتى.. مثل ظواهر التآخى الجميل بين المسلمين والمسيحيين في خلال أيام المظاهرات الضخمة التى شهدناها فى يناير ٢٠١١ و يونيه ٢٠١٣، انتفاضة مسلمين للدفاع عن الكنائس وممتلكات لمسيحيين تعرضت للحرق والتدمير والتخريب فى أعقاب فض اعتصام رابعة، وبين ظواهر أخرى مختلفة تماماً مثل ظواهر مشاركة جموع من المسلمين بقرية بالمنيا فى الاعتداء على سيدة مسيحية مسنة، ومثل زغاريد نساء مسلمات للاعتداء على مسيحيين بمنطقة العامرية بالإسكندرية وأيضاً مثل حديث بعض المسيحيين بالمهجر، المشاركين فى مؤتمر عقد مؤخراً حول أن أصل التطرف والإرهاب هو الإسلام.


إن التطرف الدينى والطائفى مازال يعشش على نفوس كثيرة من أهل مصر، وهذا التطرف لم تقضِ عليه كما عشناه من أحداث ضخمة وما واجهناه، ومازلنا نواجهه من أخطار وتحديات هائلة، وما شهدناه من تغيرات سياسية دراماتيكية أنهينا فيها حكم مبارك وأطحنا خلالها بحكم الإخوان، بل وقمنا بتصفية جماعتهم تنظيمياً وإبعادها تماما عن الساحتين السياسية والاجتماعية.


التطرف الدينى والطائفى متجذر في نفوس كثيرة.. وهذا التطرف هو الذى يفرخ لنا أحداثاً وصدامات دينية وطائفية، ويزكيه دعاة له يقاومون اقتلاعه من جذوره في مجتمعنا، بل يوالونه بالرعاية ونشر أفكاره بين عموم الناس، نعم الحكم انحاز إلى قيم المواطنة والمساواة، ويتعامل مع المصريين المسلمين والمصريين المسيحيين بوصفهم فقط مصريين بغض النظر عن اختلافهم فى الدين “ ولكن ذلك وحده لايكفى - رغم أهميته وضروريته - للقضاء على التطرف الدينى والطائفى الذى يفرخ لنا بشكل دورى ومستمر أحداثاً وصدامات دينية وطائفية.. وذلك لأن جذور التطرف ورفض الآخر، بشكل عام وليس الدينى فقط، لم تقتلع من نفوس كثيرين، والقيم الإيجابية قيم المواطنة واحترام الآخر والعيش المشترك لم تنمُ بعد بالدرجة الكافية والمناسبة فى نسيج المجتمع.


لقد تغيرت الصورة السياسية لمصر، وتغيرت أوضاعها الاقتصادية وتغيرت أيضاً أوضاعها العسكرية والاستراتيجية بعد كل ما شهدته من أحداث ضخمة على مدار الخمس سنوات الماضية.. لكن الصورة الاجتماعية لمصر لم تتغير بعد، أو بالأصح لم تتغير بالقدر المناسب والمطلوب لكى تسود المجتمع القيم الإيجابية.. فمازالت القيم السلبية تتحكم في سلوكنا.. ومن يريد أن يتأكد من ذلك فليتابع كيف نتعامل كمجتمع مع قيمة العمل التى لا تحظى بالاحترام وهل محلها قيم الكسب السهل السريع.. وأيضاً كيف تشارك جموع فى عمليات الغش بامتحانات الثانوية العامة، جموع من الطلبة والطالبات وأولياء الأمور، والذين أعدوا صفحات إلكترونية خاصة بالغش والذين يقدمون حلولاً عاجلة لهذه الامتحانات.. وكذلك كيف مازلنا نقضى مصالحنا الحكومية بالرشاوى المالية والعينية رغم أحقيتنا فيها بحكم القانون لصعوبة قضائها بدون دفع فى ظل وجود بيروقراطية عاتية وشديدة البأس مازالت تعطل المراكب السائرة كما نقول!


وهذه القيم السلبية هى التى تتحكم فى مواقفنا وآرائنا تصوغ سلوكنا خلال الفترات العادية.. صحيح أنها تختفى أو ننساها أو بالأصح نتناساها خلال الفترات غير العادية التى تمر بنا مثل أيام حرب أكتوبر، وبالتالى تختفى الجرائم ويسود التماسك الوطنى ونتصرف استرشاداً بكل ما هو طيب من القيم.. أما بعد أن تنتهى هذه الفترات الاستثنائية نعود مجدداً إلى حالتنا العادية.. تلك الحالة التى تصوغها القيم السلبية ولذلك.. حتى تختفى كل الظواهر السلبية التى نشكو منها فى حياتنا لابد أن نتخلص من تلك القيم السلبية التى تتحكم فى سلوكنا وموقفنا.. لابد من اقتلاع هذه القيم من جذورها فى مجتمعنا أو فى نفوسنا، ونزرع محلها قيماً إيجابية.. بصراحة المواطن المصرى الذى يبهر الجميع فى العالم بمواقفه خلال الأوقات الصعبة واللحظات الحاسمة بما يقوم به ويتصرفه يحتاج لإعادة تأهيل كامل لكى يتخلص من عيوبه أو من قيمه السلبية وتتبدل بالتالى مواقفه ويتغير سلوكه، حتى نعود لاحترام قيمة العمل وننبذ قيمة الكسب السهل السريع والحرام، وحتى ننبذ التطرف الدينى والطائفى ونقبل بقيم الموافقة واحترام الآخر والعيش المشترك باختصار حتى نتخلص من كل عيوبنا الاجتماعية والسلوكية.


وهذا التأهيل يحتاج لقرار سيادى أى قرار من الدولة، لأن المسئول عن هذا التأهيل ستكون الدولة ذاتها، وبالتالى عليها أن تتبنى مبادرة أو برنامجا لإعادة تأهيل المواطن المصرى قيمياً تلتزم به وتنفذه خلال مدى زمنى محدد.. ويشمل المواطنين كبارا وصغارا.. ويتسع لشتى المجالات التعليمية والثقافية وأيضاً الخدمية الأخرى والصحية والتعليمية بل وأيضاً الاقتصادية.


إن الدولة تتبنى برنامجاً مهما وضرورياً فى المجال الاقتصادى وذلك لتوفير فرص عمل نحتاجها لشبابنا، ولتوفير الاحتياجات الأساسية والضرورية من السلع والخدمات لعموم المواطنين.. لكن تنفيذاً هذا البرنامج تعوقه تلك القيم السلبية المتفشية فى المجتمع والتى تشدنا إلى الوراء وتفرخ لنا بشكل دورى أحداثاً طائفية وصدامات دينية مؤسفة يستثمرها من يتربصون بنا ويبغون نشر وزرع الفتنة فى مجتمعنا كضرورة للنيل من تماسكنا الوطنى الذى حمانا فى مواجهة تآمرهم علينا والذى كان يستهدف تقويض كيان دولتنا الوطنية أو على الأقل إضعاف هذا الكيان ليسهل التدخل فى شئوننا الداخلية وفرض الهيمنة الأجنبية علينا.


إننا فى لحظة تاريخية مصيرية نواجه فيها تحديات هائلة داخلية وخارجية ومخاطر شديدة.. ولذلك فبلادنا تحتاج لمواطن مصرى راسخ الهوية، عميق الانتماء الوطنى وقادر على التفاعل الاجتماعى ومؤمن بالقيم الإيجابية للمجتمع.. وذلك سوف يتحقق بتأهيل وتنمية المواطن المصرى وذلك يحتاج تنمية الوعى والإدراك من خلال تطوير خدمات التعليم والصحة والثقافة والإعلام وغيرها بما ينعكس على أسلوب حياة المواطن ويسهم فى تقدم المجتمع.


وهذا التأهيل للمواطن المصرى يجب أن يتسع ليشمل كل المراحل العمرية ابتداء من مرحلة الطفولة مروراً بمرحلة الشباب ومتوسطى العمر، ثم مرحلة التقاعد فإن الإنسان دوماً هو الثروة الحقيقة لأى وطن.. ولذلك ينبغى أن يكون الهدف دوماً هو الإنسان أو المواطن.. فهو سوف يتصدى لكل المؤامرات وهو الذى سيعيد بناء دولتنا العصرية الحديثة، وهو الذى سيصون ويحمى كيان هذه الدولة.


لذلك يتعين ألا يشغلنا عملنا الاقتصادى والتنموى عن القيام بذلك الواجب الأساسى وأن تبادر الدولة بالقيام به حتى إن كان يحتاج لوقت ليس بالقصير لأن نتائجه ستكون رائعة: (مجتمعاً متماسكاً، ومواطناً عصرياً راسخ الهوية ومؤمنا بالقيم الإيجابية).. غير أنها يجب أن تفتح الباب أيضاً فى تنفيذ ذلك لمنظمات المجتمع المدنى الراغبة فى القيام بدور فى هذا الشأن، سواء كان جهداً تنموياً أو توعوياً والتى نقدر مسئوليتها المجتمعية.