بدعوى مواجهة التضخم وارتفاع الأسعار: توريط الحكومة فى أزمة «سعر الفائدة»

22/06/2016 - 11:18:41

تقرير : أميرة جاد

«التعليم والصحة».. محاولة الفصل بين أزمات القطاع الأول ومشكلات القطاع الثانى، بالقطع ستكون نوعا من الانتحار السياسى، كما أن الالتزام بسياسة «المسكنات» فى معالجة أمراض التعليم، والعمل على الاكتفاء بـ «المضادات الحيوية» ليبقى القطاع الصحى على قدميه، من المؤكد أنها ستجعل الأمور داخل القطاعين تنتهى بـ «كارثة» لن يقدر أحد على تحمل آثارها الجانبية فقط.


ما بين الحديث عن أن الأوضاع الحالية تدفع جميعها فى اتجاه اتخاذ القرار، والتحذير من تبعات القرار، قرر البنك المركزى المصرى – نهاية الأسبوع الماضى، فى الاجتماع الأخير للجنة السياسات النقدية، رفع أسعار الفائدة على الإيداع والإقراض بمقدار ١٠٠ نقطة أساس أى بنسبة ١٪، من ١٠.٧٥٪، و١١.٧٥٪، إلى ١١.٧٥٪ و١٢.٧٥٪ على التوالى، وسعر الائتمان والخصم من ١١.٢٥٪ إلى ١٢.٢٥٪، وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزى من ١١.٢٥٪ إلى ١٢.٢٥٪.


«لجنة السياسات النقدية» من جانبها بررت قرار رفع أسعار الفائدة برغبتها فى كبح جماح الأسعار والحد من زيادات معدلات التضخم، حيث قال البنك فى بيان رسمى صادر عنه «وسط تسجيل معدلات التضخم مستويات غير مسبوقة، فقد شهد الرقم القياسى لأسعار المستهلكين الذى أعلنه الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء ارتفاعًا شهريًا قدره ٣.٠٥٪ خلال شهر مايو الماضى، فى مقابل ارتفاع شهري قدره ١.٢٧٪ فى إبريل ليعتبر هذا المعدل من أعلى متوسط المعدلات الشهرية المسجلة خلال أربعة الأشهر الأولى من عام ٢٠١٦ والبالغ ٠.٩٤٪، وارتفع المعدل السنوى للتضخم العام من ١٠.٢٧٪ إلى ١٢.٣٠٪ فى مايو الماضي.


ويبقى التأكيد هنا على أن استهداف البنك المركزى تخفيض معدلات التضخم من خلال رفع سعر الفائدة أثار جدلا واسعا فى الأوساط المصرفية ومجتمع الأعمال، وذلك نظرا لما يحمله القرار من تبعات مختلفة على الاستثمار والنمو والدين العام، وكذلك معدلات التضخم التى يستهدفها المركزى نفسه، لأن رفع سعر الفائدة يعنى زيادة تكلفة التمويل الإنتاجية، وهو ما يؤدى إلى أحد أمرين، إما العزوف عن الاستثمار، وهو ما ينتج عنه مزيد من الركود والبطالة أو العمل على رفع سعر المنتج النهائى من أجل تغطيه الزيادة فى تكلفة التمويل.


ليس هذا فحسب، لكنى يعنى رفع سعر الفائدة كذلك زيادة تكلفة الدين المحلى، وبالتالى مزيد من عجز الموازنة العامة ومزيد من الاقتراض لتظل مالية مصر العامة تدور فى دائرة مغلقة من العجز المالى والاقتراض من أجل سداد هذا العجز، و تعنى أيضا رفع سعر الفائدة زيادة مخاطر التعثر للقطاع المصرفى نفسه.


 د. هشام إبراهيم، الخبير المصرفى، علق على قرار رفع سعر الفائدة بقوله: البنك المركزى يسير فى الاتجاة الخاطئ، كما أن رفع سعر الفائدة فى حالة ارتفاع معدلات التضخم يعد أمرا طبيعيا من الناحية الاقتصادية، ولكن ذلك لا يتم بمعزل عن كل المؤشرات الاقتصادية الأخرى و» محافظ البنك المركزى للأسف حافظ ومش فاهم»، لأن رفع سعر الفائدة ستكون له تداعيات على قطاع المالية العامة والقطاع المصرفى أيضا، فنسبة الـ١٪ التى رفعها المركزى لسعر الفائدة من شأنها زيادة عجز الموازنة ٢٠ مليار جنيه وبإضافة معدلات الزيادة السابقة ١.٥٪ منذ ٤ أشهر والتى أقرها المركزى على سعر االفائدة بداية العام الجارى يصل إجمالى العبء الإضافى على الموازنة العامة نتيجة رفع سعر الفائدة نحو ٤٠ مليار جنيه.


الخبير المصرفى، أكمل بقوله البنك المركزى بهذا القرار يسير ضد سياسات الحكومة التى تستهدف تخفيض عجز الموازنة العامة للدولة، والقرار الذى يستهدف خفض معدلات التضخم من شأنه زيادتها، لأنه بالعودة إلى أسباب ارتفاع الأسعار نكتشف أن البنك المركزى كان السبب الرئيسى فيها حينما قرر خفض قيمة العملة المحلية أمام الدولار بواقع ١٤٪، إضافة إلى ما يعانيه السوق المصرى من احتكارات إنتاجية وتجارية، ولذا كان من الأولى والأصح للبنك المركزى أن ينسق مع الحكومة فيما يخص الأولويات الحتمية للمرحلة الحالية.


د. إبراهيم، أوضح أيضا أن السوق لم يستوعب بعد قرار رفع سعر الفائدة بواقع ١.٥٪ الذى أصدره البنك بداية العام الجاري، كما لم يستوعب أيضا قرار تخفيض قيمة العملة المحلية (الجنيه) أمام الدولار ١٤٪، وجميعاو كلها قرارات ساهمت فى زيادة حتمية للأسعار، لذا سيكون من الصعب أن تتحقق أهداف رفع سعر الفائدة.


وحول تأثير القرار على الاستثمار وبالتبعية معدلات النمو قال محمد جنيدي، رئيس جمعية مستثمرى السادس من أكتوبر: القرار الصادر بشأن رفع سعر الفائدة ينقصه قدر من الدراسة والتأني، لأنه بشكله الحالى سيؤثر سلبا على تكلفة التمويل للصناعة والاستثمار .


«جنيدى» أشار أيضا إلى أن الـ١٪ التى رفعها المركزى فى اجتماعه الأخير تصل بالحسابات المركبة إلى ٣٪، لافتا النظر إلى أن سعر الفائدة على الإقراض تصل إلى ١٥٪ وبحساب النقاط التراكمية وبمرور السنة تصل الفائدة الإجمالية التى يستحق دفعها ٢٥٪ - ٢٦٪ وهو ما سيؤدى إلى تراجع الاستثمارات المحلية والأجنبية، وإذا ما قارنا معدلات الفائدة فى مصر بدول أخرى، بالإضافة إلى زيادة سعر المنتج النهائى لتغطية الزيادة فى تكلفة التمويل.


رئيس جمعية مستثمرى السادس من أكتوبر، طالب فى سياق حديثه أيضا بإعادة تنظيم المنظومة المصرفية بهدف تحديد الأولويات الاقتصادية فيما يتعلق بالسياسات النقدية، وتابع قائلا: بدلا من السيطرة على التضخم بسحب السيولة من السوق بعد رفع سعر الفائدة، كان يمكن تخفيض التضخم من خلال زيادة المعروض من السلع والخدمات،و بالتالى خلق توازن بين العرض والطلب فينخفض السعر وترتفع معدلات الإنتاج والنمو، أو بمعنى آخر أنه أفضل من اتباع سياسة انكماشية بتجميع السيلة من السوق كان يمكن اتباع سياسة توسعية تحل الأزمة الراهنة.


و فيما يتعلق بتأثير قرار رفع سعر الفائدة على القطااع المصرفى نفسه قال د. أحمد أدم، الخبير المصرفي: القرار من شأنه رفع معدلات المخاطرة بالتعثر لدى القطاع المصرفي، نظرا لأن ارتفاع تكلفة التمويل يعنى ارتفاع مخاطر القدرة على عدم السداد، وبالتالى زيادة معدلات التعثر، ويجب أن نضع فى الاعتبار أن الاقتصاد المصرى يحتضن العديد من القطاعات المأزومة بالفعل مثل قطاع السياحة والأدوية، وكذلك الصناعة وهو الأمر الذى قد يتسبب فى مشكلة مصرفية إذا استمر ت السياسات على نفس النهج.


فى سياق ذى صلة قال المحلل المالي، صلاح حيدر : قرار المركزى بخفض سعر الفائدة من شأنه التأثير سلبا ليس فقط على قطاع الاستثمار المباشر، لكن من المؤكد أن يمتد هذا التأثير إلى الاستثمار غير المباشر من خلال البورصة، حيث إن القرار يستهدف سحب السيولة الموجودة فى السوق لصالح القطاع المصرفى، وهو ما يؤدى إلى عمليات بيعية كبيرة فى البورصة من أجل الاستثمار فى البنوك، ما يؤدى بالتبعية إلى تراجع التداولات فى سوق المالى الذى يعد أداة تمويلية هامة للعديد من القطاعات.


«حيدر» شدد فى سياق حديثه إلى أن القرار الأخير لـ»المركزى» يجعل البنك قد رفع سعر الفائدة بواقع ٢٥٠ نقطة خلال فترة قصيرة وهو ما يؤدى إلى مزيد من التضخم لا تراجعه،مشيرا إلى أن انعدام التنسيق بين المركزى والمالية العامة أدى إلى مثل هذة القرارات غير الملائمة – بحسب تعبيره – متسائلا عن أسباب غياب المجلس التنسيقى للبنك المركزى والذى شكله الرئيس بعضوية محمد العريان وعبلة عبداللطيف وفاروق العقدة للربط بين السيايات النقدية للمركزى والمالية للحكومة، وهو ما لم يحدث حتى وقتنا الحالى.