قراءة جديدة لمراحل تطور ودور العسكرية المصرية

22/06/2016 - 11:05:41

عميد: طارق الحريرى باحث فى شئون السلاح والاستراتيجية

يستقر الرأى لدى الباحثين فى مجمل تاريخ العالم على أن المصريين هم أول من قدم فكرة الجيش كقوات نظامية تقوم بالدفاع عن البلاد من هجمات القبائل العابرة أو الطامعين فى خيرات البلاد بعد نشأة ومولد كيان الدولة ذات الحضارة الزراعية المستقرة على ضفاف النيل وقد طور المصرى القديم السلاح وأساليب القتال اعتمادا على هيكل تنظيمى متدرج فى القيادات والوظائف،


يؤرخ للجيش المصرى الحديث بداية من عصر محمد على الذى حكم مصر فى الفترة من عام ١٨٠٥ حتى عام ١٨٤٨ فقد كان كان آخر عهد انخرط فيه المصريون فى قوات عسكرية نظامية وطنية هو الأسرة الثلاثين قبل أفول الحضارة المصرية القديمة، ويعود السبب فى اعتبار أن ابتعاث العسكرية المصرية يبدأ من عصر محمد على ليس فقط لأنه أنشأ بالفعل جيشا عصرى، بمعايير زمانه لكن – وهذا هو الأهم - لأنه أسس قاعدة هذا الجيش العريضة اعتمادا على الجنود المصريين بعد قطيعة طويلة منذ انقضاء عصر الأسرات لأنه طوال قرابة ٢٢ قرنا من الزمان تم إقصاء المصريين عن واجب الدفاع عسكريا عن وطنهم، ولم يكن يستعان بهم إلا للضرورة القصوى فى مرات قليلة إلى حد الندرة لفترات صغيرة ويتم بعدها الاستغناء عن دورهم بعد زوال أخطار التهديدات الخارجية حدث ذلك على سبيل المثال لا الحصر، عندما زحف الجيش السلوقي الجرار من الشام على مصر عندما كانت تحت الاحتلال البطلمي وفشل بطلميوس الرابع في إيقافهم، وولى الأدبار فاجتاح السلوقيون سيناء، وعندها اندفع الجنود المصريون الذين كانوا يشكلون احتياطي، وبدون أوامر اشتبكوا مع جحافل القوات المغيرة، وأظهروا بسالة لا منقطعة المثيل فقلبوا ميزان المعركة وتحولت الهزيمة إلى نصر مبين وانسحب السلوقيون مع قائدهم أنطيوخس الثالث، وقد اشتهرت هذه المعركة فى التاريخ باسم معركة رفح وجرت وقائعها عام ٢١٧ ق م، وكنموذج آخر معركة المنصورة التى جرت سنة ١٢٥٠ ميلادية بعد هزيمة الجيش السلطانى هزيمة منكرة فى دمياط التى احتلها الفرنسيون بقيادة ملكهم لويس التاسع، وعندما تقدم الفرنسيون نحو المنصورة أعلن النفير العام في البلاد فهرول “عوام الناس” وهو المصطلح الذى استخدمه المؤرخون فى ذلك الوقت للدلالة على أبناء الشعب بأعداد كبيرة من كافة أنحاء مصر إلى المنصورة للتصدى للغزاة ووقتها كان الظهور الأول للمماليك، ودارت معركة كبيرة انتهت بنصر عظيم توج بأسر لويس التاسع، ولولا جموع المصريين من أبناء الشعب الذين هبوا لحماية وطنهم لما تحقق هذا النصرالذى كان معركة فارقة نحو أفول الحروب الصليبية .


كان سبب إبعاد المصريين عن الجيش هو محاولة إخماد روح المقاومة لدى الشعب المصرى والخوف من وجود عناصر مسلحة من أبناء البلد فى الجيش يمكن أن تتمرد أو تشارك فى الثورات الشعبية التى لم تكن تتوقف طوال فترات استعمار مصر لتنتهى هذه الجريمة مع تحجيم الاستعمار العثمانى بعد اليقظة التى أفاق بها المصريون على أصوات مدافع الحملة الفرنسية التى أشعلت روح الكفاح والثورة ضد هذا الاستعمار الجديد الوافد من أوربا، الذى اضطر للجلاء عن مصر سريعا بعد ثورتين شعبيتين مجيدتين واستمرت بعدها الروح الجديدة المتأججة بقوة أجبرت الباب العالى فى الأستانة على قبول عنوة إرادة المصريين بتنصيب محمد على واليا على مصر، وبصفة عامة لعب المصريون طوال الحقبة الكئيبة التى أقصاهم فيها المستعمرون عن شرف الخدمة العسكرية والتى توالت قرن بعد قرون دورا ما كان يمكن الاستغناء عنه فى صناعة السلاح ومد الجيوش بالمؤن وكافة الاحتياجات الإدارية ومن ناحية أخرى فلم تتوقف ثوارات وتمردات الشعب بضراوة واستبسال طوال عصور الاستعمار.


ويستقر الرأى لدى الباحثين فى مجمل تاريخ العالم على أن المصريين هم أول من قدم فكرة الجيش كقوات نظامية تقوم بالدفاع عن البلاد من هجمات القبائل العابرة أو الطامعين فى خيرات البلاد بعد نشأة ومولد كيان الدولة ذات الحضارة الزراعية المستقرة على ضفاف النيل وقد طور المصرى القديم السلاح وأساليب القتال اعتمادا على هيكل تنظيمى متدرج فى القيادات والوظائف، تأسس على منظومة حربية دقيقة التنظيم تديرها أقسام متخصصة تقوم بالإشراف على التجنيد وصناعة وتخزين السلاح وتأمين الاحتياجات الإدارية وإسناد الوظائف وكان الملك هو القائد الأعلى للجيش، وكثيرا ما كان يشارك فى المعارك وفى أوقات السلم كانت تتم الاستعانة بالقوات في مهام الأشغال العامة والزراعة والتجارة مع البلدان المجاورة، وكأن الاستعانة بالجيش فى دعم المشروعات القومية جين متوارث منذ آلاف السنين باق حتى اليوم، حيث تلعب القوات المسلحة الآن دورا هاما فى توطيد أركان دولاب العمل الوطنى من مشروعات البنية الأساسية والمساهمة فى مواجهة الأزمات ورفع العبء عن كاهل المواطنين عندما تستدعى الضرورة وفى الحقبة القديمة أيضا كان من يعرف اللغات الأجنبية يذهب إلى بيبلوس أوإلى بلاد بونت أو أقاصى مناطق النوبة ليقايض على احتياجات البلاد من الدول المجاورة كما أختص البعض بنقل المعادن الثمينة من الصحراء الشرقية وفى أوقات الطوارئ والأزمات كانت تضاف للقوات الأساسية قوات أخرى تتم تعبئتها بالتجنيد، والخلاصة فإنه كان جيشا قوميا يخضع لأوامر وقواعد وقوانين دقيقة تضاهى جيوش العصر وبلغ من مجد مدرسة العسكرية المصرية فى ذلك العصر أن بعض معاركها مازالت تدرس حتى الآن فى أعتى الأكاديميات العسكرية فى العالم كنماذج لبراعة التخطيط وطبيعة الأداء.


الابتعاث الجديد


لاخلاف على أن عودة الروح للعسكرية المصرية بعد الانقطاع الطويل هو ما تم إنجازه فى عهد محمد على الذى استطاع أن يبنى جيشا عظيما كان واحدا من أقوى جيوش العالم فى زمنه ولم تكن عملية إنشاء هذا الجيش أمرا سهلا، بل كادت محاولة بنائه كجيش نظامى عصرى تفتك بمحمد على وتطيح به من سدة الحكم، فالقوة العسكرية فى الدولة كانت تتألف من “الباشبوزق” ومعنى هذا المصطلح هو القوات شبه النظامية غير الخاضعة للسيطرة وهى أشبه بالميلشيات فى عصرنا الحالى، وكان الباشبوزق فوضويين وغير منضبطين وهم فى ذلك الوقت كانوا خليطا من الشراكسة والألبان والمغاربة. وعندما حاول محمد على أن يصنع منهم قوة نظامية تمردوا عليه وكادوا أن يخلعوه، هنا استخدم محمد على دهاءه وقام بإعداد مجموعة من الضباط ليكونوا نواة للجيش الذى ينوى بناءه، اهتم أن يعلمهم قواعد العلم العسكرى الحديث وتمت هذه الخطوة الأولى فى مشروعه لبناء جيش عصرى فى مدينة أسوان بعيدا عن أعين الباشبوزق والمتربصين به، واستعان لتنفيذ غايته بأحد أمهر ضباط نابليون وهو الكولونيل “چوزيف انتيلمى سيف” الذي عرف بعد ذلك بسليمان باشا الفرنساوى وإليه يرجع الفضل الأكبر في تأسيس الجيش المصري على النظام الحديث وعند البدء بالتجنيد فى المرحلة التالية تم إحضار عدة آلاف من السوادنيين وبدأت عملية تدريبهم بمدرسة فى “بنى عدى” لكنهم لم يصلحوا لهذا الدور، ونظرا لعدم جدوى تجنيد الأتراك والألبان وغيرهم في الجيش الجديد بسبب مافطروا عليه من حب الشغب والنفور من النظام والطاعة لذلك اضطر فى النهاية إلى تجنيد المصريين وفى البداية وجد إعراضا وتهربا من أبناء الشعب بسبب اعتقادهم أن الأمر يرتبط بالسخرة وللحاجة للشباب فى شئون الزراعة، لكن الأمر اختلف بمرور الوقت عندما اتضحت للمصريين طبيعة الجيش، فرغم صرامة وصعوبة الحياة العسكرية إلا أن الجنود نالوا رعاية فى المأكل والمشرب والملبس وأماكن الإعاشة والرعاية الصحية مما أفهم الشباب الذين ألحقوا بالخدمة وذويهم أنهم غير مستخدمين فى السخرة.


بناء المؤسسات


نجح تجنيد المصريين نجاحا فاق كل التوقعات مما جعل محمد على يوغل فى التجربة بثقة ويتوسع فى حجم القوات بدرجة كبيرة، وعندما تضاعفت أعداد المجندين وصاروا بعشرات الآلاف استقدم من فرنسا بعض الضباط الأجانب ليساعدوه علي تنظيم الجيش، كما أرسل عددا من ضباطه الشبان إلي أوربا لتلقى العلم العسكرى، وحينما عادوا للوطن حلوا محل الخبراء الأجانب في المدارس الحربية التى كانت قد بدأت تتعدد وتتنوع طبقا لقواعد بناء جيش عصرى حديث، وهكذا عندما اطمئن محمد على إلى نجاح مشروعة واتسعت قاعدة جيشه بدأ فى إنشاء العديد من المدارس العسكرية التى لامناص عنها لإحداث النقلة اللازمة نحو ارتقاء أوضاع الجيش الجديد علميا وفنيا مثلما هو الوضع فى أقوى جيوش عصره فأنشأ سنة ١٨٢٥ مدرسة قصر العينى الإعدادية للتعليم الحربي، وكانت تعرف بالمدرسة التجهيزية الحربية وكان الطلبة يعدون فيها للالتحاق بالمدارس الحربية العليا ثم نقلت إلى أبي زعبل بعد أن خصص قصر العيني لمدرسة الطب، وأنشئت أيضا لتعظيم قدرات الجيش المدارس العسكرية المتخصصة مثل مدرسة المشاه (البيادة (وكانت بدايتها فى الخانكة ثم انتقلت إلى دمياط واستقرت أخيرا فى أبى زعبل وكانت من أهم المدارس المتخصصة مدرسة الطوبجية(المدفعية) التى أقيمت بطرة، وكان طلابها يدرسون بجانب العلوم العسكرية العامة الحساب والجبر والهندسة والميكانيكا والرسم الهندسى وفنون الاستحكامات. ويتدربون على رمايات المدفعية، وبلغ من علو شأن هذه المدرسة ومايدرس بها أن ألحقت بها مطبعة وزودت بمستشفى وفى أعقاب حرب المورة أنشأ ابراهيم باشا ابن محمد على وقائد الجيش المصرى العظيم فى ذلك العهد مدرسة الفرسان بعد أن لفت نظره أسلوب تنظيم وأصطفاف ومناورة الخيالة الفرنسيين قبل المعارك وأثنائها، فأدرك أهمية تنظيم الفرسان وعلى إثر عودته إلى مصر شرع في تشكيل فرق الخيالة على النظام الأوربي واستقدم لهذا الغرض عددا من الخبراء الأوربيين واختير لهذه المدرسة قصر مراد بك فى الجيزة وفى الإسكندرية أنشئت مدرسة حربية، كما أنشئت مدرسة للموسيقات العسكرية فى الخانكة التى أقيمت بها أيضا مدرسة أركان حرب بالقرب من المعسكر العام للجيش وأسماها رفاعة الطهطاوى «مكتب الرجال بالخانقاه».


ومن اللافت أن مشروع محمد على لبناء جيش عصرى وقوى كان ذا مردود وتأثير ضخم على سياسته فى مجال التعليم العام فى البلاد بعد مرحلة انحطاط فظيعة نتيجة الاستعمار العثمانى حيث اقتصر التعليم في عهد العثمانيين على الأزهر والكتاتيب، واندثرت المدارس التي أنشئت في عصر المماليك، وعلى سبيل المثال فعندما تم تكليف الطبيب الفرنسى رئيس أطباء الجيش “انطوان براثيليمي كلوت” المعروف بكلوت بك بمهمة تنظيم الإدارة الصحية للجيش المصري فاهتم بجدية ودأب بتنظيم الأوضاع الصحية، ولما كانت الخانكة فى ذلك الوقت مقرا للمعسكر العام للجيش اقترح على محمد علي إنشاء مستشفى عسكري بأبي زعبل فاقتنع محمد علي باقتراحه، وإنشأ المستشفى الذي صار فيما بعد مستشفى عاما لمعالجة الجنود وغيرهم من أبناء الشعب، وصار نموذجا للمستشفيات التي أقيمت فيما وتلى ذلك اقتراح مثل نقلة نوعية للرعاية الصحية فى مصر وكان الاقتراح أن ينشئ بجوار المستشفى مدرسة لتخريج الأطباء من أبناء البلاد فرحب محمد علي باقتراحه وأنشأ بأبي زعبل سنة ١٨٢٧ مدرسة الطب التي صارت معول بناء النهضة الطبية في مصر، وتولى كلوت بك إدارتها ثم نقلت المدرسة ومعها المستشفى إلى قصر العيني سنة ١٨٣٧ واستمرت من يومها حتى الآن لكلية طب جامعة القاهرة.