إرادتا واشنطن وتل أبيب تلتقيان مع إرادتى تركيا وإيران: القوى الإقليمية غـير العربية بعيون أمريكية

22/06/2016 - 10:57:08

لواء د. مصطفى كامل محمد

تناولت فى مقال سابق بمجلة «المصور » يوم ٢٥ مايو ٢٠١٦ بعنوان «قطر بعيون أمريكية” أوضحت فيه الاعتبارات الرئيسية التى تتحكم فى الموقف القطرى ودورها فى المنظور الجيوبوليتيكى للولايات المتحدة، وفى مقال اليوم أتناول موقف ودور القوى الإقليمية غـيرالعربية فى نفس المنظور، حتى يتبين لنا بنيان التحالف غـير المعـلن الذى تقوده الولايات المتحدة ويضم القـوى غـيرالعربية (تركيا وإيران وإسرائيل) ودولة قطر العـربية حتى تضفى عليه صفة التحالف الإقليمى، وتوضيح التوجه الأمريكى لتعـظيم أدوار هذه القوى، إذ يُعـتبر هذا التوجه من أهم التحولات والقضايا المطروحة على الساحة العربية والساحة الإقليمية على حد سواء، حيث تهدف الولايات المتحدة من تعظيم أدوار هذه القوى تحقيق أحد أهم أهدافها (إعادة هيكلة وتشكيل الشرق الأوسط الكبير) بما يتسق مع منظورها الجيوبوليتيكى.


بالرغم من أن الواقع يشير إلى أن بريطانيا العـظمى هى التى خلقـت الوطن القومى لليهود فى قلب العـالم العـربى، إلا أن الولايات المتحـدة كانت أول دولة تعـترف بها، لتجعـل منها فاصلا أرضيا يمزق أوصال المنطقة العـربية يحول دون وحدتها، وفاصلا زمنيا يحول دون تقدمها، ونزيفا مزمنا لثرواتها لتحقيق هذا الهدف، فارتبطت بإسرائيل إستراتيجيا وتطور هذا الارتباط حتى أصبح ارتباطا عـضويا وعاطـفـيا، إلى الحد الذى تتبنى فيه الولايات المتحدة جميع المواقف الإستراتيجية لإسرائيل (سياسيا ـ عـسكريا ـ اقـتـصاديــا ـ اجـتماعـيا) ليس فقـط عـلى مستوى النسق الإقليمى للمنطقة، بل أيضا على مستوى النسق الدولى بمنظماته الدولية، بالقدر الذى يتعـين معه تحقيق أهداف ومصالح إسرائيل، وإلى الحد الذى تتحدى فيه العالم بأسره مثلما هـو الحال عـندما لم تتوقـف عن حرب الإبادة التى تشنها من آن إلى آخر ضد الشعـب الفلسطينى فى قطاع غـزة، وهى الحرب التى تكاد تعـصف باستقرار المنطقة وتنآى بها إلى حيث لا يأمل عاقـل.


ولعـل الموقف الإسرائيلى من مؤتمر السلام الذى استضافته باريس فى محاولة لإيجاد حل للقضية الفلسطينية يتفق عليه المجتمع الدولى، يُعـد دليلا دامغا على ذلك، وقد وضع معـظم المحللين هذا المؤتمر بين التفاؤل الحذر، والتشاؤم الذى اعتادوا عليه من الممارسات الإسرائيلية، كانعكاس صريح للدعم غـيـر المحـدود الذى تقدمه الولايات المتحـدة لها حتى فى إحرج المواقف، إلى حد استخدام الولايات المتحدة حق الفيتو ضد أى قرار يدينها، حتى أصبح هذا الدعم أمرا مقضيا كحق لها، ولذلك مارست إسرائيل كل صنوف التجاهـل لحقـوق هذا الشعـب، ومارست أيضا كل أنواع الغـطرسة فى جميع مواقفها التفاوضية مع العـرب.


وقـد تعاظم هذا الدعم فى فترتى إدارة بوش الابن، خاصة بعـد أحداث١١سبتمبـر، حيث أعـلن أنه سوف يشن حربا صلـيـبـيـة جديـدة ضد العـرب، ودول الأصولية الإسلامية لمحاربة الإرهاب الذى يكمن فيها وترعاه، صحيح أنه تراجع عن هذا التصريح، وبرر هذا التراجع بأنه “زلة لسان”، لكن تقرير لجنة التخطيط الإستراتيجى لوزارة الخارجية الأمريكية فى نوفمبر١٩٨٨، قد كشف حقيقة هذا التصريح، حيث تضمن النص التالى (أما وقـد انتهت الحرب الباردة بيننا وبين الاتحاد السوفييتى، فإن مصادر التهديـد البـديلة ستكون دول الأصولية الإسلامية وأنظمتها السياسية غـيـر المستقرة).


وتطور هذا الدعـم ليكون أحد ثوابت سياسات الولايات المتحدة، ويُعـد التنافس بين مرشحى الرئاسة الأمريكية للحزبين الديمقراطى والجمهورى دليلا على ذلك، فقد شهدت حملتى أوباما مرش الديموقراطى، وميت رومنى مرشح الجمهورى تنافسا محموما، فقـد أعـلن أوباما فى حملته الانتخابية للفترة الثانية أن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية unbreakableأى غـيـر قابلة للكسر، أما رومنى فقد صرح بأنه سيبـدأ حملته الانتخابية من إسرائيل، فسارع أوباما بتوقيع قانون يُعـزز القدرات العـسكرية لإسرائيل قبل وصوله إليها بساعات، ويقضى هذا القانون بتزويـد إسرائيل بمعـدات إلكترونية متقـدمة بـ٤٥٠ مليون دولار، كما يقـضى أيضا توريـد عدد ١٩ طائرة إف ٣٥ من أصل صفقة يبلغ عددها ٧٥ طائرة وتبلغ قيمتها ٧,٢ مليار دولار، وبذلك تكون إسرائيل هى الدولة الوحيدة فى العالم التى تمتلك أحدث الطائرات الأمريكية بالتزامن مع الولايات المتحدة (ستدخل هذه الطائرات الخدمة بها فى)٢٠١٧، وتمتلك هذه الطائرات قدرات هائلة عـنـد الإقلاع والهبوط، وإجراء المناورة الواسعة أثناء الطيران، ويصعـب اكتشافها ومتابعـتها راداريا، وتتميز بمدى عـمل إستراتيجى كبير، ثم لعـبت الولايات المتحدة دورا فاعلا لإمداد إسرائيل بأربع غواصات ألمانية من طراز دولفين، وهى غـواصات ذات تقنيات فنية متقدمة وقدرات قتالية عالية، ولها القدرة على حمل صواريخ برؤوس نووية، والغريب أن ألمانيا قد سلمت أول غـواصتين دون مقابل مع تخفيض ثمن الأخرتين٣٠٪، وبذلك تضمن الولايات المتحدة أن يكون منحنى التفوق العسكرى صاعـدا باستمرارلصالح إسرائيل، وتضمن إسرائيل الاحتفاظ بتفوقها فى جميع المعـطيات التى ترتبط بعـلاقات توازن القوى مع الدول العربية مجتمعة.


وتسعى الولابات المتحدة إلى ترسيخ وتطوير العلاقة بيـن إسرائيل وبين كل من تركيا وإيران (بعـد تسوية قضيتها النووية) وتعمل على تحويله ليكون ارتباطا إستراتيجيا بمفهومه الشامل (سياسيا وأمنيا واقتصاديا وعـسكريا)، لكى تصبح كل منها قوة إقليمية عـظمى ترتكز عليها لتحقيق هدفها وهو إعادة هيكلة وتشكيل الشرق الأوسط الكبير بمفردات أمريكية وصياغة صهيونية، بعـد أن تكون قد قامت بتقسيم الدول العـربية المركزية إلى كنتونات صغيرة، وتوطين شعـوبها على أساس العرق أو الدين أو المذهب أو الطائفة، وترسيم الحدود النهائية بينها وتصحيح حدود سايكس ـ بيكو، ثم تقسيم المنطقة إلى مناطق نفوذ بين القوى الثلاث للهيمنة عليها بالوكالة عن الولايات المتحدة.


ولتحقيق ذلك تسعى الولايات المتحدة إلى تعـظيم قدرات تركيا العـسكرية والأمنية، باعتبارها القوة العسكرية الثانية بحلف الناتو، وتعـزيز التعاون بين تركيا وإسرائيل، وهو التعاون الذى لم ينقطع يوما، حتى فى فترات التوتـر المفتعل بينهما (أزمة مقتل الأتراك الذين كانوا على السفـيـنــة مرمرة، وأزمة انسحاب أردوغان من منتدى دافـوس)، وهما الأزمتان اللتان استطاع أردوغان توظيفهما لصالحه، حيث استُـقـبـل استقـبال الفاتحين فى الأولى وأدت إلى نجاح حزبه فى انتخابات ٢٠٠٩، وجعلته الثانية بطلا قوميا غازيـا وأدت إلى فوزه كرئيس لتركيا فى ٢٠١٤، وتُصـر الولايات المتحدة على تطويـرهذا التعاون ليصبح ارتباطا إستراتيجيا، فقام أوباما بالكشف عن مكالمة نيتانياهو التليفـونية لأردوغان التى قدم فيها اعـتذار إسرائيل لتركيا عـن مقـتـل الأتراك الذين كانوا على السفينة، واستعـداد إسرائيل لدفع التعـويضات المناسبة لذويهم، وتعـمـدت الولايات المتحدة توسيع مجالات التعـاون الأمنى والعسكرى والاقتصادى، فسمحت لتركيا بإنتاج الطائرة C F١٦ حتى أصبحت الدولة التى تمتلك أكبر عـدد منها فى العالم، وسمحت لها بتصدير فائض الإنتاج للدول الحليفة والصديقة، بشرط أن تقوم إسرائيل بتصنيع المعـدات الإلكترونية Avionics)) لهذه الطائرات حتى تضمن استمرار هذا التعاون، ثم قامت بربط خطط تطوير القـوات المسلحة التركية بتكنولوجيا التصنيع الحربى الإسرائيلى بموجب التراخيص الصادرة من شركتى لوكهيد وبوينج، والتى تتعـلق بطائرات الإواكس (AWACS ) Air Born Warning And Control System)) (نظام الإنذار والسيطرة المحمول جوا) والتى عـقـدت تركيا صفقة ضخمة منها، حيث يعـتبر هذا النظام هاما جدا لمنظومة الأمن القومى التركى، لارتباطه بالشبكة الإلكترونية المضادة للصواريخ البالستية الموجهة ضد قـواعـدها الجـويـة الرئيسية (كورتشك ـ إنجرليك) المجهزتين لاستقبال جميع أنواع طائرات حلف الناتو، وتستخدمهما قـوات الحلـف فى مناوراتها السنوية «نسر الأناضول» والتى تشارك فيها إسرائيل بصفة أساسية، وهو ما يعـنى من الزاوية العسكرية أن إسرائيل تتمتع بما يتمتع به حلف الناتو، كما شمل التعاون بينهما إنتاج دبابات القتال الرئيسية، حيث تهدف الولايات المتحدة إلى تطوير التعاون إلى مرحلة التكامل الأعم والأرحب.


وبالرغـم من أن الولايات المتحدة تتعمد إظهار وجود خلافات جوهرية مع إيران إلا أن الحقيقة تُشير إلى عكس ذلك، فقد وضعت تسويـة قضيتها النووية موضع التنفـيـذ، فجعـلتها الرابح الأكبر إن لم تكن الرابح الوحيـد منها، إذ يشير البنـد الثامن من التسوية إلى أن إيران قد ربحت سياسيا اعـتـرافـا صريحـا من القـوى العـظمى والكبرى بأنها أصبحت قوة نووية، وربحت اقتصاديا برفع العـقـوبات الاقـتصادية واسترداد جزء من متجمداتها المالية (٣٢,٦مليار دولار)، بالإضافة إلى ٧٠٠ مليون دولار تُصرف شهـريـا منـذ بـدء المفاوضات (نوفمبـر ٢٠١٤) تحت دعـوى تلبية المطالب الإنسانية، واحتفظت بموجبها بجميع البنى الأساسية لجميع منشآتها النوويـة والعـسكريـة، وهو الأمـر الذى قـد يسهـم بـقــدر كبيـر فى اختلال التوازن الإستراتيجى من ناحية، وتأجيج الصراع العـربى الفارسى من ناحية أخرى، الذى ربما يتحـول من صراع عـرقى إلى صراع مذهبى، كما سمحت لإيران بالهيمنة على كل من سوريا ولبنان واليمن لتُشكل ما يُسمى الهلال الشيعى، ومن قبل تركتها تهيمن على العراق بعـد أن قامت هى بهدم أركانه وتدميـر بنيته الأساسية، وتخلصت من جيشه الذى كان يُعـد أقوى جيش فى منطقة الخليج، وقسمته عـرقيا فجعـلت شماله كرديا، وقسمته مذهبيا فجعـلت وسطه سنيا وجنوبه شيعيا، ثم أغرقته بالميليشيات المسلحة تحت دعوى مقاتلة تنظيم داعش، حتى جعـلت منه نموذجا للوضع الذى سيكون عـليه الدول العربية المركزية بعـد تفتيتها لإعادة هيكلة وتشكيل الشرق الأوسط الكبير، ونموذجا للهيمنة بالوكالة عنها بعد أن أودعته مؤقتا لدى إيران.


أما فيما يتعلق بالتعاون الإيرانى الإسرائيلى، فقد كشفت عنه الوثائق السريـة التى أفرجت عنها وكالة المخابرات المركزية CIA مطلع عام ٢٠١٥، حيث كشفت عن المقابلات السرية التى تمت بين الخومينى وجورج بوش الأب عندما كان رئيسا للوكالة، واللقاءات السرية التى تمت بين قادة التيار الإسلامى الإيرانى وإسرائيل فى لندن لترتيب عـودة الخمينى إلى طهران، وترتيب استقباله فى ١ فبراير١٩٧٩بواسطة رجال الأعمال الإيرانيين اليهود باعـتباره القائـد الحقيقى للثورة الشعبية التى اندلعت منتصف عام ١٩٧٧ ضد شاه إيران (أقـرب حلفائها)، وسلمت إيران للتيار الإسلامى ليتسق مع منظورها الجيوبوليتيكى فى إعادة هيكلة وتشكيل الشرق الأوسط الكبير.


ويخطئ من يظن أن هناك عـداء مستحكما بين إسرائيل وإيران، بل تربطهما روابط تاريخية ترجع إلى ما قبـل الميلاد، فلن تنسى إسرائيل أن «كورش العظيم» هو الذى حررهم من الأسر البابلى، ولذلك ما زالت ارض كورش تُعـتبر موضع قداسة لليهود، ولن تنسى إسرائيل أن إيـران قد سهلت لها عـملية القصف الجوى لتدمير المفاعـل النووى العـراقى أزاريك (يوليو ١٩٨١)، ولن تنسى إسرائيل أن إيران قد أمدتها بالنفط والسلاح لمواصلة الحرب فى سيناء، ولن تنسى إيران أن إسرائيل قد أمدتهم بصواريخ وأسلحة وذخائر من مخزونها الاستراتيجي فى حربها مع العـراق، ولن تنسى إيران أن إدارة ريجـان قد أمدتها بصفقة أسلحة تُعـد هى الأكبر آنذاك عن طريق إسرائيل، ومن الطبيعى أن تزدهر هذه الروابط فى ضوء التشابه الكبير بينهما، فكلاهما دولتان دينيتان، وكلاهما يعـتبر العـرب أقل شأنا وحضارة، وأن العـرب يقفون حائلا دون تحقيق المشروع القومى لكليهما.


هكذا التقت الإرادات السياسية الأمريكية والإسرائيلية والتركية والإيرانية عـندما توحدت الأهداف، فتوحد الأهداف يؤدى إلى التعاون، أما تفرقها فيؤدى إلى اللاتعاون، والتقت الإرادات الأربع أيضا على أن تكون إيران هى الأداة الجديدة لتحقيق الأهداف، فالولايات المتحدة تهدف إلى إعادة هيكلة وتشكيل الشرق الأوسط الكبير، أما إسرائيل فتهدف إلى إضعاف العربية إلى أدنى حد ممكن، حتى تتمكن من إقامة إسرائيل الكبرى على الأرض التى وهبها الرب لإبراهام (من النيل إلى الفرات أرضك يا إسرائيل)، وتهدف إيران إلى إحياء الإمبراطورية الفارسية الساسانية التى عاصمتها بغـداد، أما تركيا فتهدف إلى استعادة دولة الخلافة، فهل يدرك العـرب ذلك؟