الصيام والتكافل الاجتماعى

22/06/2016 - 10:31:07

بقلم: أ.د. عباس شومان وكيل الأزهر الشريف

إن التكافل الاجتماعي هو ضمان توفير حد الكفاية من مقومات الحياة الضرورية اللازمة لأن يحيا الإنسان حياة كريمة كما أرادها الله تعالى له بتوفير الطعام والشراب والملبس والمسكن والتربية والتعليم  لكافة أفراد المجتمع.


والشريعة الإسلامية الغرّاء تدعو أتباعها إلى التكافل فيما بينهم لقوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } ويقول رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:-  «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ ، مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى “.


ومن التدابير الشرعية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية لتوفير هذه المقومات بين أفراد المجتمع منها، تحريم المعاملات المالية التي تضر بالفقراء كالربا بجميع أنواعه فقد عد الشرع الربا كبيرة من الكبائر العظام لتنافيه مع الأخلاق الإسلامية وقواعد التكافل الاجتماعي  فهو يتناقض تماما مع ما تدعو إليه الشريعة السمحة من التكافل بين فئات المجتمع  المختلفة حيث يتربح الأغنياء من فقر الفقراء بدلا من مد يد العون لهم بالمساعدة، ولذا يقول الحق سبحانه وتعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }.


وفي المقابل نرى أن الشريعة الإسلامية شرعت الصدقات بأنواعها والتي أثبت البحث العلمي الإحصائي أنها كفيلة بتحقيق حد الكفاية للفقراء والمساكين ونحوهم لو طبقت تطبيقا صحيحا بأن أخرج كلُّ الأغنياء صدقات أموالهم وصرفت إلى مستحقيها، وهذه الصدقات متنوعة فمنها الواجب وهى زكاة المال بأنواعه متى بلغ النصاب لقوله  تعالى : {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }، وكذلك منها ما هو اختياري وفيها يقول الله تعالى :{ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا . إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا. إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا . فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا . وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا.. }.ومعلوم أن مصرف هذه الصدقات واجبة كانت أو اختيارية هو مَن يحتاجون إلى الكفالة الاجتماعية والذين جمعهم قول الله تعالى:{ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} .كما بين أن من أمور الكفالة صدقة الفطر التي يخرجها الصائم عن نفسه ومن يدخلون في نفقته في آخر رمضان فهي لكفالة الفقراء خاصة في يوم العيد لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم» (ضعيف).أي سؤال الناس.ومن أمور التكافل التشجيع على القرض الحسن فعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال:» رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي مَكْتُوبٌ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ، وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ « ، قَالَ النَّبِيُّ «صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» : قُلْتُ لِجِبْرِيلَ : مَا بَالُ الْقَرْضِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ ؟ قَالَ : إِنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ ، وَالْمُسْتَقْرِضُ لا يَسْتَقْرِضُ إِلا مِنْ حَاجَةٍ “ . كما حثت الشريعة على التنفيس عن المكروبين.فيقول النبي  - صلى الله عليه وسلم- : «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا ، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ، ومن يسّر على معسر، يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مؤمنا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ... «.


إن من أبواب الكفالة الكفارات بأنواعها ككفارة القتل الخطأ والظهار والفطر في رمضان عمدا حيث من خصال الكفارة الإطعام لستين مسكينا كما هو معلوم وهو أمر تكافلي . وكذلك من أمور الكفالة فدية غير القادرين  كالمرضى وكبار السن ونحوهم ممن لا يقدرون على الصيام في رمضان ولا على القضاء بعده  وهى تكون للفقراء والمساكين، لقوله تعالى:ٍ «فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ. وكذلك من أمور الكفالة الحث على تفطير الصائمين في رمضان حيث يقول  الرسول - صلى الله عليه وسلم -: « مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا».وكذلك كفالة الجار القادر لجاره الفقير.  لقوله - صلى الله عليه وسلم -:»ما آمن بي من بات شبعانا وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به».


وهناك باب عظيم من أبواب التكافل الاجتماعي وهو باب الشركات الإسلامية المتنوعة.كالمزارعة،والمساقاة، والمضاربة، وشركات أخرى كشركة الأبدان،والصنائع،والعنان وغير ذلك وكلها شركات تحقق الكفالة بين القادرين وغير القادرين بطرق أكثر عزة  فهى لا تعتمد على التفضل من القادرين لكفالة غير القادرين بل  تحقق الكفالة ببذل الجهد للقادر عليه ليأكل من عمل يده بدلا من الاعتماد على الصدقات.


بذلك وغيره كثير يتضح لنا بجلاء عظمة التشريع الإسلامي في تحقيق الكفالة بين أفراد مجتمعه الواحد بصور متعددة تضمن عدم نسيان فرد واحد يكابد الفقر ويحرم من أسباب الحياة وما يضمن له حد الكفاية ليحيا حياة كريمة.


ومن هنا نجد ضرورة الانتفاع بالتوجيهات الشرعية بصفة عامة وبالكفالة  الاجتماعية لغير القادرين بصفة خاصة لاسيما في شهر رمضان الفضيل.