الدكتور عبدالحليم محمود المفكر المستنير العارف بالله أبو التصوف

22/06/2016 - 10:26:03

بقلم: عادل عبدالصمد

فيلسوف الفقهاء وفقيه الفلاسفة


د. عبدالحليم محمود والذى مرت ذكرى ميلاده فى شهر مايو الماضى وهو شيخ الأزهر رقم ( ٤٢ ) فى سجل المشايخ العظام واشتهر بغزالى القرن العشرين


شيخنا الجليل رجل عظيم شرف الإسلام كواحد من أبنائه وعالم من علمائه وسجل أعماله مشرق الصفحات سعى فى جنبات الأرض يقرأ صحائف العالم ويفعل ذلك كله وفى ذهنه معنى واضح يهتف به إن الله تعالى حق فيجب إذن أن يتقيد بالحق فيما يزاول من عمل وقول لأنه يصدر عن أمر ربه ويجب إذن أن ينأى عن الباطل لأن ربه عن الباطل نهاه والموت حق قول آخر كان يجد فى تطبيقه العملى فى نفس الرجل فهو بصوفيته الشفافة يدرك تمام الإدراك أن الحياة سفر قصير مهما تطاول وأن وراء الحياة رحلة حقيقية إلى عالم الحق الخالد وأن هذه الرحلة تتطلب زادا حقيقيا من العدل والأمانة والإخلاص والتقوى


وقد عاش الشيخ مدركا حقيقة هذه الرحلة ومنتظراً لها فى كل لحظة تحين حتى إذا لاحت لعينيه ساعتها المرتقبة ابتسم ابتسامته الراضية وقال فى لقاء العارف الواصل الموت حق ..


وكانت تلك الكلمات للعالم الجليل د. محمد رجب البيومى الذى ارتبط بالدكتور صاحب السيرة الذكية وأردت أن أسجلها تحقيقا لقيمة الوفاء وفى الحقيقة أنها ما أعظمها من تقديم لعالم قدم حياته فى خدمة الإسلام الوسطى


والشيخ من مواليد بلبيس بمحافظة الشرقية ( ١٢ مايو ١٩١٠ ) ونشأ فى أسرة كريمة مشهورة بالصلاح والتقوى أغلبها مشايخ فى الأزهر وله عشرة من الأخوة خمسة رجال وخمس نساء ودرس فى المدارس الابتدائية العادية حتى السنة الثالثة ثم أخرجه والده وحفظه القران الكريم وأتم حفظه فى سنة واحدة ثم التحق بالأزهر ومر بمراحله حتى تخرج فى كلية اللغة العربية وحصل على العالمية ثم الدبلوم فى التربية والدبلوم فى التخطيط والمتابعة فى مجال التعليم نظام الدراسة المطولة نسبيا ثم درس فى المعهد العالى للجامعة العربية و اختير للعمل فى مؤتمر التعليم الإسلامى الأول الذى عقد فى مكة تحت إشراف جامعة الملك عبد العزيز


خلع الكاكولة وهى الزى الأزهرى عند ذهابه إلى فرنسا لاستكمال تعليمه العالى على نفقته الخاصة وحصل على الدكتوراه فى الفلسفة الإسلامية عن الحارث المحاسبى


وبعد عودته من فرنسا التقى به أحد محررى ( مجلة الاثنين )


فحدثه عن فرنسا فى أيامها الأخيرة تحت عنوان ( كنت فى فرنسا عندما اجتاحها الألمان ) فيقول : كان ذلك منذ سنوات عندما نلت شهادة العالمية فى الأزهر وسافرت إلى باريس على نفقتى الخاصة ثم وجدتنى فى ضيق فاشتغلت بتدريس اللغة العربية للفرنسيين والطلاب المصريين ودعيت ذات يوم إلى حفلة تكريم لسيدة عظيمة هى الأميرة سرواك وقد أسلمت وتقدم المدعوون فقبلوا يدها ولكنى كنت أجهل هذه العادة فلم أفعل وكانت هذه الغلطة سببا فى أن تسأل عنى ولما عرفت أننى من الازهر كلفتنى أن أراجع لها ترجمة كتابها إلى العربية وكافأتنى على ذلك مكافأة حسنة


وبعد ذلك ضمنى الأزهر إلى بعثته وعشت فى باريس وهى مهد الحرية كما يقولون والظاهر أن الفرنسيين أسرفوا فى استغلال هذه الحرية إلى الحد الذى انهارت معه فرنسا


وعندما نشبت الحرب كان الفرنسيون واثقين من النصر فخورين بأمجادهم القديمة وشق الألمان طريقهم فى خط ماجينو ومع ذلك ظل الفرنسيون فى تفاؤلهم لا يبالون شيئا ولما وصل الغزاة إلى أبواب باريس كانت مفاجأة قضت على كل أمل خامر النفوس


الغزاة فى باريس


دخل الألمان باريس فاستقبلوا من الشعب كله بالوجوم والذهول وكان كل احتجاجهم على هذه الهزيمة المنكرة أن احتجزوا أنفسهم فى منازلهم لا يخرجون منها مدة ثلاثة أيام وبعد ذلك غادروا منازلهم واجمين مهمومين لا يكادون يلقون بالا إلى الحياة


وتستطيع أن تقسم الشعب الفرنسى إلى طوائف أمام هذه الكارثة التى حلت به .. طائفة استسلمت للمصير المحتوم وطائفة استغلت الظروف فى الربح والإثراء وطائفة ثالثة جارت التيار


أما الشباب الفرنسى فهو الذى يجاهد للنهوض بوطنه .. شباب متدين عريق النسب وشباب مثقف دينه مجد فرنسا وعظمتها


ـــــ والإيطاليون ؟ ... كيف قوبلوا فى فرنسا ؟


إن الفرنسى رغم المرارة التى يحسها من انهيار بلاده لا يحقد على الألمانى حقده على الإيطالى وفى كل يوم تقع مشاكل وخلافات بين الفرنسيين والطليان . ورغم انهيار فرنسا فإن روح الدعابة والمرح لا تزال غالباً فيهم


ذهب مدير مرسيليا يفاوض وفدا من الضباط الإيطاليين فى شئون الهدنة وكان رئيس الوفد الإيطالى يتكلم اللغة الإيطالية فقال له مدير مرسيليا :


ألا يحسن أن تتحدث بلغة أخرى إننى لا أعرف الإيطالية ؟


وانتفخت أوداج رئيس الوفد الإيطالى ثم قال :


إننى أتحدث بلغة المنتصر ..


وابتسم مدير مرسيليا ثم قال :


ولكننى لا أسمع اللغة الألمانية منك ؟


ويروون أن الجنرال جاملان سألوه عندما نشبت الحرب عن حاجته إلى الجنود فقال :


أحتاج ال ( ١٥٠ ) فرقة ثم سئل وإذا بقيت إيطاليا على الحياد ؟ فقال : مع ذلك أحتاج إلى ( ١٥٠ ) فرقة فسئل وإذا دخلت إيطاليا ضدناالحرب ؟ فقال : أحتاج إلى ( ١٥٠ ) فرقة وأخيرا سئل وإذا دخلت إيطاليا فى صفنا الحرب ؟ وأجاب الجنرال : عندئذ أحتاج إلى ( ٢٠٠ ) فرقة !


وليس أبغض لدى الفرنسيين من رؤية محتليهم . وهم يتضايقون كثيرا من شهود الألمان فى ساعات الصباح يرتادون أشهر الأحياء فى باريس فى استعراض عسكرى


الألمان يديرون :


وبطبيعة الحال يقوم الألمان الفاتحون بالإشراف على كل شىء فى القسم الذى يحتلونه ولا يسمحون لأحد من الفرنسيين بأن يشركهم فى شىء من الإدارة إلا أن يكون من دعاتهم السابقين وحسبك أن تعلم أن عامل الأسانسير فى إحدى صحف باريس أصبح رئيس تحرير الصحيفة لأنه من أركان الطابور الخامس..


وفى القسم غير المحتل قد يدهش الإنسان حين يعرف أن الإدارة الحقيقية للألمان إذ يوجد منهم رجال يتولون توجيه السياسة وتصريف الأمور


ولا يخفى الفرنسيون شماتتهم بالهزائم المنكرة التى منى بها الإيطاليون فى الحبشة وليبيا وعندما وقع الهجوم الأول الإنجليزى فى ليبيا وتقهقر الإيطاليون فكان باعة الصحف فى مرسيليا ينادون على صحفهم :


الإيطاليون فى ميدان السباق !


والظاهر أن الألمان يغضون الطرف عن كل دعابة تمس حليفتهم ( الكبرى ) إيطاليا ويتركون للفرنسيين أن يبدعوا فى هذا المضمار


ــــ وما هى الحياة المعيشية فى فرنسا ؟


كل مايروى عن المجاعة فى فرنسا صحيح .. ظللت وأسرتى فى مرسيليا نقتات خمسة عشر يوما بالحمص المسلوق وجميع المواد الغذائية تؤخذ بالبطاقات وقد يقف الواحد منا خمس ساعات فى سبيل الحصول على نصيبه من الطعام


ولكن ما هو نصيب الفرد من الطعام فى فرنسا ؟


إن لكل إنسان الحق فى الحصول على ما يوازى أوقتين من اللحم كل أسبوع والخبز ٢٠٠ جرام فى الأسبوع وحتى السمك الذى عرفت به فرنسا كان يوزع بالبطاقات أما الأًرز واللبن فلا يعطى شىء منهما إلا للأطفال والمرضى والبيض ادخل فى نظام البطاقات أخيرا على أن يكون نصيب كل فرد بيضة واحدة فى الشهر ــ


ــ وكيف عدتم إلى مصر ؟


قضينا ـ وأسرتى ـ نحو أربعة شهور فى طريق العودة إلى مصر ... ركبنا الباخرة إلى البرتغال وهناك قضينا شهرا ثم نقلتنا باخرة برتغالية إلى موزمبيق وقضينا فيها شهرا ثم سافرنا إلى جنوب إفريقيا ومن هناك أقلتنا الباخرة كوثر إلى السويس


ولم نلق فى طريقنا حوادث مزعجة اللهم إلا مرة واحدة اعترضتنا باخرة إنجليزية وفتشتنا ثم أخرجت من بيننا جاسوسين ألمانيين وقد تمت الرحلة والحمد لله على خير حال


بعد عودته من فرنسا عمل مدرسا لعلم النفس بكلية اللغة العربية بكليات الأزهر ثم عميدا لكلية أصول الدين وعضوا ثم أمينا عاما لمجمع البحوث الإسلامية فنهض به وأعاد تنظيمه وعين وكيلا للأزهر فوزيرا للأوقاف وشئون الأزهر وتولى شيخنا الجليل مشيخة الأزهر فى ظروف بالغة الحرج وكان ذلك بخصوص قانون الأزهر الجديد والذى ألغى جماعة كبار العلماء وحدد سلطات شيخ الأزهر وغل يده فى إدارة شئونه وأعطاها لوزير الأوقاف


كافح د . عبدالحليم محمود من أجل إلغاء هذا القانون المعيب واسترد للمشيخة مكانتها وههيبتها وأصبح للأزهر فى عهده رأى فى كل قضية وموضوع يتعلق بأمر المسلمين فتصدى لقانون الأحوال الشخصية الذى حاولت د. عائشة راتب إصداره


دون الرجوع للأزهر وعمل على توفير الكفاءات العلمية التى تتلاءم مع رسالة الإسلام العالمية . وأوضح فى لقاء ا ته المتعددة أن التصوف هو العبودية الحقة الخالصة لله .


وتحدث عن أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم واصفا أخلاقه كما جاء في القرآن الكريم


وأن الدرجة التى وصل إليها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الخلق القرآنى فيقول الله عز وجل لرسوله :


( وإنك لعلى خلق عظيم )


وعندما سئلت السيدة عائشة ـ رضى الله عنها ـ عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت:


( كان خلقه القرآن )


ومع أن هذا الوصف من أم المؤمنين واضح وضوحا لا لبس فيه فإننا مع ذلك نحاول له تحديدا نراه ضروريا وبيانا نراه حتميا ..


مستشهدا بما قاله صاحب الشفاء :


( أثنى عليه بما منحه من هباته وهداه إليه وأكد ذلك ـ تتميما للتمجيد ـ بحرفى التأكيد فقال : ( وإنك لعلى خلق عظيم )


وقال الواسطى : ( أثنى عليه بحسن قبوله لما أسداه إليه من نعمه وفضله بذلك على غيره لأنه جبله على ذلك الخلق ) وقد تحدث الصحابة والتابعون عن هذه الآية الكريمة قال ابن عباس ـ رضى الله عنهما ـ معناه:


على دين عظيم لا دين أحب إلى الله ولا أرضى عنه منه وهو دين الإسلام ) وقال قتادة :


( هو ما كان يأتمر به من أوامر الله وينتهى عنه ما نهى الله تعالى والمعنى إنك على الخلق الذى أمرك الله به فى القرآن


ومع ذلك ومع كل ما قيل فى هذه الآية الكريمة من أنها تكريم وتمجيد ومدح وثناء ومع إيماننا بأنه تتضمن كل المعانى الكريمة التى قيلت والمعانى الشريفة التى ستقال فإننا نرى أن الأمر ما زال بحاجة إلى بيان الدرجة بيانا تاما فقد يتساءل بعض الناس عن هذا الخلق العظيم


إن القرآن يحسم الأمر حسما لا يدع فيه مجالا للبس ويسفر عنه إسفارا لايدع مجالا لا ريب يقول الله لرسوله الكريم : ( قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين )


هذه الآية الكريمة تحدد درجة الأخلاق القرآنية التى وصل إليها الرسول صلى الله عليه وسلم


إنها ذروتها وسنامها :


ولقد بعث صلى الله عليه وسلم ليتمم مكارم الأخلاق ..


ليتممها بذاته .. بسلوكه


وليتممها بقوله.. وبرسالته


إنه لم يبعث لينشر الأخلاق الكريمة فحسب وإنما بعث ليتمم مكارمها ومكارم الأخلاق لم تكن ـ قبل الرسول ـ صلوات الله عليه قد تمت ..


إن أول المسلمين لم يكن قد وجد بعد .. وكانت بذلك مكارم الأخلاق ناقصة كان ينقصها أكمل صفة لمكارم الأخلاق وهى إسلام الوجه لله إسلاما تاما .