هل التصوف بدعة منكرة؟

22/06/2016 - 10:24:25

بقلم - أحمد بان

هو مذهب قديم قبل الإسلام تسرب للمسلمين عبر الثقافة الفارسية والهندية واليونانية ،ولم يظهر فى عهد الصحابة أو التابعين ،حيث لم يظهر إلا فى نهاية القرن الثانى وبداية الثالث ،هكذا توصف الصوفية فى وعى حركات التسلف الوهابى ،الذى يلتصق بالنصوص والطقوس ولايعطى وزنا لهذا الفن الرفيع ، والذى لايقيم هذا الوزن للطقوس إلا بقدر تهذيبها للسلوك والأخلاق


الدارسون للتصوف على مذهبين ،الأول يرى التصوف أجنبيا عن الإسلام فى أصله ونشأته وأفكاره ،وعليه فهو منحرف كله وهؤلاء لايعدمون أدلة على ذلك عبرتكبير بعض المفردات وإخراجها من معناها المقصود لدى من تفوه بها ،وترديد قضايا من قبيل الحلول والاتحاد والفناء بأنواعه سواء فناء الوجود وفناء الشهود وغيرها من المسائل، التى عبرت عن مواجيد خاصة وأحوال لقائليها تخصهم وحدهم ، لكنها دفعت البعض لتكفيرهم واتهامهم بالمروق من الدين ، أما الثانى يرى التصوف إسلاميا فى أصله وأفكاره ،وإن تلبس لدى بعضهم بالسنة فى بعض الأحوال وبالفلسفة فى أحوال أخرى


ما يعنينا ليس الخلاف حول بعض صور التصوف ،ولا ترسيخ ما يريده البعض من المتسلفين بأن جوهر الفكرة الصوفية هو الحلول والاتحاد ووحدة الوجود ، مستشهدين برأى أحمد أمين مثلا ،فى أن أركان التصوف ثلاثة وحدة الوجود والفناء فى الله وحب الله


بينما يقول الجرجانى إن التصوف وقيل تصفية القلب عن موافقة البرية، ومفارقة الأخلاق الطبعية وإخماد الصفات البشرية « لذا تعد كلمة التخلق بديلا مفهوما للتصوف ،حيث يبرز الأمام الشاطبى الفرق بين التخلق والفناء فيقول حاصل ما يرجع إليه لفظ التصوف معنيان، أحدهما التخلق بكل خلق سنى والتجرد عن كل خلق دنى ،والآخر أنه الفناء عن نفسه والبقاء لربه ،والفناء له مفردات حفلت بها كتب القوم كالاصطلام والاضمحلال والسكر والغيبة والجذب ،وكلها مفردات يمكن إخراجها عن سياقها وتحميلها مالاتحتمل الأمر ببساطة تخلية وتحلية وتزكية ،نزع الصفات المذمومة بالمجاهدة والتعرض لأسماء الله وصفاته ،واكتساب الصفات المحمودة التى يحتج البعض على أئمة التصوف نعتها بأخلاق الله ،باعتبار أن الأخلاق مكتسبة والله جل شأنه هو خالق كل شىء يكتسب الناس منه وليس العكس أبدا ،حيث يعتب بعضهم على قول النورى الذى ينقله عنه الدكتور عبدالحليم محمود « ليس التصوف رسما ولاعلما ولكنه خلق ،لأنه لو كان رسما لحصل بالمجاهدة ولو كان علما لحصل بالتعليم ،ولكنه تخلق بأخلاق الله ولن تستطيع أن تقبل على الأخلاق الإلهية بعلم أو رسم «


ستجد كلام القوم ملغزا فى بعض الأحيان ،إنه يعتمد تجربة خاصة يحاول صاحبها أن يفيد القوم بحاله الذى يبقى حاله هو ومهما حاول نقل الناس لما يعيشه يبقون بعيدين عما يهنأ به أو يكابده من أحوال ،لذا نجد ابن الجوزى حادا فى الحكم على التصوف يقول « التصوف مذهب معروف يزيد على الزهد ،ويدل على الفرق بينهما أن الزهد لم يذمه أحد وقد ذموا التصوف « بينما يذهب نيكلسون إلى القول « الصوفية الأولون كانوا فى الحقيقة زهادا وادعين، أكثر منهم متصوفة « بينما يقول الشيخ عبدالحليم محمود الزهد فى الدنيا شىء والتصوف شىء آخر ،ولا يلزم أن يكون الصوفى زاهدا أو أن يكون التصوف هو الزهد « بينما تذهب د سعاد الحكيم أن البداية لم تكن كما ظن بعض الباحثين فى الزهد ،الذى يتبع الحياة النفسية بل تجلت فى حالات الوجد التى كانت خير تعبير عن إحساس العبد بالحضور الإلهى « بينما يبدو الشيخ محمد رزق إبراهيم ربما أكثر وضوحا حين يقول « الصوفى أكثر من زاهد إذ الزاهد فى الدنيا زاهد فى لاشىء أما الصوفى فلا يزهد إلا فيما يحجبه عن الله «


قد تتحير فى الوصول الى تعريف مانع جامع للتصوف لكن قد نصل معا إلى هذا التعريف فنقول ،إن كل كلمة تقال قرآنا كانت أم أثرا نبويا أو وردت عن صحابى أو تابعى أو حكمة منثورة فى الكتب أو حقيقة علمية مؤكدة تدفع النفس للترقى والتعرف على الله ،أو تساعد من يسمعها على التخلق بخلق حسن أو التخلى عن خلق مذموم كل ذلك سواء انتظم فى طريقة أو دون فى كتاب تناقله القوم ،فساعد على تهذيب سلوكهم بالكلية وخلصهم من أمراض نفوسهم وفتح طريق السالكين إلى رضوان الله ،متوسلا لذلك بحال أو مقال موافق للكتاب والسنة كما كان يحرص سادات هذا العلم على التأكيد بالقول ،أن كلامنا هذا مقيد بالكتاب والسنة وأن لاتأبهوا لمن خرج عن ذلك وإن طار فى الهواء أو مشى على الماء


التصوف هو تجربة المؤمنين والسالكين ،التى سعى البعض منهم لتأطيرها فى طريق أو طريقة فمنهم من تلقفته العناية الإلهية وفتحت له قلوب العباد فصار علما فى حياته وبعد موته ،ومنهم من لعبت به الشياطين فصار فتنة للقوم ومطية للأهواء ،وهذا حال الدين على وجه العموم هناك من يتوسل به لصلاح نفسه وقومه ،وهناك من يتخذه مطية لتحقيق أهدافه الدنيوية الرخيصة المؤكد أن حكمة الله ستبقى ضالة المؤمن يبحث عنها ويترصدها فى كل عصر ومصر، حيث اعتقد أن وحى السماء لم ينقطع وتعهد الله لخلقه وأخلاقهم لم ينقطع يوما


وصدق الرسول الكريم حين يقول « إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق « وكلمة أتمم تعنى أنه صلى الله عليه وسلم يعرف أن فى واقع الناس قبله أخلاق وقيم ،تحتاج فقط إلى من يتممها ويضع لها إطارا سماويا ،وما أبلغ كلماته صلى الله عليه وسلم فى الحديث النبوى الذى يقول « إنما مثلى ومثل الأنبياء من قبلى كمثل رجل بنى بناء فأحسنه وأكمله وجمله ،إلا موضع لبنة فجعل الناس يطيفون به فيقولون ما رأينا بناء أحسن من هذا إلا موضع هذه اللبنة ،إلا وكنت أنا تلك اللبنة « لم تتخل السماء عن الأرض ساعة من ليل أو نهار، بل بقيت كلمات السماء منثورة فى قلوب الأتقياء من عباده أنبياء وصالحين وأولياء ،لذا يبرز علم التصوف باعتباره هذا العلم الذى يبرز تجارب الصالحين والأولياء من خلقه وكلماتهم ومواقفهم ،التى يلامس بعضها القلب والضمير فيلتفت عن دنايا النفس والهوى والشيطان ،ويحلق مع الله فى ملكوته وأسمائه وصفاته على طريقة برز فيها أعلام سطروا تجربتهم فى كتب ومؤلفات ،صنعت لبنات هذا العلم كتذكرة الأولياء للعطار ،والرسالة للقشيرى وعوارف المعارف للسهروردى ،وكشف المحجوب للهجويرى والتعرف للكلاباذى وغيرها من المؤلفات ،التى صاغت هذا العلم الذى برع من أعلامه الجنيد والغزالى والنورى وابن عربى والكاشانى وغيرهم ،ممن سنعرض لطريقة كل منهم فى مقالات قادمة لنحرر معا المعنى الصحيح لهذا العلم ،ونختار لأنفسنا ما نراه موافقا للكتاب والسنة وملبيا لحالة العطش الروحى التى ألمت بنا ،وتركتنا نهبا لهذا الهجير الذى أدمى أفئدتنا وقسى قلوبنا لتصبح أفئدتنا صالحة لتلقى فيوضات الحكمة بتصوف صحيح ،يأخذ بأطراف الحكمة المستقاة من الكتاب والسنة وتجربة البشر المفتوحة ورسائل الحق المبثوثة فى هذا الكون للخلق فى كل عصر ومصر .