لواء نصر سالم يكتب : حرب رمضان فى عيون القادة الإسرائيليين

22/06/2016 - 10:18:37

لواء: نصر سالم أستاذ العلوم الاستراتيجية بأكاديمية ناصر العسكرية العليا

فى كتابه «قصة حياتى» يروى موشيه ديان - وزير الدفاع الإسرائيلى إبان حرب رمضان / أكتوبر ١٩٧٣ - ذكرياته عن «عشية الحرب» قائلًا : “لقد جاء الهجوم المصرى السورى مفاجأة لنا، لكنه لم يكن أمرا غير متوقع، لقد جاء يوم كيبور (الغفران) وقوات إسرائيل غير معبأة ولا موزعة كما يجب، لكن ذلك لايعنى أنها لم تكن مستعدة لمواجهة الهجوم العربى، وأنا شخصيًا لم أكن أتوقع أن يقبل المصريون تخندقًا على طول قناة السويس، ولا أن يرضى السوريون باحتلالنا لمرتفعات الجولان، وكنت أشعر أن وجودنا هناك معناه تجدد الحرب إن آجلًا أوعاجلًا، ولم يكن هذا هو نفس شعورى حيال غزة ويهودا وسامرا”.


وكنت أرى - هكذا يقول ديان - أن المفتاح لمنع قيام حرب هو عقد اتفاق ولو جزئيًا مع مصر. إذ لم يكن ذلك كفيلًا بتخفيف داوفع مصر للقتال فقط، بل ويجعل سوريا تتردد فى قرار الحرب لعلمها أنها ستحارب بمفردها، وقد اقترحت بمجرد ايقاف حرب الاستنزاف فى عام ١٩٧٠ أن ننسحب قليلًا من قناة السويس حتى نعطى الفرصة لمصر لإعادة الحياة الطبيعية إلى مدن القنال، واستئناف الملاحة، وكان اعتقادى أن ذلك سيضعف رغبتهم فى القتال مرة أخرى، ولكننا لم نصل إلى أى اتفاق جزئى، وبدا واضحًا أن دوافع مصر وسوريا لاستئناف الأعمال الحربية قد بقيت كما هى، وأصبح السؤال هو.. متى يحدث ذلك؟


وتوقعت الإجابة على هذا السؤال على طبيعة وسياسة القيادة المصرية وعلى لياقة الجيش المصرى، بالإضافة إلى الاتحاد السوفييتى الذى استمر، برغم تذبذب العلاقات، يدرب قوات مصر وسوريا وتزويدهما بالعتاد بشكل واسع وخاصة خلال عام ١٩٧٣، وتم تزويد البلدين ببطاريات الصواريخ سام ٦ وصواريخ فروج أرض. أرض، والدبابات (ت ٦٢) وصواريخ (ساجر) المضادة للدبابات.


وكانت «سنة الحسم» ١٩٧١ التى أعلنها السادات، قد مرت دون أية أحداث، لكنه بدا منذ منتصف ١٩٧٣، أن مصر وسوريا عازمتان على الحرب، وقد وضعتا خططًا تقضى بأن تحل القوات السورية مرتفعات الجولان، وأن تعبر القوات المصرية القناة، ثم تتجه شرقًا لتحتل ممرات متلا والجدى ثم جنوبًا للاستيلاء على أبو رديس وشرم الشيخ.


ثم يروى ديان أنه فى اجتماع رئاسة الأركان يوم ٢١ مايو ١٩٧٣ طلب من رئيس الأركان إعداد الجيش الإسرائيلى لمواجهة هجوم مصرى وسورى شامل.


ويواصل ديان : أنه بالفعل تم إعداد الخطة وعرضت عليه وعلى رئيسة الوزراء «جولدا مائير» وكانت الخطة تدعو إلى الإسراع فى الحصول على الأسلحة والدبابات والمدرعات بشكل خاص وقدرت التكاليف بـ ١٧ مليون دولار، وتم كذلك إرسال الخطة بتفاصيلها إلى قيادتى الجبهتين الشمالية والجنوبية متضمنة التعزيزات وتعبئة القوات وتوزيعها.


وعند ظهر يوم (كيبور) كانت قواتنا فى الجبهة الجنوبية موزعة طبقًا لهذه الخطة. أما بالنسبة للجبهة الشمالية - سوريا - فقد كان الموقف أقوى منها.


وكنا قد وضعنا ١٧٧ دبابة فى الجبهة الشمالية و٣٠٠ دبابة فى الجبهة الجنوبية، مهمتها أن تحتوى الهجوم على الجبهتين فى حالة وقوعه بمساعدة من السلاح الجوى، لحين وصول بقية الإمدادات، وكانت الخطط قد وضعت على أساس أن الإنذار المبكر يجب أن يصلنا قبل ٢٤ ساعة، حتى نتمكن من تعبئة قوات الاحتياط وإرسالها إلى الجبهة وقت اندلاع الحرب.


ويعلق ديان بقوله : “ويجب على ّ أن أضيف هنا أن قوات العدو شنت هجومها بكفاءة أكبر مما وضعناه لها فى حسابنا عند وضع هذه الخطة”.


وكانت القوات التى تم ارسالها للجبهة بسرعة هى ذلك الجزء من القوات الذى تمت تعبئة خلال الخمسة عشر يوما السابقة، بعد ملاحظة النشاط العسكرى المتزايد - وكأن ديان يغسل يديه من عدم قدرة قواته على مواجهة الجيشين المصرى والسورى بقوله:


“ومع ذلك فإن كلا من المخابرات الأمريكية ومخابراتنا، توصلتا إلى أن مصر وسوريا لا تعدان للحرب، وفسرتا التحركات العسكرية الواسعة على الجبهة المصرية على أنها (مناورات للجيش) وليست استعدادًا لغزو، ومع ذلك فلم نكن مرتاحين، وخاصة فيما يتعلق بالجبهة السورية”.


فى كتاب النضال من أجل أمن إسرائيل فى الفصل الخاص بـ (حرب يوم الغفران) الصادر عن «المؤسسة الإسرائيلية للتاريخ العسكرى بمساعدة قسم التاريخ فى جيش الدفاع الإسرائيلى» عام ١٩٩٩ فى نهاية شهر سبتمبر عام ١٩٧٣ وبعدما تلاحظ تعزيز كبير للتشكيلات السورية، فعزز جيش الدفاع قواته فى الجولان - متوقعًا عملية محدودة، وقدرت شعبة مخابرات جيش الدفاع أن سوريا لن تشن حربًا عادة بدون مصر، وقالت أنه ليس لدى المصريين نوايا للحرب.


وقد تم الشك فى تقدير المخابرات فى صباح يوم ٥ أكتوبر١٩٧٣ - ليس بسبب المعلومات عن التعزيزات السورية فى الجبهة وعن مناورات واسعة بدأها الجيش المصرى فى مطلع الشهر، بل بسبب - الإخلاء السريع بطريق الجو لعائلات المستشارين الروس من سوريا ومصر.


فى الفجر يوم ٦/١٠/١٩٧٣ علمت المخابرات أنه ينتظر هجوم فى نفس اليوم. وبدأ استدعاء الاحتياط، ولكن حتى نشوب الحرب سعت ١٤٠٠ لم تكن قوات الاحتياط قد قدمت نفسها للتشكيلات.


« لقد أنجزت مصر وسوريا فعلًا، مفاجأة استراتيجية وسياسية».


انتهى كلام القائد والقيادة الإسرائيلية عن المرحلة التحضيرية للحرب والتى نخلص منها بالآتى :


١ - إن الهجوم المصرى السورى كان أمرًا متوقعًا، لأنهم لن يتركوا أرضهم محتلة إلى الأبد ولن يتنازلوا عنها للإسرائيليين، ولكن مالم يكن متوقعًا هو توقيت الحرب.


٢ - إن سوريا لاتستطيع أن تحارب بدون مصر.. وقد فكر ديان فى إبعاد مصر عن سوريا بالتخلى لها عن جزء من سيناء ملاصق لقناة السويس لإغرائها بالتنازل عن دورها إلى جانب سوريا كهدف استراتيجى، ومساعدة مصر على إعادة الملاحة إلى قناة السويس كهدف تكتيكى يساعد على كشف أى نوايا مصرية للهجوم - فى حالة إيقافها للملاحة الدولية فيها، وكشف أى تجهيرات للعبور.


٣ - إن القيادة الإسرائيلية قد استعدت للحرب منذ سبتمبر ١٩٧٣ وعززت القوات على كلتا الجبهتين المصرية والسورية بالحجم والنوع اللازم لصد أى هجوم مع استعداد القوات الجوية للمعاونة وحسم الموقف فى وقت قصير لحين إتمام خطط التعبئة واستدعاء الاحتياط.


٤ - محاولة التقليل من أهمية اختيار يوم (كيبورـ عيد الغفران) لتحقيق المفاجأة من جانب القيادة المصرية والسورية - وتبرير ذلك من وجهة نظرهم بأن العوامل الإيجابية فيه كانت على الجانب الإسرائيلى أكثر من السلبيات نظرًا لتواجد جميع الإسرائيليين فى البيوت الأمر الذى سهل وصول الإنذار إليهم عبر وسائل الإعلام وباقى الوسائل الأخرى. والثانية أن جميع الطرق فى إسرائيل كانت خالية أو ماشابه ذلك الأمر الذى سهل من عملية نقل وتحرك القوات الاحتياطية إلى جبهة القتال.


٥ - يجمع القادة الإسرائيليون على أن عملية الخداع الاستراتيجى والتعبوى المصرى والسورى كانت ناجحة تماما وأقنعت جميع القادة أنه لا نية للهجوم لولا ما أقدمت عليه روسيا صباح يوم ٥ أكتوبر ١٩٧٣ بنقل جميع العائلات والأفراد الروس فى كل من مصر وسوريا على وجهة السرعة إلى بلادهم فى روسيا.


الأمر الذى لم يجعل مجالا للشك فى توفر نية الهجوم مع باقى المعلومات التى تجمعت لديهم من قبل ولكنهم جميعًا اتفقوا على أنها تدريبات وليست بنية الهجوم.


وترجع عملية إخلاء العائلات الروسية من سوريا ومصر.. إلى أن كلتا القيادتين المصرية والسورية اتفقنا على إخطار القيادة الروسية بالحرب بشكل منظم يجعل أى رد فعل روسى، لا يخرج عن قدرة مصر وسوريا فى مجابهته فى الوقت المناسب. وبناء عليه قامت مصر بإبلاغ روسيا يوم ٣ أكتوبر ١٩٧٣ بأنها هى وسوريا قررتا بدء العمليات العسكرية ضد إسرائيل ولم يحدد السادات للسفير الروسى موعد بدء الحرب. وقامت سوريا بإبلاغ روسيا يوم ٤ أكتوبر ١٩٧٣ أن الحرب ستبدأ يوم ٦ أكتوبر.


٦ - لعل قرار السادات بإنهاء مهمة المستشارين السوفييت فى مصر فى أغسطس ١٩٧٢ وجد بعد ذلك من يتفهمه!