عندما تتجلى العبقرية المصرية العسكرية

22/06/2016 - 10:14:50

بقلم - حمدى الكنيسى

نتحدث كثيراً - ولنا الحق - عن البطولات الفذّة التى حققها رجال قواتنا المسلحة فى حربنا «الأكتوبرية – الرمضانية» المجيدة، ونتكلم كثيرا - ولنا الحق - عن المعارك التى جرى وطيسها فى ميدان القتال وشاركت فيها كل الأسلحة براً وبحراً وجواً، وهكذا ارتبطت حربنا المجيدة بوقائع القتال التى حطمنا خلالها كل الأساطير الإسرائيلية بدءاً من «أسطورة الجيش الذى لايقهر»، لكننا - مع أهمية وعظمة ذلك كله - لم نتوقف كما يجب أمام أول فصول الحرب كما جرى قبل أن تنطلق رصاصة واحدة فى جبهة القتال، وأعنى به «الفصل الخاص بحرب العقول» حيث كانت المواجهة الساخنة غير المعلنة بين «فريق العقول المصرى»، و»فريق العقول الإسرائيلى الذى عادة «مايستعين بصديق أمريكى أو أوربى» .


وبمنتهى الموضوعية والتجرد نقول إن هذه الحرب الذكية شهدت التجلى الرائع للعبقرية العسكرية المصرية حيث تفوق باكتساح فريق العقول المصرى “أحمد إسماعيل، سعد الدين الشاذلى، الجمسى، وقادة الأفرع، ومن انضم إليهم من الخبراء الأذكياء مثل صلاح فهمى” رئيس فرع التخطيط بهيئة العمليات .”


ومما ضاعف من قيمة تفوق فريقنا أنه صار من أسباب الانتصار الذى كان كما قال الرئيس السادات معجزة بكل المقاييس .


ونحن لو توقفنا الآن أمام بعض مظاهر ما حققته العبقرية العسكرية المصرية فكراً وتخطيطاً ودقة فى التنفيذ سنجد العديد من الأمثلة التى أذكر منها :


١- اختيار يوم السادس من أكتوبر - العاشر من رمضان لإطلاق الحرب :


بعد دراسة علمية عميقة دقيقة اختار فريق العقول المصرى هذا اليوم بالتحديد لأنه يتفق مع بدء أطول عيد عند الإسرائيليين وهو «عيد الغفران» الذى يمتد إلى ستة أيام يلتزم الإسرائيليون خلالها بعدم الخروج من منازلهم، أى لايمارسون أى عمل خلال هذه الفترة، ومعنى ذلك أن إعلان التعبئة العامة واستدعاء جنودهم وضباطهم يستغرق ثلاثة أيام على الأقل يدفع العدو ثمنها باهظاً .


من جهة أخرى - وبدراسة العقلية والفكر الإسرائيلى - رأى فريق العقول المصرى أن تل أبيب لن تتوقع قيام المصريين بالحرب أثناء شهر رمضان حيث الصوم والراحة «وربما المسلسلات إياها».


٢- لماذا الساعة ٢.٠٥ ظهراً؟!


على عكس ماتعارف عليه العالم وهو أن تبدأ الحرب مع أول ضوء أو آخر ضوء قرر فريقنا العبقرى اختيار «الساعة ٢.٠٥ “ كإحدى مراحل خداع العدو، وأيضا لاستغلال وجود أشعة شمس الظهيرة فى مواجهة قواتهم بما يعوق الرؤية المركزة، وعندما علمت إسرائيل باحتمال اندلاع الحرب فى السادسة مساء كلفت وزير دفاعها «موشيه دايان» بالتوجه صباح السادس من أكتوبر إلى مواقعهم عند الشاطئ الشرقى لقناة السويس، وذهب الرجل فعلا مدرعاً بخبراته الأسطورية، وكان فى انتظاره خطة خداع أخرى أعدها قادتنا حيث دقق النظر كثيرا ولم ير سوى جنود مصريين غرب القناة وهم يلعبون الكرة ويمصون القصب ويتأهبون للسباحة فى القناة الهادئة، وعاد موشيه دايان واثقاً متأكدا حتى كاد يقسم لرئيسة حكومته «جولدا مائير» بأغلظ الأيمان اليهودية أن مصر لن تحارب، ولا أثر إطلاقا للاستعداد لأى حرب !! وبالمناسبة كانت تلك إحدى سقطات ومراحل وفشل جنرالهم الذهبى الذى انهارت أسطورته وسط انهيار معظم أساطيرهم حتى إن شبابهم كانوا يذهبون بعد الحرب إلى مقبرته وبدلا من الهتاف باسمه كانوا يبصقون عليه !!


٣ - لماذا «الساعة ٢.٢٠» لعبور موجات المشاة الأولى؟!


تحدد ذلك التوقيت بحيث تنطلق الموجات الأولى من المشاة ( ٨٠٠٠ جندى وضابط) بعد توجيه قواتنا الجوية ( ٢٢٠ طائرة) لضربتها الشاملة لتجميد السلاح الجوى الإسرائيلى أطول وقت ممكن بضرب مطاراته القريبة، وكذا ضرب المواقع والمدرعات التى يمكن أن تندفع لمساندة قواتهم فى الخط الأمامى، وشارك فى ذلك ٢٠٠٠” مدفع» صبوا أطنان القنابل على الأهداف المحددة، بينما تم إبرار مجموعات من “أبطال الصاعقة” داخل عمق العدو لإرباكه وإعاقة تقدم قواته الاحتياطية وهكذا أتاحت الدقائق العشرون فرصة عبور واقتحام موجات المشاة الأولى دون خسائر تذكر، لتبدأ مهامها القتالية الرائعة التى تضمنت - فيما تضمنت - تطهير واحتلال حصون خط بارليف!


٤- المانع المائى والنارى الخطير؟!


درس فريق العقول كل ما يتصل بقناة السويس كمانع مائى فريد فى صعوبته


وما أضافه إليه الإسرائيليون ليجعلوه أيضاً مانعاً نارياً رهيباً حيث جهزوا مواسير ومضخات «النابالم» التي كانت كفيلة بإحراق من يعبر أو حتي يقترب من القناة، وهنا خططنا لانتزاع أنياب «كلاب النار المسعورة» كما قال أحد قادتنا، وقبل أن أتحدث عن الخطط التي تم وضعها لذلك، أدعوك - عزيزي القارئ - إلي تأمل الخبر الذي نقلته وكالات الأنباء والذي يقول : «كان من أوائل الأسري الإسرائيليين الذين سقطوا في أيدي القوات المصرية مهندس من سلاح المهندسين الإسرائيليين يدعي «ألبرت رحيم»، وقد أسره المصريون بجوار أجهزة إشعال النيران في القناة حينما كان يحاول تشغيلها!!


وكان أفراد من الصاعقة قد تسللوا قبل ساعة الصفر إلي الضفة الشرقية وقاموا بعملية سد المواسير بتركيبة معينة من الأسمنت وبعض اللدائن سريعة التصلب، كما قاموا بقطع خراطيم الطلمبات الخاصة بدفع النابالم داخل المواسير الممتدة فوق وتحت سطح مياه القناة، فعلها رجالنا، وبالمرة أسروا ذلك الضابط المهندس الذي حاول اللعب بالنار!!


ملحوظة: يُحسب لفريق العقول المصري تفوقه في التعامل مع خطة النابالم الإسرائيلية بل يحسب لهم تفوقهم أيضاً علي «عقول ألمانية» أثناء الحرب مع بريطانيا التي ابتكرت لندن وقتها أسلوب إشعال سطح المياه، وبعد تجارب ودراسات الخبراء الألمان قاموا بتغطية أسطح قوارب العبور بأوراق «الإسبستوس”، واستقلها الجنود فعلا وتحركوا بها فإذا بالنار تصطادهم وتحترق القوارب ويتحول الجنود إلي رماد، فيصرخ “هتلر” ويطلق أوامره بإيقاف الاستعداد لغزو انجلترا!!


• وتتوالى الأمثلة التي تجسّد التفوق الكاسح لفريق العقول المصري، وإن كنت أؤجل استكمال الحديث عنها، إلا أنني أجدني مدفوعا للحديث عن خطة «الخداع السياسي والدبلوماسي»، وأذكر منها:


١- تسريب صورة للرئيس السادات في «المعمورة» بالمايوه وجواره كلبه الذي يداعبه وذلك قبل الحرب بشهر واحد، لتلتقط الصحف ووكالات الأنباء الإسرائيلية والغربية هذه الصورة مع تعليق يؤكد صاحبه أن «السادات راجل عايز يستمتع بالسلطة ويعيش حياته.. ولن يتخذ أبداً قرارا بالحرب!!».


٢- تم استغلال سفر رئيسة وزراء إسرائيل إلي النمسا لبحث عملية اختطاف الفدائيين الفلسطينيين لقطار يستقله يهود يتم تجميعهم للهجرة إلي إسرائيل، حيث أبلغ السادات مستشار النمسا استعداد مصر لأي اتفاق للسلام “دون حرب “ وهذا ما نقله المستشار إلي”جولدا مائير”.


٣- ابتلع الإسرائيليون - وأصدقاؤهم - سُمّ الخداع الذي جاء في خبرٍ صغير نشرته الصحف المصرية عن فتح أبواب أداء “العمرة “ للضباط والجنود المصريين بعد أن كانت غير متاحةٍ علي مدى ست سنوات بعد النكسة، وفهم فريق العقول الإسرائيلي من ذلك أن الجيش المصري مشغول بالعمرة وربما الاستعداد لأداء فريضة الحج، وكفي الله المؤمنين المصريين شر القتال!!


• أخيرا.. أؤكد أن ما ذكرته حتي الآن من أمثلةٍ ودلائل تُجسّد تجلى العقلية العسكرية المصرية، ومن ثم تفوق فريق العقول المصري، هو قليل من كثير من الأمثلة والحقائق التي كانت مُحصلة الدراسة العميقة للفكر والاستراتيجية الإسرائيلية والتي هيأت لمقاتلينا كي يُبدعوا.. ويتألقّوا في براعة التنفيذ، وشجاعة الالتحام، ليجعلوا من انتصارنا في «حربنا الأكتوبرية - الرمضانية المجيدة» دروسا مازالت تفرض نفسها علي الأكاديميات العسكرية العالمية واعترفت بها إسرائيل كما سجلت «لجنة اجرانات» التي شكلتها حكومتهم لبحث أسباب فشلهم وهزيمتهم التي أوشكت أن تكون هزيمةً ساحقةً ماحقةً لولا الجسر الجوي الأمريكي الذي كان استجابة لاستغاثة رئيسة الوزراء جولدا مائير وهي تصرخ: «إلحقونا .. إحنا بنضيع!!”