عنف الشارع حصاد لحرمان مجتمعي

02/06/2014 - 3:03:25

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

كتبت - إيمان الدربي

 د . "نسرين البغدادى" رئيس المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية حاورتها حواء فقالت: إن مبعث تفاؤلها إطلاق القمر الصناعي الجديد  وأنه لن تقوم لنا قائمة بدون تصنيع واقتصاد .. وأكدت أن العنف المجتمعي سببه الفقر وازدياد شعور الإنسان بالحرمان، وأشارت إلى أن الحل  لمشكلة أطفال الشوارع تقسيمها لشرائح مختلفة وأن الخروج من أزمة الشباب بوجود مشروع قومي حقيقي يلتفون حوله، وأردفت أن من حلول الزواج المبكر للفتيات أن يكون لهن إرادة وقرار في حياتهنوأنه يجب إشراك أولادنا في أزماتنا الحياتية.. كل هذه الإجابات وغيرها في السطور التالية.


علم الاجتماع


* البداية كانت عن علم الاجتماع ومعناه وما يقدمه للبسطاء من عامة الناس.. وقد أكدت د. نسرين على أن علم الاجتماع يتناول المسائل والظواهر الاجتماعية بالرصد والتحليل وتقديم الحلول التي تتلائم والظرف المجتمعي، والإنسان العادي يستفيد منه من خلال سياسات اجتماعية تهمه في المقام الأول يتم التخطيط لها وفقا للرؤي العلمية أو علي أساس علمي وتأخذ في اعتبارها احتياجاته وأولوياته.


القمر الصناعي


* د. نسرين نحن الآن بعد ثورتين وهناك مشاكل عديدة واختلافات كثيرة.. كيف ترين الوضع السياسي الحالي، وما هي رؤيتك لخارطة الطريق، وهل أنتِ متفائلة؟


- أنا بطبيعتي متفائلة ومبعث تفائلي زاد من شيئين تم إنجازهما فكرة إطلاق القمر الصناعي الخاص بمصر من روسيا، والمسألة الأخري خط تجميع إحدي ماركات السيارات التي بها مايقرب من النصف تصنيع مصري وهذا معناه أن هناك من يعمل بجد ويعرف معني المستقبل ويعي جيدا المخرج لهذه الأزمة فنحن لن تقوم لنا قائمة بدون تصنيع واقتصاد، فالقمر الصناعي أطلق بغرض التنمية ومعرفة المواقع التي من الممكن أن تنمي وهذا العمل  علي أساس عملي وهناك بعض النقاط السابقة البيضاء فهناك تجارب ناجحة فنحن دولة مؤسسات وكلنا  نقف في حالة استغراب فبعد ثورتين كيف لمؤسسات الدولة أنها قائمة للآن .. ولكن هذا لأن هناك أفرادا يؤمنون بقيمة هذا الوطن ويعملون  دون جعجعة ويحافظون علي مؤسساتهم.. وأنا أقول إن كل من يقوم بدوره كما يجب هو يقوم بدور وطني.. حتي العامل البسيط لأن هذا العمل يترتب عليه أعمال أخري للمجتمع.


* مازلت أطرح السؤال عن رؤيتك للمستقبل؟


- لوقارنتي أوضاعنا بالجيران ومايحدث فيها ستجدي أننا تعدينا خطوات واسعة نحو المستقبل ولكن نحن نحتاج لتصحيح مفاهيم  أولادنا لأن الثلاث سنوات السابقة اختلطت المفاهيم فلم نعد نعرف معني الجهاد أو من هو الشهيد ومعني إتقان العمل ولم يعد هناك فرق مابين النقد الموضوعي ومابين التناول الساخر لكل أمور الحياة بدعوة الحرية وحتي مفهوم الحرية أصبح مفهوم لا حدود له. فأنت حر أن تضربني بالسكين وأنا كذلك حر أن أضربك بالمسدس!!


العنف المجتمعي


*هذا ينقلنا لظاهرة العنف وازديادها في الفترة الأخيرة، وحتي بعيدا عن السياسة هناك علي المستوي العام عنف مجتمعي.. ماتفسيرك لذلك


وكيف نخرج من هذه الأزمة


- أولا العنف المجتمعي سببه العديد من المشكلات التي يعاني منها أفراد المجتمع فكلما زادت حدة الفقر وعدم الحصول علي المعايش يزداد شعور الإنسان بالقهر والعداوة تجاه الآخر الذي يري أنه في إطار التفاوت الاجتماعي يتمتع بكل شيء وهو محروم من كل شيء.


في فترة من الفترات السابقة كان هناك سيطرة وقهر سياسي جعل الفرد  لا يخرج عن الإطار المرسوم له ولا يستطيع البوح بما يراه وما يدور بداخله.


* وعندما يشعر الفرد أنه لا يستطيع الحصول علي لقمة العيش وأنه لا يجد فرصة عمل تقيه شر السؤال يخلق هذا  لديه العداوة تجاه المجتمع أيضا.. 


- صحيح ...  هذا يجعله  يشعر بالعداوة تجاه المجتمع وكل رموزه بدون تفرقة بين من السبب المباشر وغير المباشر وتختلط الأمور ويصبح لديه شعور بالعداوة تجاه رموز وأفراد وأماكن المجتمع وعندما جاءت اللحظة الكاشفة لكل ماعاني منه أفراد الشعب من مشكلات اجتماعية سواء جهل وأمية وفقر ونتيجة أننا لم نعلم الناس حصدنا هذا  فنحن من حرمناه الفرصة.


يجب أن نعلم ونوعي هذا الإنسان بحقوقه وقتها عندما يريد أن يعبر عن رأيه يعبر عنه بشكل صحيح من منطلق الحرص علي الوطن وليس من منطلق تدمير الوطن. 


المظاهرات الطلابية


* كيف نحتوي أزمات الشباب من بطالة وتطرف فكري وعنف زائد أحيانا؟


- نحتوي هؤلاء  بأن نفعل لهم شيئا.. مثلا إنشاء مشروع قومي حقيقي يصدقه الشباب فيتركوا كل هذه المهاترات وقتها ستجدي هذه الكتلة البشرية تحركت نحو هذا الهدف ولن تحتاجي لأي كلام فالحجج لن تنتهي.. وهؤلاء الشباب يحبون بلدهم وهذه هي المفاهيم المختلطة التي تحدثت عنها فهم يرون أن ما يفعلونه حرصا علي البلد.


أطفال الشوارع


 * أطفال الشوارع  مشكلة مازالت  قائمة رغم كل الدراسات والجهود لحلها.. لماذا؟


- أطفال الشوارع كان يتم دراستهم ككتلة واحدة بدون تفرقة وأي مشكلة تؤخذ علي بعضها ستصبح بالقطع صعبة التناول مثلا هناك جزء من أطفال الشوارع لهم أسر ولكنها فقيرة وهنا يجب دراسة الظروف الطاردة لهؤلاء الأطفال وإرجاعهم مرة أخري لحضن أسرهم .


وأعين هؤلاء الأهالي لعمل مشاريع صغيرة وهنا سيرجع هذا الطفل لبيته بعد حل مشكلة أهله أبدا في مساعدته وإرجاعه للمدرسة وللمسار السليم.


وهناك شريحة أخري وهي أطفال مؤسسات الرعايا الاجتماعية.. وهنا علينا السؤال عن.. ماهي الظروف التي جعلتهم يهربون من هذه الدور فهذه مسئولية دور الرعايا ويجب حل مشاكلها وهناك فتيات لديهم مشاكل أسرية أخري ويعانون من التفكك الأسري فيلجئون للشارع .


ويجب عدم الخلط بين أطفال الشوارع وعمالة الطفل فليس كل طفل لديه استعداد للتعليم فممكن أن يتعلم حرفة ويصبح لدينا العامل الماهر. فأنا ضد أن يكون غير غاوِى تعليم ويتم فرضه عليه وإنما يحصل علي قدر من التعليم ويمتهن حرفة خاصة وأنه أحيانا يكون العائل الوحيد للأسرة.


* هذا ينقلنا لمشكلة التجاوزات في عمالة الأطفال وتصديق مصر علي الاتفاقيات الدولية التي تحرم عمالة هؤلاء الأطفال وكيف يكون هناك عمالة أطفال تعلمهم حرف وتضمن حقوقهم وعدم تعرضهم للمخاطر؟


-        الأعمال الخطرة مرفوضة تماما وأمر مفروغ منه .. مثل الأطفال الذين يعملون في المحاجر ومن يتم استغلالهم في المخدرات والجرائم ولكن من الممكن أن يمتهن الطفل حرفة ويجيدها فقديما في الريف كانت  المدارس تحصل علي إجازة إجباري حتي يجني الأطفال القطن وكان الأطفال جزءا مهما من العمالة، ومعروف أنن  الفلاحين ينجبوا كثيرا لأن الأطفال مصدر رزق بالنسبة لهم، فحينما تصدقي علي اتفاقية يجب أن تتفق مع قيم وعادات بلدنا فنحن لنا خصوصية ولسنا مثل الدول الكبري التي لديها اقتصاد محترم ولديها مدارس تستوعب كل الأطفال وتعطي تعليم بالمجان حتي المرحلة الثانوية ،ويجب أن يتم مراعاة ظروف كل مجتمع، ولكن لا يصح أن يعمل الطفل وعمره أربع سنوات أو أن تعمل طفلة في البيوت ويتم استغلالها هذه أشياء نقف ضدها.


 أما لو الطفل ذات الـ12 عاما ويعمل في ورشة ما المانع علي أن يتم متابعة هذه العمالة في الورش حتي يصبح لدينا عمال مهرة فقد  فقدنا العامل والصنايعي المحترف.


* مشكلة الزواج المبكر لفتيات صغيرات والمتاجرة بهن في ظل أسر تعاني من الفقر والجهل في وجود تقاليد وعادات ترسخ لهذا الزواج.. 


كيف ترين الحل ؟


- أعود لأصل المشكلة فأنا أتاجر بابنتي وأخرجها من المدرسة لاحتياجي المادي إذن علي  المؤسسات المنوطة بالمرأة متابعة هذه الظاهرة ومعرفة الأسباب المؤدية إليها ومعرفة بؤر التجارة بالفتيات والاتصال مع كافة المؤسسات المعنية برفع حالة الأسرة ليس بإعطائهم إعانة ولكن


 بدراسة "من فيهم يعرف يعمل إيه" أي أعلمه كيف يكسب مع رفع الوعي بمخاطر الزواج المبكر وهنا دور وزارة الصحة أن تقوم بالتوعية والتعريف بشرح مبسط هل الأجهزة الخاصة بالفتاة تكون قادرة علي الإنجاب.. هل سيكون لديها القدرة على أن تربي جيلا وهل هم يريدون جيلا آخر مثلهم يعاني أم يريدون جيلا أفضل منهم.


إرادة الفتيات


هناك مسألة أخري.. البنات في المدارس لابد وأن يكون للفتاة إرادة، يجب أن تخلق لها إرادة.. ويكون لها رأي وشخصية وكيان وطموح هذه هي الحرية الحقيقية. كيف يكون لي قرار في حياتي وأمنع استغلال الآخر.. عن حق.


*التحرش الجنسي ظاهرة ازدادت في الفترة الأخيرة كيف يفسرها علم الاجتماع؟


- هذه المسألة لها العديد من الأبعاد الاجتماعية..عدم وجود رؤية واضحة للشباب في تحديد مستقبلهم يجعل لديهم حالة من حالات الخروج علي القيم والقواعد ثم ازدياد البطالة تجعل الشباب يقفون علي النواصي وليس لديهم هدف.


والمسألة الأخطر تراجع دور الأسرة فنحن  تربينا قديما بشكل مختلف فكنا عند مشاهدة مشهد خارج في فيلم يتم التعليق والتعقيب عليه بشراسة من الوالدين لدرجة أنكِ وأنتِ جالسة تكتسبي بداخلك هذه القيم وتخزينها بالاعتراض والتحفظ والقدرة علي الفرز مابين ما هو صالح وطالح.


أيضا غياب الأسرة في متابعة أبنائها كارثة، فالشباب يبقون حتي الفجر خارج المنزل والبنت تكون في الشارع ويجلسوا علي النت بالساعات مع غلق الباب عليهم.


هذه المسائل إذا لم تكن هناك نفس قادرة أو لوامة تستطيع أن تفرز لن يكون هناك حل، وحتي الأمهات تغيرن فكان لديهن وعي غير عادِ حتي لو كن غير متعلمات.


 إزدياد الطلاق


* ازدادات معدلات الطلاق في الفترة الأخيرة مما ينعكس بشكل مباشر علي ارتفاع نسبة أطفال الشوارع.. ما هي أسباب ذلك من وجهة نظرك؟


بصراحة لم يعد كل منا يتحمل الآخر ثم أننا لا نؤهل أولادنا لمعني الزواج ومعني الأسرة والقدرة علي التحمل، ونحن للأسف لا نحكي لأولادنا ما هي الأزمات التي تمر بحياتنا وكيف عرفنا نتجاوزها..


فكرة العزلة والانعزال تجعل الإنسان فاقد لأشياء كثيرة.. فاقد التجربة والمعرفة والمعلومة.


فعندما تشركين ابنك في أزمتك الاقتصادية سيكبر وهو يعي ما تفعلينه وكيف تتغلبين عليها وأن هناك أزمات اقتصادية والدنيا لم تقف واستمرت الحياة. وعندما تشركين ابنتك معكِ في أزمة حدثت في العائلة وتتعلم كيف أن الطرفين تجاوزوا هذه المرحلة بقدر من المرونة حتي" تعدي المركب " وحتي تستمر الأسرة والحياة هذه مسألة مهمة جدا للأسف يعتقد أولادنا أن الزواج فسح ولحظات سعادة فقط.


* المرأة المصرية وقت اللزوم تساند الرجل والمجتمع يشركها معه في الأزمات ثم يجحف حقها  في مجتمع ذكوري يرسخ لهذا.. كيف تفسرين ذلك؟


-  نزول المرأة في الأزمات ومساندتها باختيارها وبدافع وشعور عالي من الإحساس بالمسئولية وأن المجتمع في خطر ولأنه لن يتماسك إلا بمساندتها. فشعورها نابع من الأمومة ومن إحساسها أن هذا المجتمع سينهار إذا لم تقف وتساند وهي تتنازل في المقام الأول من أجل أولادها ثم تعود وتتراجع لتؤدي الدور الحياتي المنوطة به وهو الأهم والمساند لدور الرجل.


إنما فكرة أنها تنتظر أن تعطي  حقوقها..  لا .. المرأة المصرية لديها إحساس عالِ أنه في مرحلة ما هي قادرة علي الحصول علي حقها، أحيانا للأسف المرأة التي تطبق الثقافة الذكورية هي التي تختن بنتها وتزوجها مبكرا وتحرض علي الأخذ بالتار.


*ما مفهومك للعدالة الاجتماعية والديمقراطية لأنه للأسف أصبح لدينا اختلاط للمفاهيم؟


- أول خطوة في تحقيق العدالة الاجتماعية هي تطبيق القانون علي الجميع ولكن لا يطالب العامل بمساواته بأستاذ الجامعة هذه ليست عدالة اجتماعية وإلا فأنتِ تهدرين قيمة التعليم وقيمة العمل وسنوات الخبرة..فهذه دعوات غريبة.


العدالة الاجتماعية أن أكون أنا وقرنائي في نفس المهنة ونفس الدرجة ونفس عدد السنوات متساويين.


* الشباب يري أنه يجب تغيير المفاهيم الموجودة ويتم الاعتماد عليهم في إدارة وتنمية المجتمع كيف ترين ذلك؟


-        أنا بالطبع مع الشباب قلبا وقالبا وأعشق العمل معه فهو يعطي حيوية وأفكار جديدة وكنت استمتع بالتدريس لهم  وإنما فكرة إقصاء ذوي الخبرة والاعتماد فقط علي الشباب هذا هو الخلل وليس من العدالة وإنما أنا مع خبرة الكبار مع القدرة علي الإنجاز..الشباب مع الكبار وإلا ستجنبين شريحة مهمة تتقلص قدراتها.


الكبار لديهم تراكم خبرات وقدرة علي استيعاب الآخر والتعامل معه فالسن الصغير يكون نفسيا وسيكولجيا غير مهيأ والإنسان يحتاج لتدريب وخبرة لسنوات كثيرة ومشاهدة أنماط مختلفة من البشر وتخزن هذه الخبرات لإخراجها عند مشاهدة نمط مماثل.


ولكنني مع الدعوة لتأهيل الشباب وإعطائهم الفرص كاملة علي أن يستفيدوا من خبرات الآخرين فلا يوجد مجتمع يقوم علي شريحة واحدة.


*أخيرا.. ماهي أهم قضية علي أجندة د. نسرين البغدادي الآن؟


- يجب أن نركز علي بناء الإنسان وعلي بناء الأخلاق ونستعيد قيمنا التي هدرت في الثلاث سنوات السابقة  ونبدأ فى إعادة هيبة الأم والأب والدولة والرئيس لأنه لن تستقر حياتنا إلا إذا وضع كل شيء في نصابه الصحيح.


                برواز


هي .. د نسرين إبراهيم البغدادي أستاذ علم الاجتماع في المقام الأول .. دخلت المركز بعد التخرج مباشرة وتدرجت من درجة معيد حتي أستاذ وتولت مناصبا بالمركز من رئيس قسم إلي رئيس شعبة أي عميد كلية ثم  لدرجة مدير مركز بما يعادل نائب رئيس جامعة  في 22 -2 -2012


دور المركز.. هو مؤسسة علمية مستقلة ترصد الظواهر الاجتماعية بغرض الخروج بحلول وإعانة صانع القرار علي اتخاذ القرار الصحيح وترشيده.