عن ونوس عبدالرحيم كمال فىغزوة قاهرية متفردة!

22/06/2016 - 9:38:04

  عبد الرحيم كمال ويحى الفخرانى بروفة قراأة عبد الرحيم كمال ويحى الفخرانى بروفة قراأة

بقلم - أحمد النجمى

فى «الصعيد الجوانى»، كنوز من الحكايات.. التى يمتزج فيها الواقع بالخيال، بعضها يحكى للأطفال، وبعضها يتداوله الكبار، دعك من «السيرة الهلالية» التى تعد النص الرئيسى لأهل الصعيد.. تلك قصة أخرى، إنما نقصد أن الصعيد الأعلى - الذى يبدأ من أسيوط شمالًا إلى أسوان جنوبًا - والذى تتناثر فيه الحكايات، التى تمزج عالم البشر بعالم الجن، ويلتقى فيها الإنسان بالشيطان لقاء وجه لوجه، وينتصر فيها الإنسان.. وقد لا ينتصر، تتنوع فيه تلك القصص، حسب الإقليم.. الحكايات القنائية مثلًا - التى يتداولها أهل قنا - غير تلك السوهاجية، أو الأسيوطية، أو الأقصرية.. على هذا الكنز ينشأ الصعيدى المتعلم وغير المتعلم سواء بسواء، من هنا.. وإذا كان لدى «الصعيدى الجوانى» موهبة فنية انطلقت هذه الحكايات (تزغرد) فى إنتاجه الفنى أو الأدبى، مثلما زغردت السيرة الهلالية فى شعر الأبنودى - السيرة بصورتها الكاملة الأصلية، وكذلك شذرات منها تناثرت فى شعره الرائع - أو مثلما زغردت حكايات الإنسان والشيطان فى مسلسلات السيناريست السوهاجى شديد التميز «عبدالرحيم كمال» وآخرها هذا السيناريو الفذ (ونوس) الذى يعرض هذه الأيام.


لا يمكن فهم (ونوس) فهمًا حقيقيًا دون أن يستوعب من يحاول هذا الفهم، تلك الجذور الصعيدية لكاتب المسلسل «عبدالرحيم كمال».. المولود فى (العيسوية شرق) بسوهاج، صحيح أن أحداث المسلسل تدور فى قلب (القاهرة) وأبطاله جميعهم قاهريون، لكن الأصول الصعيدية للفكرة أصيلة فى النص الرائع الذى بين أيدينا وأمام عيوننا.. فمن هذه الأصول ينطلق الكاتب باحثًا عن مكمن (الشر) فى النفس الإنسانية، وفكرة الصراع بينه وبين الخير، وهى فكرة درامية قديمة جدًا، بل هى الفكرة الأولى فى الدراما منذ العصور اليونانية القديمة قبل أكثر من ألفى سنة.. لكن عبدالرحيم كمال يدير هذا الصراع وفق معطيات الدراما فى ٢٠١٦.. إذ تمضى جولات الصراع مفتوحة، ينتصر الخير فى بعضها فيبدو الشر هو المنتصر، وينتصر الشر فى بعضها الآخر فإذا بالخير فى صدارة المشهد.


«عبدالرحيم كمال» الكاتب البارع فى فن السيناريو.. والقاص الذى لا يعرف مشاهدوه أنه قد سبق له إصدار مجموعتين قصصيتين، هو مثقف من طراز رفيع، مزج الموروث الصعيدى عن صراع الخير والشر، بحصيلته الكبيرة من القراءة الفنية.. إذ لا يمكن فصل (ونوس) عن فكرة (فاوست) للكاتب والشاعر والفيلسوف الألمانى الأشهر “يوهان جوته”، وقد أمسك بهذا الخيط بعض النقاد، لكن الغريب أنهم لم يلتفتوا إلى (خيطين) آخرين شديدى الأهمية فى مسلسل (ونوس): (أولاد حارتنا) لنجيب محفوظ، و(الخيط الصعيدى) فى التكوين الثقافى لعبد الرحيم كمال ذاته..!


نعم.. (ونوس) هو خلاصة (عصائر) متباينة ثقافيًا، متطابقة فى الفكرة.. حول الصراع الأزلى الأبدى بين فكرتى الخير والشر: العصير الألمانى (فاوست لجوته) والمصرى القاهرى بمذاق نهايات الخمسينيات (أولاد حارتنا لشيخ الرواية العربية نجيب محفوظ) والقاهرى ذى الأصول الصعيدية بمذاق القرن الواحد والعشرين.. وهو عصير أفكار عبدالرحيم كمال نفسه.. وما أدهشنى حقًا، هو قدرة (كمال) على خلط هذه العصائر معًا، لتخرج فى صورة مزيج شديد التماسك، ودراما رفيعة المستوى تحمل اسم (ونوس).


فأما الرافد الألمانى (فاوست) فهو نص مسرحى لجوته، الرجل الذى صار علمًا على الثقافة الألمانية المعاصرة، هذا النص المسرحى كتبه (جوته) فى جزءين.. الأول فى العام ١٨٠٦، والثانى فى ١٨٣٢ (بينهما ما يقرب من ٣٠عامًا وهى حالة استثنائية فى الإبداع بالأساس..)، وجوته حين كتب هذا النص المسرحى الأشهر استوحاه من قصة شعبية ألمانية كانت متداولة فى الأدب الشفاهى الألمانى، عن الدكتور (فاوست) الذى يبرم عقدًا مع الشيطان (مفستوفيليس)، ليحقق به المستحيل.. وهكذا ينسلخ فاوست عن الطبيعة البشرية المعتادة التى ترفض الشيطان وإن كانت تتبع خطواته كثيرًا..! إنها نفس الحالة بين الشيطان ونوس (يحيى الفخرانى فى المسلسل) وبين ياقوت (نبيل الحلفاوى) رمز الإنسان الذى يحاول مقاومة الشيطان.


لكن فاوست لا يتمرد على مفستوفيليس إلا فى النهاية، أما فى (أولاد حارتنا) لنجيب محفوظ.. فإن إبليس (إدريس) فى حالة حرب مع آدم (أدهم) منذ البداية.. هذا لو سلمنا بأن نجيب محفوظ قد قصد فى عمله الملحمى هذا كتابة عمل مستوحى من سيرة الأنبياء.. وهذا هو نفس اختيار عبدالرحيم كمال فى نصه، فالصراع بين ونوس وياقوت قائم من اللحظة الأولى للأحداث.. وليس فى اللحظات الأخيرة، الصراع هنا تسيطر عليه فكرة الإغواء المادى: بالمال، والجنس، والقوة، والمعرفة الخارقة للعادة.. تلك هى الأمور التى يعرضها (ونوس) على عائلة (ياقوت)، هذا الذى فر من دنياه الصاخبة المتداعية المليئة بالجريمة والتى عاشها سنوات طويلة مع ونوس ثم تمرد عليها.


هكذا اختار عبدالرحيم كمال طريقًا ثالثًا مزج فيه خلاصة (فاوست) مع خلاصة (أولاد حارتنا)، ليخرج بمعالجة ثالثة لا تخلو من أفكار صعيدية: الثأر الدائم بين ونوس وياقوت، فكرة سكن ونوس فى مدينة للملاهى (وهمية) فى مكان على أطراف المدينة، فكرة قدرته الخارقة على تسيير الأمور وتغيير الواقع عبر الوهم.. وجميعها متناثر فى التراث الصعيدى القصصى.. لكن المغامرة الحقيقية لعبدالرحيم كمال أنه صنعها فى قلب القاهرة، وهو الرجل الصعيدى الجوانى.. ليخرج من عباءة الدراما الصعيدية التى أبدع فيها (الرحايا) لنور الشريف و(شيخ العرب همام) ليحيى الفخرانى من قبل، وهو (خروج حاسم)، فقد سبق لعبدالرحيم كمال أن خرج من العباءة الصعيدية فى (الخواجة عبدالقادر) لكنه لم يكن خروجًا كاملًا.. هذه المرة، يصنع كمال سيناريو دراميًا طويلًا من قلب القاهرة بفكرة (ألمانية، قاهرية، صعيدية) فى مزيج مدهش..! وهو ما ننتظره منه فى السينما أيضًا (صنع كمال من قبل فيلم «على جنب ياأسطى» لأشرف عبدالباقى قبل قرابة العشر سنوات، لكنه لم يترك علامة حقيقية، وكانت أحداثه قاهرية أيضًا)!


لكن.. ماذا يريد عبدالرحيم كمال أن يقول فى دراما «ونوس»؟


إنه لا يريد - قطعًا - مجرد الحديث عن الصراع بين الخير والشر، فثمة آلاف من الأعمال الفنية المصرية والعربية القديمة والحديثة تناولت هذا الصراع الدرامى التقليدى.. إنه يريد قول شىء آخر..!


الدراما التليفزيونية - بالضرورة - لابد أن تقول شيئًا أو تحمل مضمونًا للمشاهدين، وهو ما لا يشترط وقوعه فى الأعمال السينمائية، وإذا اتبعنا هذا المبدأ الفنى نصل إلى أن عبدالرحيم كمال، يريد تنبيه المشاهد (المجتمع) إلى ما يحدث حوله الآن، ويمر مرور الكرام.. الدعاة الذين يظهرون على الشاشات فجأة بلا مقدمات ويلمعون، وهولاء الذين يزعمون اتصالهم بالعالم الآخر، شهوة الجنس التى تجتاح المجتمع من مصادر جديدة دون أية خلفيات أخلاقية متعارف عليها، الفن الذى يتم اغتياله بالغناء فى الملاهى الليلية، المال الذى يقلب علاقة الابن بأبيه إلى علاقة خصومة بل عداء واعتداء جسدى، براءة التصوف وقلة حيلته فى مواجهة الشرور المتفشية حولنا.. كل هذه الأفكار تحيط بنا يوميًا، ونلقى بها على (ونوس)، الذى يمكن رفض جميع عروضه، أو جميع وساوسه وهمزاته..! ما يحيط بنا أخطر من فكرة (الشيطان) الكلاسيكية..!


يتبقى القول بأن (ونوس) - فنيًا - عمل متكامل، وأن (شادى الفخرانى) صار مخرجًا شديد التمكن، وأن يحيى الفخرانى يقدم لنا درة جديدة من درره الفنية الكثيرة، وأن نبيل الحلفاوى يعود فى أبهى صورة ومضمون إلى الشاشة كممثل فذ، وأن (حنان مطاوع) تقدم نفسها فى صورة جديدة وتتحدى ذاتها فى هذا الدور.. جميع عناصر هذا العمل من الناحية الفنية مكتملة، والجميع يقدم أفضل ما لديه، من كافة أجيال العمل الفنى.


“ونوس” - إلى جانب مسلسلات قليلة لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة - هو أحد الأعمال التى تدخل سريعًا فى كلاسيكيات الدراما المصرية عن جدارة.. والتى يصل بها كاتبها «عبدالرحيم كمال» إلى مرحلة ( مابعد الجودة)، إنها مرحلة (التفرد) فى الكتابة..!