فاطمة وعلى

22/06/2016 - 9:28:58

أحمد سعدة

 


فى الحلقة السابقة من اعترافات نص الليل حدثتكم عن إحدى سيدات بيت النبوة، وهى السيدة رقية بنت الرسول عليه السلام..


وقد وردتني عقب هذه الحلقة رسائل كثيرة عبر البريد الإلكتروني تطالبني بتخصيص عدة حلقات أخرى مشابهة وخصوصا أننا في شهر رمضان الكريم .. وعليه فقد قررت أن تكون قصتنا اليوم عن سيدة أخرى طالما كانت لها مكانة كبرى في حياة الرسول الكريم عليه السلام..


قصتنا اليوم عن أقرب بنات الرسول لقلبه..


أدركت أن أباها عاش يتيمًا بلا أب ولا أم، فأشفقت عليه .. ثلاث سنوات وقريش تحاصر الرسول وشعب بني طالب، فلا طعام يصل إليهم إلا سرا .. وقد كانت تلك السنوات أوقاتا عصيبة جدا في حياة الرسول وصحابته، واضطروا لأكل الأوراق والجلود .. لكنها ظلت تسانده وترفع من معنوياته، وتتحمل معه حياة الفقر صابرة ومرابطة..


وتخرج من محنة الحصار، إلى محنة وفاة أمها خديجة لتمتلئ نفسها بالحزن والألم، وتجد نفسها أمام مسئوليات ضخمة نحو أبيها، الذي يمر بظروف قاسية وحزن عظيم بعد وفاة زوجته وعمه أبي طالب..


لكنها تحاملت على نفسها بصبر، وعوضت أباها عن زوجته وقدمت له الرعاية .. وكانت تضمِّد له جراحه بعد الغزوات، وأغدقت عليه من عطفها ورحمتها ومحبتها، فسماها الرسول «أم أبيها “..


دفن الرسول بيده كل أولاده وبناته إلا هيّ .. دفن القاسم، عبدالله، إبراهيم، رقية، زينب، وأم كلثوم .. وكان لهذا أثر في رقة قلبه، وخروجه للصحراء والتواصل في صمت مع الله عبر الطبيعة والجبال..


كل فتيات القبيلة يتزوجن في سن مبكرة بمجرد البلوغ، لكنها تزوجت بعد العشرين من علي بن أبي طالب الذي لم يكن يملك وقتها شيئًا يقدمه لها سوى درع كان الرسول قد أعطاه إياه..


وكانت كلما دخلت على الرسول وسط مجالس الرجال وقف لها وحياها، وأفسح لها بجواره، وقبَّلها بين عينيها .. وحينما تغادر ينهض من مجلسه ويتولى مسئولية توصيلها لبيت زوجها..


ولما قرر علي بن أبي طالب أن يتزوج عليها، غضبت وعادت لأبيها تبكي، فلم يتحمل الرسول حزنها وغلبته مشاعر الأبوة وصعد المنبر وقال: «لو أراد علي بن أبي طالب أن يتزوج على ابنتي فليطلقها أولا..»


لم يخشَ الرسول من لوم وعتاب القوم على هذا الموقف، فكان واضحًا معهم وقال لهم: «هي بضعة مني، يريبني ما رابها، ويُؤذيني ما آذاها» .. إنه الإنسان والأب، قبل أن يكون الرسول..


وحينما كان على فراش الموت، ودخلت عليه لم يستطع القيام لها والسلام عليها وتقبيلها كما اعتاد، ففاضت دموعها على وجهها الرقيق، واحتضنته بجسدها النحيل..


ومات الرسول .. وبكت هيّ وقالت لأهلها: «يا أنس كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله التراب.. وبكى المسلمون جميعا نبيهم ورسولهم..»


مات الرسول ولم يدفنها كما دفن كل أولاده وبناته .. مات وهو يشتاق إليها .. لكنها لم تتحمل فراقه، ولم تقدر على البقاء في هذه الدنيا بدونه، ولحقت به بعد شهور قليلة .. وكأنه ناداها شوقا فلبت النداء..


فاطمة الزهراء .. الحوراء الآدمية .. ماتت في التاسعة والعشرين من عمرها..


أكتب إليكم هذه القصة ولا تزال دموعي دافئة كأنها لم تخرج من عيني، فدموعي أقل ما أبذله من أجلك يا أم الحسن والحسين، وجدة زين العابدين .. ويا بنت رسول الله..


سلام عليكِ يا فاطمة ماعاد عيد واخضر عود وولد مولود .. وسلام عليكِ ماشرقت شمس وتكرر أمس .. والسلام عليكِ في الخالدين، والحمد لله رب العالمين..