لا.. للحبس الانفرادى

22/06/2016 - 9:26:37

  الناشط الحقوقى والمحامى مالك عادل المحبوس إنفراديا الناشط الحقوقى والمحامى مالك عادل المحبوس إنفراديا

بقلم - نجوان عبد اللطيف

«أنا بقالي ٤٠ يوم مبشوفش الشمس غير وأنا جاي جلسة التجديد.. أنا ما فيش حتة في جسمي سليمة من النوم على الأرض.. أنا مبعرفش أنام غير ٣ ساعات بالكتير كل يوم، وكلها كوابيس، وكل ما بفتكر إني لو حصلي حاجة محدش هيلحقني معرفش أنام”.
«أنا طلبت من إدارة السجن تشيل كل العلاج اللي قدامي؛ علشان مَنْتحرش، أنا ممكن بسهولة جدا أعمل ده، فقولولي إنتوا عاوزين مني إيه؟ أقطع شراييني وأنتحر؟ أنا مش لاقي حد أكلمه غيرك دلوقتي، وأنا مبقتش أستحمل، ومش بقول الكلام ده علشان مش عاوز أتحبس، لا، أنا بقول لحضرتك أنا عاوز أتحبس، وكل اللي عاوزه إني أتعامل في السجن وفقا للقانون ولائحة السجون»


تلك هى كلمات المحامى والناشط الحقوقى مالك عدلى أثناء نظر تجديد حبسه احتياطياً قبل أيام على ذمة قضية التحريض على التظاهر فى ٢٥ إبريل ضد اتفاقية تيران وصنافير وقال عدلي في كلماته التي نقلتها صفحة «مالك عدلي حر» في « فيسبوك»: «أنا مش عاوز أخرج، وعاوز أتحبس، وده تمن أنا عارف إني بدفعه.. أنا عاوز أتعامل زي أي سجين.. أنا بتعامل أسوأ معاملة وكأني جاسوس إسرائيلي.


مالك عدلى ألقى القبض عليه أوائل شهر مايو الماضى، ومنذ اللحظة الأولى لاعتقاله وهو محبوس انفرادياً وممنوع حتى من التريض خارج الزنزانة.


مالك عدلى ليس الوحيد المحبوس انفرادياً، هناك الكثيرون من المحبوسين على ذمة قضايا سياسية معزولون انفرادياُ فى ظروف بالغة السوء أطلق عليها المسجونون مقابر ما قبل الموت، ورغم أن السجن الانفرادى هو فى الأصل تم تشريعه للعقاب على فعل قام به السجين داخل محبسه، إلا أن الداخلية تستخدمه كوسيلة للتكدير للنشطاء منذ اللحظة الولى لاعتقالهم مثلما يحدث مع مالك عدلى.


عدد من الحقوقيين والسياسيين والناشطين وأقارب المحبوسين قرروا منذ أيام تدشين حملة بعنوان «لا للحبس الانفرادى» فى محاولة لوقف استخدامه كأداة تعذيب ضد متهمين سياسيين لم يرتكبوا جرائم قتل ولا عنف ضد أشخاص أو مؤسسات.


ولكن ماهو الحبس الانفرادى؟


كما يصفه الذين مروا بتلك التجربة المريرة، هو حجرة مظلمة ضيقة للغاية مساحتها فى الغالب من مترين ونصف المتر إلى ٤أمتار، بعضها ليس به منفذ للتهوية سوى فتحة صغيرة فى الباب يطلقون عليها النظارة من فرط صغرها (١٠سنتيمترات فى١٠ آخرين)، حوائطها أسمنتية لم تلمسها فرشة نقاش يوما وأرضها مثل حوائطها، ليصبح السجين محاطا باللون الرمادى القاتم أينما ولى وجهه، أغلبها ليس بداخله حمام يوجد جردل لقضاء الحاجة وآخر للمياه النظيفة، وبالطبع رائحتها كريهة، وفى الغالب ليس هناك أسرة بل ولا حتى مراتب، بل مجرد بطاطين صوف خشن رمادية اللون أيضاً المعروفة بقبحها، وهذا بالضبط حال زنزانة مالك عدلى حيث رفض المسئولون سابقاُ حتى إدخال أغطية قطنية تحجب عنه سخونة هذه البطاطين الكئيبة.


يقول ممدوح جمال أحد السجناء انفراديا سابقا: «ممنوع تقعد أو تقف ورا الباب أو أن حد يسمع ليك صوت أو أنك تكلم حد.. وده عقابه زيادة مدة الحبس الانفرادي.. خروجك بيكون دقيقتين لغسيل الجردل، وبيتقفل عليك تاني، ولو تعبت الدكتور بيعدي خمس دقايق أول اليوم، غير كده مش مسموح لك بالتعب»


والأكل مجرد رغيف عيش وجبنة لطول اليوم وزجاجة مياه تتملى كل ٦ ساعات.


قال محمود محمد، والمعروف بمعتقل التيشرت والذى خرج مؤخرا: إن «الحبس الانفرادي موجع وصعب إحساسه والأيام مش بتفوت، وقت الإحساس بالتعب والوجع مش بتلاقي غير الحيطان تكلمها.


وكانت حملة “الحرية للجدعان وكاذبون” أطلقت يوم ٩ يونيه الماضي دعوة عبر صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك” هاشتاج تحت عنوان “لا للحبس الانفرادي” من أجل التعريف بالأوضاع غير الإنسانية التى يتعرض لها السجناء السياسيون داخل الحبس الانفرادي نفسيًا وبدنيًا. ونشر عدد من أهالي المعتقلين شهاداتهم حول الحبس الانفرادى لذويهم والانتهاكات التي يتعرضون لها، وكشفت أسماء على زوجة مالك عدلى عن معاناة مالك في الحبس الانفرادي.


وقالت أسماء بصفحتها على فيس بوك فور رؤيتها لزوجها قبل مثوله للتحقيق: إن مالك في بداية التجديد أثبت وجوده في زنزانة انفرادي وعدم السماح بخروجه أبدا لرؤية الشمس أو الخروج من الزنزانة أصلا ولا بيتكلم مع حد أو أي شخص الكلام معه وبيشرب مياه ملوثة وغير مسموح له بالزيارة قبل التجديد..وفضل بنفس الملابس ال١٣ يوم الأولى، ولم يسمح له حتي بسرير ولو علي حسابه وفقا للائحة الجديدة بالسجن ودايما الرد أنه «احنا مستنيين التعليمات»


رنوة يوسف، زوجة الصحفى المعتقل يوسف شعبان،الذى قضى أكثر من سنة و٣ شهور فى الحبس الانفرادى تنفيذا لحكم قضية قسم الرمل أيام حكم مرسى روت شهادتها حول الحبس الانفرادي وقالت إن «الحبس الانفراي نوع من أنواع التعذيب.. يوسف ممنوع انه يتكلم مع حد، ولو حصل بالصدفة وحد فى السجن عرفه وسلم عليه بيتكدر وبيتقاله متتكلمش مع ده بالذات.


أما أحمد دومة المحكوم عليه بالسجن ومحبوس من حوالى ٣ سنوات تقول زوجته نورهان حفظى،: «أعيادنا وإجازاتنا بتعدي عالمحابيس عذاب ومرار، بيتقفل عليهم طول مدة الإجازة الرسمية وبيتمنعوا من الخروج حتى للتريض.. تخيل لو كمان محبوس انفرادي لوحدك، أنت مطالب تكلم نفسك طول مدة الإجازة يوم أو يومين أو ثلاثة ومطالب تكلم نفسك ٢٢ ساعة في اليوم، ولك ساعتان تكلم فيهم المخبرين لحد معاد الزيارة كل ١٥ يوما، في الزيارة هتتكلم مع أهلك ساعة وترجع تاني لنفس السيناريو.


هل الحبس الانفرادى قانونى؟ سألت مختار منير محامى مالك عدلى قال: الحبس الانفرادى عقاب لمن يخالف من المحابيس لوائح مصلحة السجون حال قيامهم بأى أعمال شغب أو عنف داخل السجن، وتتراوح المدة حسب قرار مأمور السجن.. وأقصاها شهر بناء على التعديل الجديد لقانون تنظيم السجون الصادر فى ٢٠١٥ بعد أن كانت أسبوعا بنص قانون تنظيم السجون رقم ٣٩٦ لسنه ١٩٥٦، ويكون الحبس في  زنزانة انفرادي ٢٢ ساعة وساعتين تريض مع الآخرين، ومن شروطه أيضا أن توقع العقوبة بعد إعلان المسجون بالفعل المنسوب إليه وسماع أقواله وتحقيق دفاعه، ويكون قرار مدير السجن أو مأموره بتوقيع العقوبة نهائيا، كما أن طبيب السجن ملزم بزيارة المحبوس انفراديا مرة على الأقل يوميا.


والثابت أن مالك عدلى والصحفى يوسف شعبان وإسلام سلامة وغيرهم تم حبسهم انفرادياً من اللحظة الأولى دون أى مخالفة ارتكبوها ضد لوائح السجون، ومن ثم فهم يعاقبون بلا سبب، وهذا انتهاك للقانون، ويقضون فترة أكثر من شهر وهو الحد الأقصى للحبس انفرادياً تصل إلى سنوات، ومن ثم يعتبر سجنهم انفرادياً جريمة تعذيب طبقاً للقوانين الدولية، الأمر الثانى بالنسبة لمالك عدلى أنه رهن الحبس الاحتياطى فهو برىء حتى تثبت إدانته، ولهذا فالنصوص تعطى وضعاً استثنائياً للمحبوس احتياطياَ مثل زيادة عدد الزيارات ، ومن حقه أن يؤجر زنزانة، ويشترى مايريد من طعام وشراب على نفقته الخاصة، حيث ينظر له كضيف خفيف من المحتمل أن يكون بريئاً، والحبس الانفرادى هو تشديد لعقوبة الحبس التى لم يحكم بها بعد.


مما تقدم – الكلام ما زال للمحامى مختار منير ــ الحبس الانفرادى لمالك عدلى وأحمد دومة ويوسف شعبان وأحمد ماهر وغيرهم كثر ..مخالف للقانون


ومن الناحية الدولية بروتوكول اسطنبول للأمم المتحدة ٢٠٠٤ يؤكد أن الحبس الإنفرادى أكثر من ٣٠ يوما أياً كان السبب يعد جريمة تعذيب، ولا يجوز قبولها إنسانياً، كما أصدرت الأمم المتحدة تقريراً فى عام ٢٠١١ يؤكد ذات المعنى . وكان الطبيب الأمريكى«ستيوارت جرايشون» ـ هارفارد، قد بحث في أوضاع سجناء «الانفرادي» بأمريكا لتحديد الأثر النفسي له، ووجد أن ثلث العينة الخاضعة للدراسة أصيبت بأعراض ذهنية، مثل ضلالات وهلاوس، ووصلت حالة البعض لدرجة الإقبال على الانتحار.


أسأل.. ولمن يلجأ المسجون المظلوم؟


يجيب مختار منير يمكن للمتضرر الشكوى على مستويين الأول وزارة الداخلية والمجلس القومى لحقوق الإنسان والمستوى الثانى هو النيابة فالقانون أعطى للنائب العام ووكلائه حق الولاية على المتهم، وبالنسبة لمالك عدلى تقدمت بشكوى لنيابة جنوب بنها الكلية ونيابة المعادى الجزئية بأن مالك محبوس انفرادياً من اللحظة الأولى دون أن يخالف لوائح السجون وأنه محروم كلية من التريض، مما تسبب فى مشاكل فى ركبتيه ورجليه، ومشاكل فى التنفس نتيجة سوء التهوية، وحرمانه من سرير للنوم، وأن منعه التواصل مع العالم الخارجى يتسبب فى مشاكل نفسية، وأن هذا يعد تعذيباً بدنياً ونفسياً برغم أنه مجرد محبوس احتياطياً. ومع ذلك لم تتحرك النيابتان تجاه هذه البلاغات ولم تحقق فيها، لماذا يحدث كل هذا لمالك ودومة ويوسف شعبان ... لماذا أساساً يقبض على مالك وهيثم محمدين ومحمود هشام وعلى ميكى والكثير من الشباب فى السجون وجهت إليهم تهم محاولة قلب نظام الحكم، ومنع رئيس الجمهورية من أداء عمله ونشر بيانات وأخبار كاذبة تهدد السلم العام، والتحريض على التظاهر ضد اتفاقية تيران وصنافير فى ٢٥ إبريل الماضى، تلك المظاهرة التى لم تحدث ، كل هذا التكدير والتعذيب لا لشيء إلا أنهم قالوا إن تيران وصنافير مصرية !


مرة أخرى لماذا لا تحترم مؤسسات الدولة القانون ، وهى تتحدث دائماًعن دولة القانون، لماذا تتعامل الداخلية مع ثوار يناير بمنهجية فى الانتقام والتعذيب !؟إلى حد الحبس الانفرادى دون وجه حق بل ومنع ساعات التريض عن مالك وحتى السماح بالتريض ليوسف شعبان ودومة يتم بمعزل عن الآخرين, الحبس الانفرادى جريمة تعذيب يجب أن تتوقف، على حد قول مختار منير» من القسوة أن تكون حياة إنسان مرهونة بشخص واحد معه مفتاح الزنزانة».


لا للحبس الانفرادى