محافظ بلا صلاحيات

22/06/2016 - 9:20:33

  أحمد أيوب أحمد أيوب

بقلم: أحمد أيوب

فى بلدنا المظلومة منصب بلا قيمة ولا صلاحيات ولا فائدة اسمه المحافظ، اسم فعلا على غير مسمى، فبعيدا عن الأبهة والمنظرة التى يظهر بها المحافظ، فالحقيقة المرة أن القانون لا يعطيه أى صلاحيات أو سلطات سوى أنه مسئول عن تنفيذ التعليمات والخطط التى تأتى إليه ديلفرى جاهزة من العاصمة، فالمحافظ قانونا مجرد مسئول كل مهمته نقل تعليمات أو تنفيذ أوامر مركزية أو مفوض من الوزير بما يجود به من سلطات غالبا ما تكون هامشية ولا قيمة لها، حتى عندما أعطاه قانون الإدارة المحلية مهمة اتخاذ التدابير التى يراها لتوطيد الأمن العام بالمحافظة قيده بأن يكون هذا وفقا لتعليمات وزير الداخلية


والواقع الفعلى يقول أن من يتخذ هذه التدابير هو مدير الأمن، المحافظ ليس سوى متفرج عليها مثله مثل أى مواطن آخر وإن كان مدير الأمن متعاونا فقد يضعه فى الصورة من باب كرم الأخلاق والأدب والعلم بالشىء فقط، وغالبا لا يكون من حق المحافظ أن يعرف كل شىء عن الأمن، بل حتى قيادات الوزارات المختلفة بالمحافظة بما فيها الوزارات الخدمية لا سلطان للمحافظ عليهم، فهو لا يملك فرض تعليمات عليهم ولا حتى محاسبتهم إلا إذا كانت علاقته طيبة مع الوزير المختص، لكن غير ذلك فوكلاء الوزارة أوامرهم وتعليماتهم ومحاسبتهم ومتابعة أعمالهم مركزية من الوزير مباشرة، وعادة ما يفاجأ المحافظون بعد فرحة التعيين بتلك المصيبة وأنهم لا دور حقيقى لهم فى المحافظة سوى الأمور البروتوكولية، فينتهى بهم الأمر بعد قليل من الضيق إلى الرضاء بالوضع والتعايش معه والعمل فى حدود ما هو مطلوب منهم، وإن حاولوا تعويض هذا النقص ببعض الأنشطة التى لا تغير من الوضع شيئا مثل الجولات الميدانية واللف فى الشوارع واللقاءات الجماهيرية.


وعندما يظهر كل فترة محافظ له شخصية ومن نوعية أصحاب القرار ويحاول أن ينتزع صلاحيات ويتحرك بشكل حقيقى على أمل أن يفعل شيئا فغالبا ما تكون نهايته أن يغادر بدرى بدرى، أن لم تكن المغادرة لمنصبه على يد الوزراء الذين يعتبرون الصلاحيات ميراثا خاصا لا يفرطون فيه، فعلى يد أهل الفساد فى المحافظة الذين يعرفون دهاليز العمل ولديهم القدرة على قتل المبدعين ووأد الأفكار فى المهد وإغراق المحافظ فى بئر الفشل وربما تلبيسه قضية فساد، فمنذ سنوات حاول أحد المحافظين أن يواجه الموظفين البلطجية بحزم ولسان طويل يردعهم فكان جزاؤه أن غادر المحافظة ولم ينقذه من الإقالة سوى أنه كان من رجال الرئيس وقتها، ومحافظ آخر نزل إلى الشارع ليضبطه مروريا وقرر أن يتفقد الأحوال الأمنية فى نطاق محافظته فترك موقعه وعاد إلى بيته، وقبلها أحد المحافظين جاء إلى منصبه بعد أن كان مديرا لأمن العاصمة وعندما وجد أن اعتداءات الكبار فى المحافظة على أراضى الدولة زادت عن الحد وأن موظفى المحليات يخشون من تنفيذ قرارات الإزالة للتعديات حتى لا يتعرضوا للانتقام، اندفع المحافظ بشجاعة وقاد بنفسه بلدوزر الإزالة، لكنه لم يكمل وجاءته الأوامر بالتوقف وقبل أن يفيق من الصدمة كانت حركة المحافظين ليغادر.


الغريب أن هذا المنصب على قلة فائدته بوضعه الحالى يكلف الدولة مليارات ما بين مكاتب وسيارات وسكرتارية ومخصصات، وفى الغالب المحافظ يقضى السنة ويغادر ليأتى غيره ويحصل على فرصته فى التكريم وبنفس الوعود وبنفس العجز والفشل وسيناريو الرحيل.


الطبيعى لو أردنا إصلاح الأحوال أن يكون هذا المنصب أهم ألف مرة من الوزير، وأن يكون المحافظ له صلاحيات حقيقية، ليصبح هو الذى يدير عملية التخطيط والتنمية فى محافظته، برؤية وفكر، وحسن إدارة لموارد محافظته، وحشد الجهود الشعبية والمدنية من أجل تنفيذ رؤيته، لكن كل هذا غير موجود فى مصر.


نحن نحتاج بوضوح شديد لتفعيل هذا المنصب وأن يكون اسما على مسمى، محافظ يعنى مسئولا له سلطات، وليس مجرد تفويضات لا قيمة لها، فالمحافظ لابد أن يكون هو صاحب القرار فى محافظته، هو رئيس الوزراء الفعلى فيها، يتحول من منفذ ومتلقى إلى فاعل وصاحب مبادرات.


أعلم أن الدستور نص على أن يكون المحافظ بالانتخاب ولا أعتقد أن هذا سيحل المشكلة أو سيفعل دور المحافظ بل سيحوله من مسئول لتنفيذ التعليمات إلى رجل يبحث عن التوازنات، وليتنا نراجع حكاية الانتخاب أصلا لأنها ستزيد الطين بلة.


الحل فى قانون يصدر بصلاحيات ومسئوليات كاملة لهذا المنصب، وفى الوقت نفسه أسلوب رقابة ومحاسبة سواء أمام المجالس المحلية أو حتى أمام مجلس النواب، فأنا شخصيا لا أرى مبررا لأن ينوب وزير التنمية المحلية عن المحافظ أمام البرلمان، فالمحافظ هو الذى يجب أن يدافع عن نفسه لأنه ليس قاصرا ولا ناقص أهلية.


وفى الوقت نفسه لابد أن يحدد القانون معايير واضحة لمن يعين محافظا حتى يخرج هذا المنصب من لعبة المجاملات والتكريمات إلى منطقة البحث عن الأكفأ، فالقضية ليست كون المحافظ لواء أو مستشارا أو أستاذ جامعة، وإنما الأهم هى رؤيته وإمكانياته وقدرته على إدارة المحافظة بمفهوم تنموى.