شالوا الدو حطوا شاهين..!

22/06/2016 - 8:53:05

  حمدى رزق حمدى رزق

بقلم - حمدى رزق

وهل القضية فى المؤسسات الصحفية القومية تغيير رؤساء مجالس الإدارات ورؤساء التحرير، وهل القضية تغيير الأسماء، وكلهم حاليون وطامحون مقدرون؟.. ومن حق الجميع ممن تتوفر فيهم المقدرة والموهبة والقيادة أن يطمح إلى المقعد الكبير.. طموحا مشروعا. 


اختصار القضية فى «شالوا الدو حطوا شاهين»،  اختصار مخل للأزمة الخانقة التى تكاد تطبق على أنفاس الصحافة القومية وتكاد تكلفها حق البقاء والإصدار، وتاريخ تليد فى الذود عن الاستحقاقات الوطنية فى التزام كامل بالثوابت الوطنية، وهذا كلفها الكثير ولايزال من القوت اليومى لشبابها الذين يترحمون على ماضٍ، لا يستحقه حاضر، ولا يذهب به إلى مستقبل واعد.


أسهل القرارات تغيير الرئاسات، على طريقة، شالوا الدو حطوا شاهين قالوا الاتنين مهماش فرقين، كم تغيرت رئاسات، ذهبت أسماء وتبدلت وجوه وبقت الصحافة القومية على حالها البائس، صحافة فقيرة تتسول الرواتب الشهرية، وتعجز عن سداد الالتزامات الموسمية، وتتعثر فى تدبير المستلزمات الطباعية، ومع نضوب الإعلانات، وتدنى أرقام التوزيع، وتوقف خطوط الإنتاج، تتراجع القهقرى مؤشراتها الاقتصادية.


أرجو أن يكون معلوما لمتخذى القرار، الصحافة القومية على أجهزة التنفس الصناعى منذ سنوات، دخلت غيبوبة «كومة» بعد ثورة يناير مباشرة، قبلها كانت تعانى لغطا، ولولا حرص الحكومات المتعاقبة، وحكومة المهندس شريف إسماعيل ليست استثناء،  على توفير الرواتب شهراً بعد شهر لخرجت المؤسسات جميعا من سوق النشر، ولاختفت مانشيتاتها من على الأرصفة!!.


كيف تستمر هذه المؤسسات والاختلالات الهيكلية تمسك بخناقها، كالأغلال بأعناقها، والإفلاس يدق أبوابها، والصراعات الجيلية تعصف ببنيتها التحتية، مطابع شبه متوقفة، وإصدارات تصدر إلى سوق يعطيها ظهره، وشركات إعلانية لا تتحنن عليها إلا فى المواسم والأعياد والأعداد الخاصة، وليس فى ظهرها رجال أعمال، ولا تمسح بلاط رجال الأعمال، تقف فى الصف الوطنى وهذا غير مربح بالكلية، لا يدر عائداً ولا يقيم أودا، يكلفها كثيراً ولا يحقق مكاسب، بل الخسائر صارت عنواناً عريضاً لأزمة هذه المؤسسات.


التلهى بإصدار قوانين تستهدف تغيير الرئاسات.. لغرض فى نفس البعض، وفقا لتيارات وصراعات فوقية، عبث فى محل جد، أوفق لهذه المؤسسات أن يتوقف ولاة الأمور أمام أزمتها المالية بحثاً عن حلول خارج الصندوق، هذه المؤسسات على شفا جرف هار، تكاد تسقط فى بئر ما لها قرار.


 ماذا تفعل الرئاسات الحالية فى اختلالات هيكلية وتمويلية مستعصية على الحلول التقليدية، لو أتيتم لها بجهابذة الصحافة والإدارة ما أقالوها من عثرتها، ماذا تفعل هذه الرئاسات فى مجمع مديونيات تجاوز فى تقديراته المالية أصول هذه المؤسسات القديمة والمتهالكة والتى لم تمتد إليها يد بإصلاح منذ عشرات السنوات؟..


كل حكومة اكتفت بسد جوعة هذه المؤسسات إلى الرواتب، تدفعها تحت ضغط العاملين فى هذه المؤسسات دون أن تذهب إلى برامج إصلاحية، اكتفت بابتداع هياكل فوقية دون إمعان النظر فى الأزمات الداخلية، وأول هذه الأزمات الديون الحكومية التى تثقل كاهل هذه المؤسسات.


 الرئاسات الحالية تتحمل أعباء عقود طويلة من الطنش والسفه المالى والإدارى، كانت عزب جمع عزبة، وكان عليها خولى، تركها مديونة لطوب الأرض، فواتير رهيبة، مجمعات مليونية من الديون للكهرباء والغاز والتأمينات والتليفونات، ديون كالجبال، تُوقِف محركات هذه المؤسسات، وتمنعها من مجرد التفكير فى المستقبل، دون أمل فى إسقاط هذه الديون وتصفير العدادات توطئة لانطلاقة تعجز عنها أجنحة تلك المؤسسات!


لن نبكى على اللبن المسكوب، تتحدث عنه وباستفاضة تقارير الجهاز المركزى للمحاسبات، ولن نبكى على أطلال المؤسسات الحزينة، ولن نفتش فى الأضابير الصفراء، من ينظر إلى الأمام لابد من تحرير قدمى حاضره من ربقة ماضيه، بالله عليكم ماذا تفعل رئاسات فى مجمعات ديون تجارية، تراكمت فوائدها صارت جبالاً من الأموال، وهى تترجى الله فى حق النشوق؟!


حتى الرواتب الهزيلة التى تتحنن علينا بها الحكومة تضع شباب هذه المؤسسات مباشرة تحت خط الفقر، محزن أن يقف صحفى شاب أمام شباك تذاكر المترو ليستفيد من النصف تذكرة على كارنيه النقابة، أو ينتظر بطلوع الروح بدل التكنولوجيا ليسدد إيجار الشقة، ويقضيها طوال الشهر «سلف ودين»، ومؤسسته مدينة بالملايين التى لا يعرف كيف أنفقت وفيم أنفقت ولِمَ لم تغير وجه الحياة داخل أروقة هذه المؤسسات؟!.


المؤسسات الصحفية القومية تحت سفح الجبل يكاد ينقض عليها، من يصعد بها المدق الواعر محملاً بديون الماضى، حاضر هذه المؤسسات لا يبشر بخير قريب، الإفلاس أقرب إليها، والحكومة عزفت عن التفكير، وتركتها كـ»البيت الوقف»، اكتفت بنفقة شهرية، الرواتب، تدفعها متضررة، متأففة، وبعد إلحاح، ورجوات وتوسلات من المجلس الأعلى للصحافة الذى حمى المؤسسات من البيع فى «الماركاتو الخليجى»  الذى يشترى تراب مصر بتراب الفلوس!!  


فاتحت المهندس إبراهيم محلب يوم كان رئيساً للوزراء، وكنت صريحاً لأقصى الحدود فى تشريح الحالة التى باتت عليها مؤسساتنا الصحفية القومية، للأمانة الرجل كان متعاطفاً مع أزمة المؤسسات، متحمساً لبحث الحلول، وسجل اقتراحات، ولكن ذهبت كل الأفكار أدراج الرياح .. سلو بلدنا، الحلو مبيكملشى.


وهبت ريح صرصر عاتية على المؤسسات، المؤسسات بصراحة تعرضت لعصور من النزح المنظم لثرواتها وكنوزها، سنوات من الاستلاب فى عصر مبارك، خرجت الصحافة القومية من أتون ثورة ٣٠/٢٥ مهيضة الجناح، كسيرة الروح، مفلسة بالكلية، تعانى هزيمة صحفية أمام صحافة رجال الأعمال، وفقدت منعتها، واستباحها الإخوان، وهجرها نجومها، وعزف عنها شبابها.


 وصارت مثل تركة ثقيلة مربوط عليها أيتام، لا الدولة تمد يدها، ولا الحكومة تجد فيها بغيتها، ولا أهلها رحماء بها، صارت مثل «البيت الوقف» لا أحد يقربه بفعل قوانين تمنع رئاساته من التصرف فى مسمار خردة  مهمل جنب ماكينة أكل عليها الزمان وشرب، الخلاصة نحن فى حالة وقف حال.. أهلاً بالتغيير هذه سُنة الحياة، ولكن الخشية كل الخشية على بقاء هذه المؤسسات على قيد الحياة.